في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل نحو ستة أشهر بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران لتحقيق مجموعة من الأهداف الإستراتيجية، من بينها تغيير النظام في طهران، والقضاء بشكل كامل على البرنامج النووي الإيراني، لكن واشنطن أخفقت حتى الآن في الوصول لهذه الأهداف، بل تسببت الحرب في أضرار اقتصادية واسعة، مع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، والارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز.
ومن ثم، قررت الولايات المتحدة التحول إلى الضغوط الاقتصادية لإجبار إيران على الخضوع لما تريده، وأعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بداية هجوم اقتصادي غير مسبوق، وصفه بأنه "يوم إنزال" اقتصادي، وأطلق على هذا الهجوم اسم عملية "المنبوذ الاقتصادي" تعبيرا عن الهدف من العقوبات الأمريكية، وهو خنق اقتصاد إيران وعزله عن الاقتصاد العالمي.
ويعد هذا التحول من العمل العسكري إلى الحرب الاقتصادية "إقرارا بفشل الحرب في تحقيق أهدافها"، حسب ما قالته صحيفة "إندبندنت" البريطانية، على الرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب "لن يعترف أبدا" بهذا الفشل، وفق الصحيفة.
وتساءلت الصحيفة البريطانية عن الجدوى أصلا من إطلاق الحرب الأمريكية على إيران، بكل تكلفتها البشرية والمادية، إذا كانت إدارة ترمب ترى أنه يمكن تحقيق أهدافها بالضغوط المالية.
ووصفت "إندبندنت" قرار الحرب بأنه "خطأ إستراتيجي"، إذ كانت نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال تتدفق قبل الحرب بلا عقبات عبر مضيق هرمز، وهو ما تغير عقب الحرب، علاوة على المخاطر التي تشكلها هجمات جماعة الحوثي على ممر ملاحي آخر بالغ الأهمية عبر مضيق باب المندب والبحر الأحمر.
ويبقى السؤال المطروح الآن هو مدى قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها في إيران بالحرب الاقتصادية بدلا من المواجهة العسكرية.
وفي هذا السياق، تشير إندبندنت إلى أهمية إمدادات النفط من الشرق الأوسط عبر مضيق هرمز لعدد من الاقتصادات الكبرى في آسيا، وأهمها الصين واليابان والهند، الأمر الذي يعني أن المزيد من الضغوط على إيران ستسبب المزيد من الاضطرابات في أسواق النفط.
وواصلت الصين مشترياتها من النفط الإيراني رغم العقوبات الأمريكية، إذ استوردت نحو نصف مليون برميل من خام إيران يوميا في أغسطس/آب الجاري، وفقا لبيانات شركة "كبلر" التي نقلتها صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.
ويزيد الضغط الاقتصادي المتواصل على إيران من حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة، حسب ما قاله بريت إريكسون، مدير شركة "أوبسيديان ريسك أدفايزرز" للاستثمار لمجلة "بوليتيكو" الأمريكية، مضيفا أن هذا الضغط يظهر أن إيران تسيطر فعليا على مضيق هرمز، بخلاف ما تقوله إدارة ترمب، ولهذا يتم الضغط عليها لتغيير سياستها.
وأشارت "بوليتيكو" إلى أن الهجوم الاقتصادي الذي أعلن عنه وزير الخزانة الأمريكي بيسنت سيؤدي في أحسن الأحوال إلى إطالة أمد الحرب، واستمرار الاضطراب في أسواق الطاقة. وأما في أسوأ الأحوال، وفق بوليتيكو، فقد تؤدي مساعي عزل إيران عن الاقتصاد العالمي إلى دفع قادتها لتصعيد هجماتهم ضد البنية التحتية الحيوية للطاقة في المنطقة.
وتجاوز سعر النفط من خام برنت القياسي أزيد من 89 دولارا للبرميل في معاملات أمس الخميس، وقبلها تجاوز 90 دولارا في نهاية معاملات الأسبوع الماضي، وهو مستوى أعلى بكثير مما كانت عليه أسعار النفط قبل اندلاع حرب إيران (أقل من 72 دولارا).
في السياق، أوضح روجر ديوان، نائب رئيس شركة "إس آند بي غلوبال إنيرجي" في مقابلة مع مجلة "بوليتيكو" أن النظام الإيراني يمتلك تاريخا طويلا في الصمود أمام العقوبات، في ظل إدارات أمريكية متعددة، وهو ما يعني أن لديه خبرة كافية للتعامل مع الضغوط الأمريكية الإضافية التي أعلنها الوزير بيسنت.
ويرى ديوان أن المكاسب التي حققتها الضغوط الاقتصادية الأمريكية على إيران "ضئيلة جدا"، بينما المخاطر التي تهدد البنية التحتية للطاقة في المنطقة "مرتفعة جدا".
وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد قال أول أمس الأربعاء إن "الولايات المتحدة لن تحقق شيئا" من خلال العقوبات الجديدة التي أعلنتها، وذلك بحسب ما نقلت عنه وكالة أنباء "إيسنا" الإيرانية.
وأضاف بزشكيان "لن تحقق أمريكا أي شيء بالضغوط الاقتصادية في هذه المرحلة، تماما كما لم تتمكن من تحقيق أي شيء في الحرب".
وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قد هدد، في منشور على منصة "إكس" الأحد الماضي، بأنه إذا استمرت الحرب الاقتصادية، "فلن تُصدَّر قطرة نفط واحدة"، لا عبر مضيق هرمز ولا من أي مكان في الخليج.
يبدو موقف الصين بالغ الأهمية عند النظر إلى قدرة الولايات المتحدة على عزل اقتصاد إيران، وذلك لأن الصين تشتري نحو 90% من النفط الإيراني، كما أن البنوك الصينية تمكن إيران من شراء السلع الصينية مقابل النفط، علاوة على القيام بتحويلات مالية لطهران عبر إجراءات طويلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية.
وسارعت بكين برفض حرب واشنطن الاقتصادية على طهران، إذ قال المتحدث باسم الخارجية الصينية لين جيان "إن الحرب الاقتصادية وسياسة الضغوط القصوى لا تقدمان حلولا"، مضيفا أن مثل هذه الإجراءات "ستؤدي إلى تعطيل النظام الاقتصادي والمالي العالمي، والإضرار بالمصالح المشروعة لدول أخرى".
وفي هذا السياق، نقل مركز الأطلسي للدراسات، وهو مركز أبحاث أمريكي، عن الخبيرة الاقتصادية مايا نيكولادزه أن "السؤال الأهم (بالنسبة للعقوبات الاقتصادية) هو رد بكين"، مضيفة أنه تفصلنا أسابيع قليلة عن اجتماع ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في واشنطن.
وأوضحت نيكولادزه أنه، مع اقتراب انتهاء فترة الهدنة الأمريكية الصينية بشأن التعريفات الجمركية، والتي أوقفت الرسوم الأمريكية على الصين والحظر الصيني على تصدير المعادن النادرة منذ نحو عام، فإن أي تصعيد اقتصادي من جانب الولايات المتحدة قد يدفع الصين إلى اتخاذ إجراءات مضادة.
وتمتلك الصين أوراقا للرد على أي إجراءات أمريكية تستهدف الشركات والبنوك الصينية التي تتعامل مع إيران، من أهمها سيطرة بكين على صادرات المعادن النادرة، وهي بالغة الأهمية لقطاع التكنولوجيا والسيارات والصناعات العسكرية في الولايات المتحدة وفي العالم.
وفرضت بكين حظرا على تصدير المعادن النادرة ردا على قيام ترمب برفع الرسوم الجمركية على الواردات من السلع الصينية، ثم قبلت بتأجيل هذه القيود بعد التوصل لاتفاق لتخفيض التعريفات الجمركية بشكل متبادل بين البلدين.
وإذا تجنبت الإدارة الأمريكية فرض عقوبات على البنوك الصينية، وفضلت عدم تصعيد المواجهة التجارية مع الصين، بعد أن تراجعت عنها العام الماضي، فإن هذا يلقي بظلال من الشك على فاعلية العقوبات الأمريكية على إيران طالما تتجاهل الصين، الداعم الاقتصادي الأهم لها، خاصة مع الخبرة الطويلة التي تراكمت لدى طهران في التعامل مع العقوبات الأمريكية والتأقلم معها على مدى عقود.
ومن الواضح في هذا السياق أن هذه الحرب الاقتصادية لن تقدم شيئا للمستهلك الأمريكي الذي يعاني من ارتفاع أسعار وقود السيارات منذ اندلاع الحرب، وتتوقع صحيفة "إندبندنت" البريطانية أن تنعكس نتائج حرب إيران على الناخبين الأمريكيين خلال انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، إذ قد يعبرون عن خيبة أملهم من الحرب، وقد يتخذ الكونغرس بعد الانتخابات موقفا مختلفا منها.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة