رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران حيّز التنفيذ لمدة أسبوعين، فما زال مضيق هرمز -شريان الطاقة العالمي- يشكل "عنق الزجاجة" الذي قد يبتلع هذه "الهدنة" في أي لحظة.
ففي حين يرهن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب استمرار الهدنة بالفتح الكامل للممر المائي، أعادت طهران إغلاقه جزئيا وفرضت قيودا مشددة ردّا على ما وصفتها بـ"الانتهاكات الإسرائيلية" في لبنان، مما يجعل من المضيق مؤشرا يحدد مصير المنطقة بين السلام المؤقت أو العودة إلى الهجمات والهجمات المضادة مرة أخرى.
أظهرت بيانات ملاحية تحليلية نشرتها وكالة "رويترز" أن حركة الملاحة شبه متوقفة، فخلال الساعات الـ24 الماضية، لم تعبر سوى ناقلة نفط واحدة وخمس سفن بضائع، وهو رقم ضئيل مقارنة بمتوسط 140 سفينة يوميا قبل اندلاع الحرب يوم 28 فبراير/شباط الماضي.
ووفقا لمصادر ملاحية، فإن إيران تشترط "إذنا سابقا" مشفوعا برسوم عبور تُدفع بالعملات المشفرة أو باليوان الصيني.
ونقلت شبكة "سي إن إن" الأمريكية عن بيانات ملاحية أن مئات السفن ما زالت عالقة في المنطقة، بانتظار الضوء الأخضر الإيراني الذي بات مرتبطا بالوضع الميداني في لبنان، إذ أكد مسؤول إيراني رفيع للجزيرة أن "إعادة فتح المضيق لن تتم إلا بعد إيقاف الهجمات الإسرائيلية على لبنان"، مضيفا أن الاتفاق الذي جرى بوساطة باكستانية يشمل المنطقة بأكملها.
ويمثل ملف تهديد العبور في المضيق كابوسا لشركات التأمين والملاحة الدولية، فعلى الرغم من سريان "الهدنة" فإن المخاوف من الألغام البحرية ما زالت قائمة.
وذكرت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية، اليوم الخميس، أن قوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني نشرت خريطة توضح طرقا بديلة للملاحة في مضيق هرمز لمساعدة السفن العابرة على تجنب الألغام البحرية.
وقالت قوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني إنه مع وضع الحرب بالخليج، يتعين على جميع السفن استخدام طريق بديل نحو الشمال بهدف تجنب "الاصطدام المحتمل بالألغام البحرية". أما المنظمة البحرية الدولية (IMO) فعملت على وضع آليات تضمن عبورا آمنا للسفن.
لم يعد التعامل الإيراني مع المضيق مجرد إغلاق عسكري، بل كشفت تصريحات لمسؤولين إيرانيين للجزيرة نت عن "بروتوكول" قائم لاستيفاء كلفة تأمين أمن مرور السفن.
وأوضح حميد حسيني، المتحدث باسم اتحاد مصدّري النفط والغاز في إيران، أن فرض رسوم المرور يندرج ضمن "حزمة أدوات الضغط" في المفاوضات مع الغرب لتخفيف العقوبات.
وتؤكد طهران أنها جادة في تطبيق هذه الآلية لتعويض الخسائر المادية التي تكبدتها خلال الحرب، وهو إجراء "قيد التنفيذ وفق الصيغة المعتمدة سابقا"، مما يعني تحويل المضيق من ممر دولي مفتوح إلى ممر يخضع لسيادة مالية وأمنية إيرانية مباشرة.
وقوبلت التوجهات الإيرانية برفض دولي واسع، فقد صرحت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر ورئيس الوزراء كير ستارمر بضرورة عدم احتجاز المضيق "رهينة"، مؤكدين رفض فرض أي رسوم عبور.
ووصف الاتحاد الأوروبي فكرة الرسوم الإيرانية بأنها انتهاك للقانون الدولي الذي يكرس حرية الملاحة.
وفي إيطاليا، تعهدت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني بالعمل مع تحالف دولي يضم 30 دولة لاستعادة حرية الملاحة، محذرة من تداعيات اقتصادية مدمرة إذا نجحت إيران في فرض صلاحياتها المالية على السفن.
كما قال الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية إن السماح لإيران بفرض رسوم على مضيق هرمز سيشكل سابقة خطيرة وغير مقبولة، في حين شدد رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني على أهمية ضمان أمن الممرات البحرية وحرية الملاحة وفق القانون الدولي.
وطالبت واشنطن حلفاءها في حلف شمال الأطلسي ( الناتو) بتقديم خطط ملموسة لضمان أمن الملاحة خلال أيام، تزامنا مع تأكيد ترمب بقاء الوجود العسكري الأمريكي القوي في محيط إيران لمراقبة تنفيذ "الهدنة".
وقالت مجلة دير شبيغل الألمانية إن الولايات المتحدة تصعّد ضغوطها على شركائها الأوروبيين لنشر قوات عسكرية في مضيق هرمز.
وأضافت أن الأمين العام للناتو أبلغ العواصم الأوروبية بأن الرئيس الأمريكي يتوقع التزامات ملموسة خلال الأيام المقبلة لنشر سفن حربية أو قدرات عسكرية أخرى من أوروبا، موضحة أن ألمانيا أبدت استعدادها العام للمشاركة لكنها تصر على معايير محددة مثل تفويض قوي من الأمم المتحدة ووقف دائم لإطلاق النار.
الغموض الذي يكتنف وضع مضيق هرمز الحالي ربما يلخص المشهد، فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل قد يكون "المحدد الفعلي" لاستمرار الوقف المؤقت لإطلاق النار أو العودة إلى صدام شامل.
فإيران، بلسان نائب وزير خارجيتها سعيد خطيب زاده، تؤكد بقاء المضيق مقيَّدا في رد مباشر على قصف لبنان، في حين يراقب الجيش الإيراني المفاوضات و"أصابعه على الزناد"، معلنا على لسان المتحدث باسمه الاستعداد لحرب "طويلة الأمد" إذا فشلت هدنة الأسبوعين.
في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فجر الخميس، أن الولايات المتحدة ستواصل الاحتفاظ بـ"وجود عسكري قوي" في محيط إيران، لحين تنفيذها اتفاق الهدنة، متوعدا برد عسكري واسع في حال عدم الالتزام به.
وأضاف أن "جميع السفن والطائرات والعناصر العسكرية الأمريكية وكميات إضافية من الذخيرة والأسلحة ستبقى بمواقعها في محيط إيران، لحين الالتزام الكامل بالاتفاق".
ومع تصاعد "حرب التصريحات" بين أمريكا وإيران، يبقى مضيق هرمز هو "كلمة السر"، فإما أن يفتح أبواب الدبلوماسية في باكستان، أو يغلقها ليعود التصعيد إلى المنطقة من جديد.
المصدر:
الجزيرة