في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في تحقيق استقصائي مثير نشرته صحيفة غارديان البريطانية، سلطت الكاتبة عائشة داون الضوء على الجوانب الأخلاقية والسياسية المظلمة لمنصة "بولي ماركت"، وهي سوق تنبؤات رقمية تحولت في الآونة الأخيرة إلى ما يشبه "كازينو عالمي" عابر للحدود للكوارث والحروب.
يتتبع التحقيق كيف أصبح المقامرون يراهنون بملايين الدولارات على أدق تفاصيل الحروب والكوارث الإنسانية، مما يطرح تساؤلات حول تحول المآسي البشرية إلى مجرد أرقام في بورصة الرهانات.
تبدأ عائشة داون قصتها بملامسة الواقع الميداني في أوكرانيا، وتحديدا في مدينة قسطنطينوفكا التي يقطنها آلاف المدنيين تحت القصف.
هناك، خلف شاشات الحواسيب، يراقب مقامر مجهول يدعى "هوريكوندن" خرائط "معهد دراسة الحرب" بغضب عارم، ليس تعاطفا مع الضحايا، بل لأن الخرائط -في نظره- غير دقيقة بما يكفي لحسم رهانه المالي.
يراهن هؤلاء على سقوط محطة قطار المدينة بيد القوات الروسية، حيث بلغت قيمة الرهانات على هذا الحدث وحده أكثر من نصف مليون دولار. هذا المشهد، كما تصفه الكاتبة، يجسد الانفصال الأخلاقي التام بين المقامر الرقمي والواقع الدامي على الأرض.
وتوضح الكاتبة في تحقيقها أن منصة "بولي ماركت" لم تعد مجرد تطبيق للمراهنات البسيطة، بل نمت لتصبح قوة اقتصادية هائلة. فبينما كان حجم التداول فيها نحو 400 مليون دولار في يوليو/تموز 2024، أصبحت الآن قادرة على تداول هذا الرقم في يوم واحد فقط.
ومع صعود هذه المنصة، بدأت ملامح خطيرة تظهر على السطح؛ إذ لم يكتفِ المقامرون بمراقبة الأحداث، بل بدؤوا بمحاولة "هندسة الحقيقة" وتشكيل الواقع بما يخدم محافظهم المالية.
مقامرون هددوا صحفيين ميدانيين لمطالبتهم بتعديل تقاريرهم الإخبارية أو تغيير صياغتها، لأن كلمة واحدة قد تعني خسارة أو ربح مئات الآلاف من الدولارات
وتشير داون إلى حوادث صادمة قام فيها مقامرون بتهديد صحفيين ميدانيين لمطالبتهم بتعديل تقاريرهم الإخبارية أو تغيير صياغتها، لأن كلمة واحدة قد تعني خسارة أو ربح مئات الآلاف من الدولارات.
وتنتقل عائشة داون إلى تحليل الأثر الاقتصادي الأوسع، حيث تنقل عن خبراء في تصميم الأسواق بجامعة كولومبيا تحذيرات من أن "بولي ماركت" بدأت تكتسب صفة "إشارة الحقيقة".
والخطورة هنا، كما تقول الكاتبة، تكمن في أن المؤسسات المالية الكبرى، وحتى المصارف الدولية البارزة، بدأت تستشهد باحتمالات المنصة في نشراتها التحليلية.
هذا الاعتماد، وفقا لداون، يفتح الباب واسعا أمام التلاعب بالأسواق العالمية؛ إذ يمكن لمجموعة صغيرة من المراهنين ضخ مبالغ في رهان معين لتغيير الاحتمالات، مما يعطي انطباعا زائفا بوجود "معلومات داخلية" حول أحداث سياسية أو اقتصادية كبرى، وهو ما قد يؤدي إلى اضطرابات في صناديق التقاعد والاستثمارات العالمية.
عائشة داون:
المراهنون لا يكتفون بمراقبة سقوط الأنظمة أو ضرب المنشآت النفطية، بل يترقبون هذه الكوارث بشغف "المستثمر" الطامح للربح
أحد أكثر الجوانب تعقيدا في التحقيق هو كيفية حسم "الحقيقة" عند وقوع النزاع. ففي حال اختلف المراهنون حول نتيجة حدث ما -مثل هل وقع "غزو" أم مجرد "توغل"- لا تلجأ المنصة إلى محكمين دوليين أو مؤسسات قانونية، بل يتم الحسم عبر نظام تصويت رقمي يعتمد على حملة عملة مشفرة تسمى "يو إم إيه" (UMA).
وتشرح داون أن هؤلاء المصوتين مجهولون تماما، ويمتلك أصحاب الثروات الكبيرة منهم قوة تصويتية هائلة، مما يعني أن الحقيقة في نهاية المطاف هي وجهة نظر يقررها من يملك أكبر قدر من رأس المال الرقمي، والذين قد يكونون هم أنفسهم من أصحاب الرهانات الكبيرة على النتيجة.
وتستعرض الكاتبة أيضا الجانب الإنساني من خلال لقاءات مع مستخدمي هذه المنصات، مثل جوزيف فرانسيا الذي يرى في هذه الرهانات وسيلة للتحرر المالي، مبررا أخلاقية المراهنة على الحروب بأنها توفر "وضوحا" وسط غبار الدعاية السياسية.
لكنّ الكاتبة تُعقب بأن هذا الوضوح المزعوم يأتي بتكلفة باهظة، وهي جعل الموت والدمار سلعة. فالمراهنون لا يكتفون بمراقبة سقوط الأنظمة أو ضرب المنشآت النفطية، بل يترقبون هذه الكوارث بشغف المستثمر الطامح للربح، مما وصفه معهد دراسة الحرب بأنه "استغلال مقيت" لمنتجاتهم البحثية.
وترسم عائشة داون في غارديان صورة قاتمة لمستقبل تُدار فيه التوقعات العالمية عبر "كازينو" رقمي غير خاضع للرقابة.
ويقرع التحقيق أجراس الإنذار ضد هذا التحول الذي لا يهدد الحقيقة الصحفية فحسب، بل يهدد الاستقرار العالمي بجعل الكوارث "مربحة" لمن يراهن عليها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة