آخر الأخبار

هذا النوع من الدهون يحوّل جسمك إلى قنبلة صحية موقوتة

شارك

في النقاش العالمي حول السمنة، يتركز الاهتمام غالبا على الوزن الإجمالي للجسم، غير أن العلم الحديث بات يقدم صورة أكثر تعقيدًا ودقة، فالمشكلة لا تكمن فقط في كمية الدهون، بل في مكان تراكمها داخل الجسم.

وأظهرت الأبحاث خلال العقود الأخيرة أن الدهون المتراكمة في منطقة البطن، المعروفة بالسمنة المركزية، أشد خطرا بكثير من الدهون الموزعة في أماكن أخرى.

هذه السمنة لم تعد مجرد مسألة جمالية أو شكلية، بل تُعد اليوم أحد أبرز المحركات لما يُعرف بأمراض القلب والأيض (cardiometabolic diseases)، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون في الدم، وداء السكري من النوع الثاني، ومرض الكبد الدهني غير الكحولي، وأمراض القلب والسكتات الدماغية.

مصدر الصورة من أخطر المضاعفات ارتباطًا بالسمنة المركزية مرض الكبد الدهني غير الكحولي (شترستوك)

نوع مختلف من الدهون

تشير السمنة المركزية إلى تراكم الدهون في عمق التجويف البطني، حيث تحيط بأعضاء حيوية مثل الكبد والبنكرياس والأمعاء. وتُعرف هذه الدهون بالدهون الحشوية، وهي تختلف جذريًا عن الدهون الموجودة تحت الجلد.

فبينما تعمل الدهون تحت الجلد كمخزون للطاقة، تتصرف الدهون الحشوية كأنها عضو نشط هرمونيا، إذ تفرز أحماضا دهنية وهرمونات ومواد التهابية مباشرة في مجرى الدم.

وبسبب قربها من الأعضاء الحيوية، فإن هذه المواد تؤثر بسرعة في وظائف الجسم الطبيعية، وهو ما يفسر ارتباطها القوي بالأمراض.

المحرك الخفي لأمراض القلب والأيض

تقف السمنة المركزية في قلب ما يُعرف بالاختلال القلبي الاستقلابي (cardiometabolic dysfunction)، حيث تعمل كنقطة انطلاق لسلسلة من الاضطرابات المترابطة التي تمس كلا من الأيض والجهاز القلبي الوعائي.

ومن أولى هذه الاضطرابات مقاومة الإنسولين، إذ تؤدي الأحماض الدهنية المنبعثة من الدهون الحشوية إلى إضعاف استجابة الخلايا للإنسولين، مما يعيق تنظيم مستوى السكر في الدم.

إعلان

ومع مرور الوقت، يفشل البنكرياس في التعويض، لترتفع مستويات السكر تدريجيا وتظهر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، غالبًا بعد سنوات من التغيرات الصامتة. وفي الوقت ذاته، تحدث السمنة المركزية خللا واضحا في توازن الدهون في الدم، فيما يُعرف باضطراب شحوم الدم.

ويتميز هذا الاضطراب بارتفاع الدهون الثلاثية، وانخفاض الكوليسترول الجيد (HDL)، وزيادة الجزيئات الصغيرة والكثيفة من الكوليسترول الضار (LDL)، وهي الأكثر قدرة على إحداث تلف في جدران الشرايين. ويُعد هذا النمط من أخطر العوامل التي تسرع تصلب الشرايين.

مصدر الصورة تعني السمنة المركزية تراكم الدهون في عمق التجويف البطني (غيتي)

حين تتحول الدهون إلى ضغط مرتفع

من النتائج المباشرة أيضًا للسمنة المركزية ارتفاع ضغط الدم، وهو ليس حدثا عرضيا، بل نتيجة تفاعل عدة آليات بيولوجية.

فالدهون الحشوية تنشط الجهاز العصبي الودي (sympathetic nervous system)، مما يزيد من معدل ضربات القلب ويؤدي إلى تضيق الأوعية الدموية. كما تحفز نظام الرينين–أنجيوتنسين–ألدوستيرون (renin–angiotensin–aldosterone)، وهو نظام هرموني يؤدي إلى احتباس الصوديوم والماء داخل الجسم، مما يرفع الضغط الدموي.

إضافة إلى ذلك، يمكن لتراكم الدهون حول الكلى أن يؤثر في وظيفتها في تنظيم السوائل، بينما تسهم الالتهابات المزمنة في إضعاف مرونة الأوعية الدموية. وتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى ارتفاع مستمر في ضغط الدم، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على القلب والدماغ والكلى.

الكبد غير الكحولي

من أخطر المضاعفات ارتباطا بالسمنة المركزية مرض الكبد الدهني غير الكحولي. فمع وجود مقاومة الإنسولين وزيادة تدفق الأحماض الدهنية من الدهون الحشوية، يبدأ الكبد في تخزينها، مما يؤدي إلى تراكم الدهون داخله. ومع الوقت، قد يتطور هذا التراكم إلى التهاب وتلف في خلايا الكبد، ثم إلى تليف في الحالات المتقدمة.

ويُنظر اليوم إلى الكبد الدهني على أنه الوجه الكبدي لأمراض القلب والأيض، نظرًا لارتباطه الوثيق بمقاومة الإنسولين واضطرابات الدهون وارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب.

الالتهابات المزمنة

تشترك جميع هذه الاضطرابات في عامل أساسي هو الالتهاب المزمن منخفض الدرجة. فالدهون الحشوية تفرز بشكل مستمر مواد التهابية تنتشر في الجسم، فتحدث ضررا تدريجيا للأوعية الدموية، وتفاقم مقاومة الإنسولين، وتخل بتوازن الدهون، وتساهم في رفع ضغط الدم.

هذا الالتهاب الصامت هو الرابط الخفي الذي يجمع بين السمنة المركزية ومجمل أمراض القلب والأيض.

مصدر الصورة اتباع نظام غذائي غني بالأطعمة الطبيعية والألياف والدهون الصحية يساهم في تحسين التوازن الأيضي (مواقع التواصل)

لماذا لا يكفي مؤشر كتلة الجسم؟

لا يعكس مؤشر كتلة الجسم (الوزن بالكيلوغرام مقسوم على مربع الطول بالمتر) دائما المخاطر الصحية الحقيقية، إذ يمكن لشخص بوزن طبيعي أن يحمل نسبة مرتفعة من الدهون الحشوية، وهي حالة تُعرف أحيانا بالسمنة ذات الوزن الطبيعي.

كما أن هذا المؤشر لا يأخذ في الاعتبار نسبة الكتلة الخالية من الدهون مقابل الكتلة الدهنية (قد يمتلك لاعبو كمال الأجسام مؤشر كتلة جسم مرتفعا دون أن تكون لديهم كتلة دهنية مرتفعة).

إعلان

لذلك، يوصي الخبراء بالاعتماد على قياسات أخرى مثل محيط الخصر أو نسبة الخصر إلى الطول، التي تُعد أكثر دقة في تقييم خطر الإصابة بأمراض القلب والأيض.

خطر يمكن تفاديه

رغم خطورتها، تبقى السمنة المركزية من الحالات التي يمكن التحكم بها. فالدهون الحشوية تستجيب بشكل ملحوظ للتغييرات في نمط الحياة. يساعد النشاط البدني المنتظم، خاصة عند الجمع بين التمارين الهوائية وتمارين القوة، على تقليل الدهون البطنية.

كما أن اتباع نظام غذائي غني بالأطعمة الطبيعية والألياف والدهون الصحية يساهم في تحسين التوازن الأيضي. ويلعب النوم الجيد وتقليل التوتر دورا أساسيا في تنظيم الهرمونات المرتبطة بتراكم الدهون.

حتى التغييرات البسيطة يمكن أن تؤدي إلى تحسن ملموس في ضغط الدم، وتوازن الدهون، وصحة الكبد، والمخاطر القلبية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار