تعيش تونس منذ 25 يوليو/تموز2021 على وقع أزمة سياسية خانقة ومتصاعدة أعادت البلاد إلى مربع الاستبداد، بعد مسار ديمقراطي هش دام عقدا من الزمن.
وبين سلطة تمضي في تكريس الأمر الواقع عبر الحكم بالمراسيم وإقامة مؤسسات صورية فاقدة للتمثيل وعاجزة عن التأثير، ومعارضة ممزقة بفعل تراكمات ما قبل الانقلاب وضغوط ما بعده، بدأت في الأشهر الأخيرة تتشكل ملامح ديناميكية جديدة قد تفضي إلى تغيير قواعد الاشتباك السياسي.
فبعض أطراف المعارضة، التي تقاطعت سابقا في العداوات أكثر مما التقت على المبادئ، تسعى اليوم إلى كسر جليد الافتراق وبناء جسور التواصل من أجل صياغة أرضية مشتركة لمقاومة الانقلاب ووقف متوالية الظلم والاستفراد بالسلطة.
في المقابل، تتحرك السلطة وأذرعها الإعلامية والرقمية بشكل مكثف لإفشال أي محاولات للتقارب، عبر إعادة إنتاج سرديات التخويف من حركة النهضة وتغذية الانقسام داخل المعارضة باعتباره شرطا لبقاء السلطة ونجاح مشروعها الأحادي.
وفي قلب هذا الاشتباك، تتواصل التحركات على الساحتين السياسية والاجتماعية:
هل تمثل هذه الديناميكية الجديدة داخل المعارضة التونسية نواة لتشكل جبهة ديمقراطية واسعة قادرة على إحداث توازن فعلي في مواجهة الانقلاب، أم إن المنظومة القائمة ستنجح مجددا في تفكيك هذا التقارب وإعادته إلى مربع الخلافات القديمة؟
منذ أشهر، تتزايد النقاشات والمبادرات داخل صفوف المعارضة التونسية حول ضرورة الانتقال من منطق التوازي إلى منطق التلاقي. فقد أثبتت التجربة السياسية خلال السنوات الثلاث الماضية أن استمرار الانقلاب يعود، بدرجة أولى، إلى تشظي المعارضة أكثر مما يعود إلى قوة النظام أو مشروعية مساره.
ولذلك بدأت شخصيات وأحزاب من الطيف الديمقراطي العلماني، إلى جانب فاعلين من العائلات الاجتماعية والمدنية، في الدفع نحو بناء أرضية مشتركة تتجاوز الحسابات الأيديولوجية القديمة.
وهذه الأرضية لا تقوم على توحيد البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية، بل على أولويات ديمقراطية وحقوقية عاجلة، في مقدمتها استعادة دولة القانون ومؤسساتها، ووقف كل الملاحقات والمحاكمات ذات الطابع السياسي، وإلغاء المرسوم 54 الذي بات رمزا للتضييق على الحريات، إضافة إلى الدفع نحو العودة إلى مسار شرعي قائم على الحوار الوطني، أو أي آلية تشاركية تنهي حالة الانسداد السياسي.
وبهذا المعنى، فإن ما يجري اليوم في تونس هو تجريب سياسي لإمكانية تشكيل جبهة ديمقراطية واسعة، تتسع لكل الأطراف المناهضة للاستبداد مهما اختلفت مرجعياتها الفكرية.
في مقابل هذه التحركات، تتحرك منظومة السلطة، ومعها أذرع إعلامية ورقمية وظيفية، داخل البلاد وخارجها، لإفشال هذا المسعى، عبر تكتيكات تقوم أساسا على إعادة تدوير سرديات ما قبل 25 يوليو/تموز:
تعمل مئات الصفحات والحسابات الوهمية، إلى جانب جهات موالية للسلطة، على إعادة إنتاج خطاب يقوم على شيطنة حركة النهضة، واعتبار أي تقارب معها "خيانة" أو "عودة للإرهاب".
ويتم في هذا السياق استحضار ملفات قديمة لإثارة الريبة والخوف، مثل الاغتيالات السياسية، وادعاءات نهب المال العام، وتضخيم ملف الانتدابات في الوظيفة العمومية، إضافة إلى ملف العفو التشريعي العام، بهدف صناعة مناخ تخويفي يعرقل أي محاولة لبناء جبهة معارضة واسعة. كل هذا رغم أن القضاء أصدر أحكاما باتة حسمت بعض هذه الملفات.
تندرج عودة بعض الشعارات القديمة ضمن مسعى واضح لترويج سرديات تشوه مسار الانتقال الديمقراطي وفاعليه، ولا سيما حركة النهضة، بما يغذي المزاج الشعبي بنوازع الغضب والحقد تجاه الثورة ويعمل على شيطنتها وتحميلها مسؤولية الأوضاع الراهنة.
وليس من المصادفة أن يعود شعار: "يا غنوشي يا سفاح يا قتال الأرواح" إلى الشارع في هذا التوقيت بالذات، رغم صدور أحكام قضائية باتة برأت راشد الغنوشي وحركة النهضة من تهمة الاغتيال السياسي، وهو ما يعكس إصرارا على توظيف خطاب التحريض والتشويه وتجاهل الوقائع القضائية، في إطار صياغة سردية معادية للثورة والانتقال الديمقراطي.
وبدل فتح نقاش جدي حول طبيعة السلطة القائمة، وتعطيل المؤسسات، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يجري تعويم النقاش العام عبر إعادة إنتاج خطاب إقصائي قائم على الشعارات والشتائم السياسية، من أجل الإبقاء على تشتت المعارضة ومنع تقاربها وإفراغ الفضاء العام من أي مضمون نقدي فعلي.
مثل 17 ديسمبر/كانون الأول، تاريخ انطلاق الثورة التونسية، مناسبة سعت خلالها أطراف مناصرة لرئيس الجمهورية إلى تنظيم تحرك جماهيري واسع بهدف الإيحاء باستمرار تمتعه بشرعية شعبية كبيرة، رغم تدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وتصاعد السياسات القمعية. وفي هذا السياق، جرى توظيف هذه المحطة الرمزية وتحويلها من مناسبة وطنية جامعة إلى استعراض دعم لسياسة فردية أفرغت الثورة من مضامينها الأصلية.
ورغم أن التحرك قد حصل بعد حملة تحشيد واسعة استمرت أشهرا وسخرت له إمكانيات الدولة بمختلف هياكلها وقدراتها اللوجيستية، فإن نتائجه جاءت دون مستوى الرهانات التي سعت السلطة إلى تحقيقها، وفي مقدمتها الإيهام باتساع الحاضنة الشعبية لرئيس الجمهورية وبأن الشارع لا يزال ملتفا حول "مشروعه".
فلم يكن التحرك "مليونيا" مثلما روج له منظموه، كما بدت رسائله السياسية ضعيفة ومحدودة التأثير، بل وربما فاقدة لأي دلالة سياسية ذات معنى.
من التحولات اللافتة خلال الفترة الأخيرة عودة المعارضة الديمقراطية العلمانية إلى الشارع، وهذه المرة بخطاب أكثر وضوحا وتركيزا على جوهر الأزمة، أي الاستبداد.
فقد رفعت هذه القوى شعار إطلاق سراح جميع المساجين السياسيين دون استثناء، معتبرة أن الاعتقالات ذات طابع سياسي، كما جعلت من إلغاء المرسوم 54 مطلبا مركزيا، باعتباره أداة قمعية طالت الصحفيين والإعلاميين والمعارضين، ورمزا للانقلاب على حرية التعبير.
ويكتسي هذا التحول أهمية خاصة، لأنه أسهم في توسيع الحزام المعارض للانقلاب عبر استقطاب فئات كانت مترددة أو متحفظة، كما جاء في سياق وعي متزايد بضرورة توسيع قاعدة المعارضة، بما يفرض مراجعة منطق الإقصاء والانفتاح على قبول حركة النهضة باعتبارها مكونا من مكونات المشهد الديمقراطي، لا عائقا أمامه، وهو ما يعكس انتقالا تدريجيا من منطق الاصطفاف الأيديولوجي إلى منطق التلاقي حول القواسم المشتركة.
يبقى السؤال الجوهري اليوم: هل ما نعيشه تقارب ظرفي أم بداية تأسيس لجبهة سياسية واسعة؟
المعطيات تشير إلى احتمالين متناقضين:
إن بناء حالة سياسية جديدة قادرة على فرض نفسها في ميزان القوى لا يمكن أن يتحقق بمجرد التقاطع الظرفي حول شعارات عامة، بل يمر حتما عبر معالجة عميقة لجذر الانقسام داخل المعارضة نفسها.
فالتجارب السابقة أثبتت أن توحيد المواقف والتحركات في القضايا الكبرى، مثل رفض الظلم، واستعادة الحريات، والدفاع عن الدولة الديمقراطية، يظل هشا وقابلا للانهيار ما لم يرفق بتجاوز حقيقي لاختلاف وتناقض السرديات والقراءات والمواقف إزاء القضايا الخلافية التي تشق الساحة السياسية والفضاء العام.
إن استمرار كل طرف في التمسك بسرديته الخاصة بوصفها الحقيقة الوحيدة، أو في قراءة التاريخ القريب بمنطق الإدانة الشاملة والاصطفاف الأيديولوجي، يجعل أي تقارب معارض محكوما بسقف منخفض، ويحوله إلى تنسيق تكتيكي عابر لا يلبث أن يتفكك عند أول اختبار جدي.
لذلك فإن الانتقال من مجرد التلاقي إلى بناء جبهة ديمقراطية قادرة على الاستمرار يقتضي بلورة سردية جامعة حدها الأدنى الاتفاق على طبيعة الصراع الراهن بوصفه صراعا بين الاستبداد والديمقراطية، لا نزاعا بين مشاريع هوياتية أو أحقاد تاريخية.
ولا يعني الحديث عن سردية مشتركة الدعوة إلى محو الخلفيات الفكرية أو السياسية لمكونات المعارضة، ولا فرض قراءة موحدة للتاريخ أو للمرحلة الانتقالية، بل المقصود هو تحييد القراءات الأيديولوجية المبنية على منطق العلاقات الصفرية، حيث يفهم التقدم لطرف باعتباره بالضرورة هزيمة للآخر.
فالجبهة الديمقراطية لا تبنى على تطابق الأفكار، بل على إدارة الاختلاف داخل إطار جامع، يسمح بتحويل التعدد من عنصر تفكك إلى مصدر قوة.
من دون هذا الجهد الفكري والسياسي العميق، ستبقى محاولات التقارب بين قوى المعارضة أسيرة صعوبة التحقق، وهشاشة البناء، ومحدودية القدرة على التطور والاستمرار.
أما إذا نجحت المعارضة في تجاوز معارك السرديات المتناحرة، وصياغة أفق مشترك يقدم الحريات والديمقراطية كأولوية جامعة، فإنها ستكون قد خطت خطوة حاسمة نحو بناء حالة سياسية جديدة، لا تكتفي برفض الاستبداد، بل تمتلك أيضا شروط تحويل هذا الرفض إلى قوة تاريخية منظمة وقابلة للانتصار.
تبدو تونس اليوم أمام مفترق حاسم لا يمكن اختزاله في صراع ظرفي على الحكم، بقدر ما يعكس مواجهة مفتوحة حول طبيعة الدولة وحدود السلطة ومعنى السياسة نفسها.
فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يحكم، بل بكيفية منع تآكل شروط الفعل السياسي من حرية وضمانات قانونية وتعددية، في ظل سلطة تدار بمنطق المراسيم وتوسع دائرة التجريم وتفرغ المجال العام من محتواه.
في هذا السياق، يكتسب الحديث عن تقارب قوى المعارضة حول حد أدنى من المطالب، مثل رفض الظلم، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وإلغاء المرسوم 54، دلالته كخيار عقلاني تفرضه المصلحة العامة، لا كشعار أخلاقي أو اصطفاف ظرفي.
فاستعادة أي توازن في ميزان القوى تمر، بالضرورة، عبر حماية المجال العام قبل التنافس داخله. ويعني هذا التقارب عمليا مغادرة منطق الرفاهة السياسية والانكفاء الأيديولوجي، نحو منطق التفاهمات الكبرى والتنازلات المتبادلة التي تكون قادرة على تحويل التذمر الاجتماعي والغضب السياسي إلى فعل منظم.
من المفيد التأكيد أن النجاح في بناء جبهة ديمقراطية مستدامة يمر عبر صياغة سردية جامعة تتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية والصراعات التاريخية، بحيث يدار الاختلاف داخل إطار يتيح تحويل التعدد إلى مصدر قوة.
من دون هذا الجهد الفكري والسياسي، ستبقى محاولات التقارب هشة ومحدودة التأثير، أما إذا نجحت المعارضة في تجاوز النزاعات وإعطاء الأولوية للحريات والديمقراطية، فإنها ستصبح قوة تاريخية منظمة قادرة على تغيير موازين القوى، وتحقيق التغيير المطلوب وإعادة السياسة إلى تونس.
وبينما تراهن السلطة على إعادة إنتاج الانقسامات وإحياء سرديات الماضي وإعادة تدويرها لتعطيل هذا المسار من أجل تأمين استمرارها رغم الهشاشة التي لحقتها، يبقى الرهان الأساسي على قدرة الفاعلين السياسيين والمدنيين على بناء حد أدنى جامع، متين وصلب، لأن ما يحسم في هذا المفترق ليس موازين القوة الآنية، بل مستقبل الحرية وإمكان استعادة السياسة وتأسيس حالة ديمقراطية جديدة في تونس.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة