في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
امتدت آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية في إيران إلى الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي، وانعكست بشكل مباشر على حياة ملايين العمال والفئات الهشة في دول بعيدة عن ساحة القتال، عادة ما تكون غائبة في التغطية العالمية.
وفي تقارير متزامنة نشرتها صحف بريطانية هي إندبندنت وآي بيبر وفايننشال تايمز، برزت صورة متكاملة للثمن الخفي في الحرب.
وقد كانت للهجوم الأمريكي الإسرائيلي آثار واسعة على عالم مترابط سياسيا واقتصاديا، إذ تضررت الطبقة العاملة في بعض بلاد آسيا، وحذر مستثمرون من ندوب طويلة الأمد في الأسواق العالمية، بينما ظهرت تحذيرات من أن حرب إيران ستشعل صراعات جديدة حول العالم.
ويتناول تقرير آي بيبر التبعات الكارثية غير المباشرة لحرب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في إيران، على الأمن الغذائي العالمي.
ويحذر من أن وقف إطلاق النار الهش لن ينهي الأزمة الحقيقية المتمثلة في نقص الأسمدة والوقود، مما قد يشعل حروبا وصراعات ثانوية في مناطق مضطربة أصلا.
هناك ارتباط وثيق بين الاضطرابات المدنية وأسعار المواد الغذائية
بواسطة كريس باريت، أستاذ الزراعة الدولية في جامعة كورنيل
فرغم الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، فإن إيران لا تزال تفرض سيطرتها على مضيق هرمز وتهدد بفرض رسوم عبور.
ويمر عبر المضيق الحيوي 30% من نفط العالم و25% من الغاز الطبيعي، ولكن ما يغفله الكثيرون هو أن 35% من الأسمدة المنقولة بحرا تمر عبر المضيق أيضا، مما يجعله ركيزة أساسية في إدارة المحصولات والأمن الغذائي العالمي.
ومنذ بدء الصراع، بحسب آي بيبر، ارتفعت أسعار اليوريا بنحو 70% والأمونيا بنسبة 39%، وهي عناصر أساسية لإنتاج الغذاء العالمي.
ونقل التقرير عن خبراء تحذيراتهم من العلاقة الوثيقة بين الجوع والاضطرابات، حيث قال كريس باريت، أستاذ الزراعة الدولية في جامعة كورنيل، إن "الناس الجائعين هم بطبيعة الحال أناس غاضبون".
وأوضح أن "هناك ارتباطا وثيقا بين الاضطرابات المدنية وأسعار المواد الغذائية"، فانعدام الأمن الغذائي يؤدي غالبا إلى تزعزع الاستقرار السياسي والاجتماعي، وقد يتحول إلى صراعات مفتوحة.
في 2011 عند اندلاع الربيع العربي، وكذلك خلال أزمة الغذاء عام 2008، أدى ارتفاع الأسعار إلى احتجاجات واسعة وسقوط حكومات
واستشهد بما حصل في 2011 عند اندلاع الربيع العربي، وكذلك خلال أزمة الغذاء عام 2008، عندما أدى ارتفاع الأسعار إلى احتجاجات واسعة وسقوط حكومات.
وقال: "الحكومات التي لم تكن توفر شبكة أمان فعّالة لشعوبها، واجهت فجأة اضطرابات محلية، حيث خرج الناس إلى الشوارع بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية، واستغلت جماعات المعارضة الوضع للقتال ضد الحكومات، وأطاحت بها".
ولفت إلى أن الظروف الحالية قد تعيد إنتاج الاضطرابات التي شهدها العالم حينها، خاصة في بلدان تشهد اضطرابات بالفعل، ولكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيدا.
ولفت التقرير إلى أن نحو 670 مليون شخص يعانون حاليا من الجوع حول العالم، مع تحذيرات من بنك الغذاء العالمي بأن استمرار الأزمة قد يدفع 45 مليون شخص إضافي إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي خلال العام الجاري.
وقدم التقرير قائمة بـ"بؤر الانفجار" المتوقعة، استنادا إلى باريت:
ويخلص التقرير إلى أن الحرب على إيران لم تعد مجرد صراع عسكري محدود، بل تحولت إلى عامل ضغط عالمي يهدد استقرار دول بأكملها، عبر مضيق هرمز بوابة الغذاء.
ويبدو أن وقف إطلاق النار الحالي، غير كاف لمنع تداعيات قد تعيد تشكيل خريطة الصراعات في العالم.
وتتجلى آثار إغلاق المضيق أيضا في الهند، حيث تتكشف موجة هجرة ضخمة للعمال المهاجرين من المدن الكبيرة، حيث العمل والربح، إلى الصغيرة، التي عادة ما تكون مسقط رأسهم.
وأكد تقرير إندبندنت -بقلم المراسلة في نيودلهي شويتا شارما- أن المشهد يعيد إلى الأذهان الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجائحة كورونا.
البلاد تعتمد على الاستيراد لتلبية نحو 60% من احتياجاتها، و90% من هذه الكمية تمر بالمضيق
وأوضح أن السبب الرئيسي للنزوح -من المدن الاقتصادية وعلى رأسها نيودلهي- يعود إلى أزمة غاز الطهي الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز في سياق الحرب الإسرائيلية والأمريكية على إيران، مما أدى إلى نقص حاد في الغاز المنزلي بالهند.
وأضاف أن البلاد تعتمد على الاستيراد لتلبية نحو 60% من احتياجاتها، و90% من هذه الكمية تمر بالمضيق.
ومع استمرار الإغلاق وارتفاع أسعار النفط إلى نحو 100 دولار للبرميل، تحولت أسطوانات الغاز إلى سلعة نادرة ومكلفة، مما أدى إلى ازدهار السوق السوداء.
وبينما تُصرّ الحكومة الهندية على أن إمداداتها من الغاز المسال مستقرة وكافية، وتزعم الشرطة أنها تُكثّف جهودها لمكافحة السوق السوداء، فإن أنظمة التوزيع الموجودة لا تدعم المهاجرين، مما يجعلهم من أكبر الفئات المتضررة.
فالنظام الرسمي للتوزيع يتطلب "إثبات سكن" لتسجيل اشتراك قانوني والحصول على الغاز، وهو ما يفتقره المهاجرون الذين يعيشون في غرف مؤقتة، بحسب التقرير.
ما يحصل ظلمٌ بيّنٌ بحقّ العمال المهاجرين، إذ تعجز الحكومة عن ضمان تسجيلهم بشكلٍ صحيحٍ ودقيق
بواسطة نيرمال غورانا، منسق اللجنة الوطنية لحملة القضاء على العمل الجبري
وشبّه نيرمال غورانا، منسق اللجنة الوطنية لحملة القضاء على العمل الجبري، الوضع بالكارثة، مشيرا إلى فشل الحكومة في تسجيل العمال غير المنظمين بشكل صحيح بموجب قانون العمال المهاجرين بين الولايات لعام 1979.
وقال للصحيفة: "ما يحصل ظلمٌ بيّنٌ بحقّ العمال المهاجرين، إذ تعجز الحكومة عن ضمان تسجيلهم بشكلٍ صحيحٍ ودقيق. وتصحيح الوضع سيكون خطوة أولى في سبيل استعادة كرامة هذه القوة العاملة التي تُعدّ ركيزةً أساسيةً لمدننا".
العمال في الهند يعتمدون على الأجور اليومية لتأمين مستلزمات حياتهم (الأناضول)وأوضح التقرير أن العمال يعتمدون على الأجور اليومية لتأمين مستلزمات حياتهم، وبالتالي لم يعودوا قادرين على تأمين ضروريات الغذاء في ظل ارتفاع الأسعار.
ونقل عن العامل روشان كومار قوله إن أجره اليومي لم يعد يكفي حتى لشراء أسطوانة غاز صغيرة، مضيفا: "الآن قد أضطر إلى التسول لكي آكل".
لا نريد أن نموت جوعا هنا، الغرف صغيرة جدا ولا يوجد خيار الطبخ على الحطب
بواسطة لاخي تشوهان، وهو عامل بناء
كما أكد عامل آخر، رام فيلاس ياداف، أن عائلته اضطرت لمغادرة المدينة بعد نفاد الغاز، وأن لا أحد يغادر بإرادته، لكن الظروف دفعتهم. وأوضح أن أجورهم الضئيلة أساسا لا تكفي للاستمرار "في الأكل من المطاعم وحرق مدخراتنا".
ولا تتوفر خيارات الطهي على الحطب في المدن الكبيرة، كما أكد لاخي تشوهان -وهو عامل بناء- للصحيفة، وتابع قائلا "لا نريد أن نموت جوعا هنا، الغرف صغيرة جدا ولا يوجد خيار الطبخ على الحطب. على الأقل في بيهار (مسقط رأسه) سنتمكن من الطبخ على موقد الحطب التقليدي".
وعبر قصص العمال الذين تفصلهم عن الصراع آلاف الكيلومترات، يتبين سبب تصاعد الغضب العالمي من إغلاق المضيق الحيوي، وتضافر الجهود الدولية لإعادة فتحه.
أسواق الأسهم والسندات تعرضت لهزات قوية خلال التصعيد العسكري (رويترز)وفي هذا السياق، أكدت صحيفة فايننشال تايمز أن الحرب على إيران تركت "ندوبا طويلة الأمد" في الأسواق المالية العالمية، في مؤشر واضح على أن كلفة الصراع تتجاوز ميدان القتال لتطال بنية الاقتصاد الدولي وثقة المستثمرين.
وأوضح التقرير أن أسعار الطاقة لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، رغم إعلان الهدنة، حيث بقي خام برنت مرتفعًا بنحو 35%.
الحرب أثرت على مكانة الدولار والثقة به، في ظل ارتفاع الدَّين العام وتوتر العلاقات الدولية
كما تعرضت أسواق الأسهم والسندات لهزات قوية خلال التصعيد العسكري، قبل أن تشهد انتعاشا جزئيا مع إعلان الهدنة، إلا أن هذا التعافي مؤقت وهش، بحسب الصحيفة.
ونقل التقرير عن مستثمرين أن الأثر الحقيقي للحرب يتمثل في تآكل الثقة، حيث قال جيمس فوكينز من شركة "أفيفا إنفيستورز" إن الأسواق ستحتاج إلى "علاوة مخاطر أعلى" حتى في حال التوصل إلى سلام دائم، مما يعني أن تكلفة التمويل والاستثمار ستظل مرتفعة لفترة طويلة.
كما لفت إلى أن الحرب أثرت على مكانة الدولار والثقة به، في ظل ارتفاع الدَّين العام وتوتر العلاقات الدولية. وأكد خبراء أن هذا التحول قد يدفع المستثمرين إلى تنويع أصولهم والابتعاد جزئيا عن السوق الأمريكية.
وفي أوروبا، كانت التداعيات أشد، نظرا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة، حيث ارتفعت عوائد السندات بشكل أكبر، وتراجعت جاذبية الأسهم، وسط توقعات بضعف النمو الاقتصادي.
وفي المحصلة، تشير التقارير إلى أن كلفة الحرب لا تقتصر على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى آثار هيكلية طويلة الأمد، تشمل احتمال توسع رقعة الصراع دوليا، وزعزعة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لمختلف الدول، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة كلفة الاقتراض، وتراجع الثقة في الأسواق، مما يجعل التعافي الكامل بعيد المنال حتى بعد توقف القتال.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة