هناك لحظة يصبح فيها الكلام عن الكارثة جزءًا من المشكلة، لا جزءًا من الحل. حين يكون البيت يحترق، لا يكفي أن نقف أمامه ونصف لون الدخان، ولا أن نتجادل طويلًا حول المسؤول عن إشعال النار، ولا أن نكتب عشرات البيانات عن خطورة الحريق، ثم ننصرف. في لحظة الخطر، هناك سؤال واحد يفرض نفسه: ماذا سنفعل الآن لإنقاذ من يمكن إنقاذه؟
لسنا بحاجة إلى مزيد من البكاء على واقع نعرفه
ليس المطلوب أن نقنع الناس بأن مجتمعنا في خطر. الناس تعرف، والأمهات الثكالى تعرف، والآباء يعرفون، والشباب يعرفون، والمؤسسات تعرف، والشوارع تعرف، والأحياء تعرف، ومن فقدوا أبناءهم يعرفون أكثر من الجميع. لقد تجاوزنا مرحلة إثبات وجود الأزمة، ونحن الآن في مرحلة إدارة الأزمة ومواجهتها.
والفرق بين المرحلتين هائل. في المرحلة الأولى تسأل: ماذا يحدث؟ أما في المرحلة الثانية فتسأل: ماذا سنفعل؟ من سيفعل؟ متى؟ وبأي موارد؟ وكيف نقيس النتائج؟ وهنا تبدأ السياسة الحقيقية، والعمل الوطني الحقيقي، والمسؤولية الأخلاقية الحقيقية.
لا نريد أن نحاكم الماضي… نريد أن ننقذ المستقبل
لا أريد أن أحمل مسؤولية ما وصلنا إليه على جهة واحدة، ولا أن أدخل في محاكمة طويلة لمن أشبعونا وعودًا وأوهامًا وسرابًا ولا محاكمة من شاركوا بشكل مباشر وغير مباشر في استقدام هذه الحكومه ورقصوا سوية في اسقاط حكومة التغيير . لقد أخطأنا جميعًا بدرجات مختلفة؛ أخطأت القيادات، وأخطأت الأحزاب، وأخطأت المؤسسات، وأخطأ المجتمع حين سمح أحيانًا للشعار أن يحل محل المشروع، وللخطاب أن يحل محل العمل، وللخصومة أن تحل محل التعاون وللواعظ ان يحل محل القائد وللسراب ان يحل محل الماء.
لكن الاستمرار في البحث عن كبش فداء لن ينقذ أحدًا. نحتاج إلى محاسبة مسؤولة، ونحتاج إلى نقد صريح، لكننا نحتاج قبل ذلك إلى إنقاذ عاجل. فالذي يغرق لا يحتاج في اللحظة الأولى إلى محاضرة عن أسباب سقوطه في الماء؛ يحتاج إلى من يمد له يده.
نحتاج إلى غرفة إنعاش مجتمعية ووطنية
إذا كانت الأزمات قد أصبحت مركبة، فإن مواجهتها لا يمكن أن تبقى مجزأة. نحن بحاجة إلى إطار وطني ومجتمعي واسع يمكن أن نسميه غرفة إنعاش المجتمع الفلسطيني؛ ليست حزبًا جديدًا، ولا حركة جديدة، ولا جسمًا ينافس أحدًا، ولا منصة لإقصاء أحد، بل مساحة مشتركة تجمع المختلفين على قاعدة واحدة: حماية الإنسان الفلسطيني، وحماية المجتمع، وتعزيز قدرته على البقاء والصمود والتقدم.
من الشعارات إلى ملفات عمل محددة
لا نريد مشروعًا فضفاضًا عنوانه “إنقاذ المجتمع”. نريد ملفات واضحة، ولكل ملف قيادة ومسؤوليات ومؤشرات نجاح.
في ملف الأمن المجتمعي نحتاج إلى بناء منظومة مهنية للوقاية من الجريمة والعنف، تعمل مع السلطات المحلية والمؤسسات التربوية والاجتماعية والقانونية، وتجمع البيانات وتحدد بؤر الخطر وتضع برامج للتدخل المبكر. ليس الهدف فقط أن نتحرك بعد وقوع الجريمة؛ الهدف أن نعرف أين يمكن أن تقع الجريمة قبل وقوعها، ولماذا، وكيف نمنعها.
وفي ملف الشباب، علينا أن ندرك أن الشاب الذي لا يجد مكانًا في المجتمع سيبحث عن مكان آخر. ولهذا نحتاج إلى استثمار حقيقي في الشباب: التعليم، والتدريب المهني، والرياضة، والثقافة، وريادة الأعمال، والتكنولوجيا، والعمل التطوعي. لا يجوز أن يكون شبابنا مجرد جمهور للخطابات؛ يجب أن يكونوا شركاء في صناعة الحل.
أما الأسرة فهي خط الدفاع الأول. نحتاج إلى برامج لحماية الأسرة، ودعم الوالدين، ومعالجة التفكك، وتعزيز التربية على المسؤولية والانتماء والانضباط واحترام القانون والآخر.
وفي ملف التعليم، لا يمكن بناء مجتمع قوي بعقلية تعليمية تكتفي بإنتاج الشهادات. نريد تعليمًا يصنع الإنسان القادر على التفكير، والاختلاف، والحوار، والعمل، والإبداع، وتحمل المسؤولية.
وفي الملف الاقتصادي، علينا أن ندرك أن الفقر والبطالة والتهميش ليست مجرد أرقام اقتصادية، وإنما بيئة قد تغذي اليأس والتبعية والانحراف. لذلك يجب أن يصبح التمكين الاقتصادي جزءًا أساسيًا من مشروع الحماية المجتمعية.
وفي ملف الإعلام، نحتاج إلى إعلام ينتقل من ملاحقة الجريمة بعد وقوعها إلى صناعة الوعي والوقاية منها. لا نريد تحويل الضحايا إلى أرقام، ولا الجريمة إلى مادة للإثارة، بل نريد إعلامًا يسأل السؤال الأهم: كيف نمنع الجريمة القادمة؟
وفي ملف القدس والأقصى، لا يكفي الخطاب العاطفي. نحتاج إلى مؤسسات قانونية وإعلامية وأكاديمية وشعبية متخصصة، تعمل بصورة مستمرة، وتوثق الانتهاكات، وتبني الملفات القانونية، وتشرح الرواية الفلسطينية للعالم.
المصدر:
كل العرب