موجة بيع في أسواق السندات الأوروبية قد تبدو بعيدة عن شؤون الأسر اليومية، لكنها يمكن أن تؤثر في تكلفة الرهون العقارية والقروض الأخرى، وكذلك في حجم ما تستطيع الحكومات إنفاقه على الخدمات العامة.
وقد بدأت أسعار فائدة الرهن العقاري ترتفع في ألمانيا وإيطاليا، وهما من أكبر أربع اقتصادات في أوروبا.
مع ذلك، فإن أسعار الفائدة على الرهون العقارية في إيطاليا لا تتحرك بالضرورة مباشرة مع عوائد السندات الحكومية، بل تميل إلى تتبع عقود مقايضات أسعار الفائدة باليورو عن كثب، وإن كان الاثنين غالبا ما يتحركان معا لأن كليهما يعكس توقعات أوسع لمسار أسعار الفائدة.
بصورة عامة، من المرجح أن تتحول زيادة تكاليف اقتراض الحكومات إلى ارتفاع في تكاليف الاقتراض للقطاع الخاص، إذ تُستخدم عوائد السندات السيادية عادة كسعر مرجعي.
وبحسب روبرت تيمبر، كبير خبراء استراتيجيات الدخل الثابت في شركة "BCA"، لا تزال توقعات السياسة النقدية هي المحرك الرئيسي لتكاليف الاقتراض الحكومية وتكاليف اقتراض القطاع الخاص.
تعرضت السندات الحكومية الأوروبية لضغوط بيع قوية في بداية الأسبوع، إذ وصل عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات إلى أعلى مستوى له منذ 17 عاما، وبلغ عائد سندات الخزانة الألمانية لأجل عشر سنوات (البوند) يوم الثلاثاء أعلى مستوى له منذ عام 2011.
صباح الخميس، ظل عائد السندات الفرنسية لأجل عشر سنوات من فئة "OAT" فوق 4,10%، وهو الأعلى في منطقة اليورو، في حين تراجع العائد الإيطالي إلى 4,06% وبلغ العائد الإسباني 3,69%. أما العائد القياسي على السندات الألمانية لأجل عشر سنوات فكان قليلا فوق 3,25%.
جاءت موجة البيع مع تلاشي الآمال في تسوية سريعة للصراع المتعلق بإيران، ما دفع بأسعار النفط وتوقعات التضخم إلى الأعلى.
وقال تيمبر إنه منذ أن "تعرّضت حركة الشحن عبر مضيق هرمز لاضطرابات، أصبحت عوائد السندات الأوروبية شديدة الحساسية لأسعار الطاقة".
وأضاف أن "أسعار النفط كانت المحرك الرئيسي في المراحل الأولى من الصراع، لكن في الأسابيع الأخيرة ساهمت أسعار الغاز الطبيعي بشكل متزايد في الضغوط التضخمية الصعودية، وهو ما يدفع العوائد إلى الارتفاع".
وقد تضاعفت أسعار الغاز الطبيعي الأوروبية أكثر من مرة هذا العام؛ إذ ارتفعت عقود الغاز الهولندية الآجلة من نوع "TTF"، وهي المؤشر الرئيسي لأسعار الغاز في أوروبا، من 29 يورو إلى 63,80 يورو للميغاواط/ساعة بين بداية العام و20 آب/أغسطس.
وقال يوانيس سوكوس، الخبير الاستراتيجي في "دويتشه بنك ريسيرش"، في حديث إلى "يورونيوز بيزنس": "السوق تتوقع مزيدا من زيادات الفائدة من البنك المركزي الأوروبي".
وأضاف أن سعر الفائدة المتوقع لثلاثة أشهر في كانون الأول/ديسمبر 2027 ارتفع بواقع 12 نقطة أساس منذ يوم الخميس الماضي، ما يشير إلى أن المستثمرين يتوقعون الآن زيادات إضافية في أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي.
كما عادت الحكومات إلى إصدار السندات بعد فترة هدوء خلال الصيف، مما زاد من معروض الديون في السوق.
تتأثر عوائد السندات الحكومية وأسعار الفائدة على الرهون العقارية بالقوى الاقتصادية العامة نفسها، ولا سيما توقعات التضخم والسياسة المنتظرة للبنك المركزي الأوروبي، لكن علاقة الارتباط المباشر بينهما تختلف من بلد إلى آخر.
في ألمانيا، ترتبط أسعار الرهن العقاري بقوة بعوائد سندات البوند.
وأفاد وسيط الرهن العقاري الألماني "Interhyp AG" لبرنامج "يورونيوز بيزنس" أن من المتوقع أن ترتفع أسعار الفائدة على الرهون العقارية ذات الفائدة الثابتة لمدة عشرين عاما بواقع سبع نقاط أساس خلال الأسبوع التالي، انطلاقا من متوسط 4,32% المسجل يوم الخميس.
وذكر وسيط آخر، هو "Dr Klein Privatkunden AG"، أن بعض البنوك رفعت أسعارها بالفعل.
وقال فلوريان بفافينغر، عضو المجلس الاستشاري للخبراء في الشركة، لـ"يورونيوز بيزنس": "تعيد بعض البنوك تسعير معدلات الرهن العقاري يوميا، ولذا تتابع تطورات أسواق المال عن كثب. هذه البنوك تعرض بالفعل أسعارا أعلى، وغالبا ما يكون أمام المقترضين يومان إلى ثلاثة أيام فقط لتثبيت عرض بالشروط السابقة".
وأضاف بفافينغر أن البنوك التي تستخدم جداول أسعار ثابتة عدّلت بدورها أسعارها جزئيا، "ونتوقع أن تحذو بنوك أخرى حذوها خلال الأيام القليلة المقبلة".
وأوضح أن كل عرض رهن عقاري يُدرس على حدة ويمكن أن يتغير بسرعة، لكنه أشار إلى أن تعديلات أسعار الرهن العقاري في العديد من البنوك تتماشى بصورة عامة مع التغيرات في عوائد السندات الألمانية.
ومع ذلك، هناك عوامل أخرى عدة تؤثر في حجم هذه التعديلات، من بينها تغير هوامش أرباح البنوك وإدارة قدرتها على الإقراض.
وقد ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات من نحو 2,85% في 26 حزيران/يونيو إلى 3,26% في 20 آب/أغسطس.
في فرنسا، حيث يعد عائد السندات لأجل عشر سنوات الأعلى في منطقة اليورو ويتجاوز 4,1%، لم يُنقل هذا الارتفاع بعد إلى أسعار الرهن العقاري.
وبحسب شركة "Pretto" السمسرة في الرهون العقارية بفرنسا، يتراوح متوسط سعر الفائدة على قرض رهن عقاري لمدة عشرين عاما بين 3% و3,5%، بينما قدّمت شركة أخرى، هي "Cafpi"، متوسطا قدره 3,31% صباح الخميس.
وتتبع أسعار الرهن العقاري في فرنسا في الأساس سعر فائدة الإيداع لدى البنك المركزي الأوروبي، إلا أن عائد السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات لعب تاريخيا دورا أيضا في تحديد أسعار الاقتراض.
وقد أظهرت دراسة للبنك المركزي الفرنسي نُشرت عام 2021 أن الزيادة المستمرة بمقدار نقطة مئوية واحدة في عوائد السندات السيادية يمكن أن ترفع أسعار الفائدة على الاقتراض بواقع 0,1 نقطة مئوية بعد ثلاثة أشهر و0,78 نقطة مئوية بعد عامين.
غير أن بيير شابون، الشريك المؤسس لوسيط الرهن العقاري "Pretto"، قال إن هذه العلاقة ضعفت منذ مطلع عام 2025، إذ أتاحت المدخرات القياسية للأسر للبنوك تمويلا أرخص، ما مكنها من تسعير الرهون العقارية بما يتماشى بصورة أوثق مع أسعار فائدة البنك المركزي الأوروبي بدلا من عوائد السندات الحكومية الفرنسية.
وأضاف شابون أن ارتفاع عوائد السندات السيادية لم ينعكس بعد على أسعار الرهن العقاري في فرنسا.
وقال: "لا نرى أثرا على أسعار الرهن العقاري حتى الآن، لكن ذلك قد يحدث. وبما أن جزءا من ارتفاع عوائد السندات مرتبط بتوقعات التضخم، فإن استمرار هذا الوضع قد يدفع البنك المركزي الأوروبي لرفع الفائدة، ما سينعكس على أسعار الرهن العقاري بزيادة بين 10 و20 نقطة أساس".
ومن المقرر أن يتخذ البنك المركزي الأوروبي قراره المقبل بشأن أسعار الفائدة في عشرة أيلول/سبتمبر، على أن يعقد اجتماعا آخر في 29 تشرين الأول/أكتوبر.
في إيطاليا، قد تشهد الرهون العقارية إعادة تسعير أوسع في غضون أسابيع، بحسب أحد وسطاء الرهن العقاري.
وأكد متحدث باسم موقع "MutuiOnline.it" أن متوسط أسعار الفائدة على الرهون العقارية ذات الفائدة الثابتة لمدة عشرين عاما، بكل أنواعها، بلغ 3,50% يوم الثلاثاء، بعد أن رفعت بعض البنوك الصغيرة أسعارها في مطلع آب/أغسطس.
وتتبع الرهون العقارية ذات الفائدة الثابتة في إيطاليا تقليديا عقود مقايضات أسعار الفائدة باليورو بصورة أوثق من عوائد السندات الحكومية. لكن عوائد السندات الإيطالية وأسعار المقايضات باليورو تتحركان غالبا في الاتجاه نفسه لأنهما تعكسان معا النظرة العامة لمسار أسعار الفائدة.
وقد ارتفع عائد السندات الإيطالية لأجل عشر سنوات من 3,86% في 4 آب/أغسطس إلى 4,08% في 20 من الشهر نفسه.
وقال الوسيط: "بدأنا نرى بالفعل بوادر مبكرة لإعادة التسعير. ففي النصف الأول من آب/أغسطس رفعت ثلاثة بنوك صغيرة أسعار الفائدة على الرهون العقارية. ونتوقع تعديلات إضافية إذا استمر ارتفاع أسعار الفائدة في السوق، وإن كان من المرجح أن يكون إيقاع إعادة التسعير أبطأ خلال فترة عطلات منتصف آب/أغسطس".
وإذا ظلت أسعار المقايضات مرتفعة، فقد ترتفع عروض الرهن العقاري خلال أسابيع، مع احتمال أن يتجاوز متوسط أسعار الفائدة على الرهون ذات العشرين عاما مستوى 3,5%. غير أن حجم الزيادة سيتوقف على مدى نقل البنوك لارتفاع التكلفة إلى العملاء.
في إسبانيا، تستجيب أسعار الرهن العقاري بشكل أكثر مباشرة لتغيرات أسعار الفائدة لدى البنك المركزي الأوروبي. فبعد أن رفع البنك سعر فائدة الإيداع من 2% إلى 2,25%، زادت بعض البنوك أسعار الفائدة على الرهون العقارية بما يتراوح بين 0,2 و0,5 نقطة مئوية في الأسابيع التالية، وفقا لوسيط الرهن العقاري الإسباني "iAhorro".
وأشارت المتحدثة باسم الشركة، لورا مارتينيث، إلى أحدث البيانات الرسمية التي تُظهر أن متوسط سعر الفائدة على الرهون العقارية ذات الفائدة الثابتة الموقعة في أيار/مايو بلغ 2,96%، مضيفة أن وسطاء الرهن يمكنهم الحصول على أسعار أدنى بكثير لبعض العملاء.
ويُتوقع رفع إضافي لأسعار الفائدة في أحد الاجتماعين المقبلين للبنك المركزي الأوروبي، سواء في أيلول/سبتمبر أو تشرين الأول/أكتوبر.
وأضافت مارتينيث: "إذا رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة، فمن المرجح أن ترتفع أسعار الرهن العقاري أيضا، لكننا لا نتوقع زيادات كبيرة لأننا نقترب من نهاية العام والبنوك بحاجة إلى تحقيق أهدافها البيعية".
تغرق أكبر الاقتصادات في أوروبا في مستويات مرتفعة من الديون.
فقد كانت فرنسا صاحبة أكبر رصيد من الدين بين الدول الأربع في عام 2025، إذ يُقدَّر بنحو 3,9 تريليون دولار (3,3 تريليون يورو)، تليها إيطاليا بـ3,5 تريليون دولار (3 تريليونات يورو)، ثم ألمانيا بـ3,2 تريليون دولار (2,7 تريليون يورو) وإسبانيا بـ1,9 تريليون دولار (1,6 تريليون يورو)، بحسب صندوق النقد الدولي.
ومن المتوقع أن ترتفع تكاليف خدمة الدين إذا ظلت العوائد طويلة الأجل مرتفعة، لكن أثر ذلك سيظهر تدريجيا، إذ تواصل السندات القائمة دفع أسعار الفائدة الأصلية نفسها حتى موعد استحقاقها، بينما تتحمل الحكومات تكاليف أعلى عندما تعيد تمويل الديون المستحقة أو تلجأ إلى اقتراض جديد بأسعار السوق الحالية.
وقال سوكوس: "في الوقت الراهن، يبلغ متوسط الكوبون على كامل رصيد السندات في هذه البلدان مستوى أقل بكثير من عوائد السوق الحالية. وكلما طال بقاؤنا في بيئة العوائد المرتفعة هذه، زادت حصة الدين التي سيُعاد تمويلها وفق هذه العوائد الأعلى".
ويُقدّر سوكوس، استنادا إلى بيانات البنك المركزي الأوروبي، أن متوسط الاحتياجات السنوية للتمويل الإجمالي – بما في ذلك الديون المستحقة والاقتراض الجديد – يساوي نحو 24% من الناتج المحلي الإجمالي في إيطاليا، و21% في فرنسا، و15% في كل من ألمانيا وإسبانيا.
وبحسب "BCA"، من المتوقع أن تبقى كلفة الفوائد كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي الأعلى في إيطاليا مقارنة بغيرها في المستقبل المنظور، في حين ستشهد فرنسا أكبر زيادة، إذ يُتوقع أن تتضاعف فاتورة فوائدها بحلول عام 2031.
وقال سوكوس: "فرنسا وإيطاليا أكثر عرضة للمخاطر من إسبانيا وألمانيا". وأضاف أن لدى إيطاليا نسبة دين إلى ناتج محلي إجمالي أعلى، لكن عجز موازنتها أقل، ولديها تاريخ من تحقيق فوائض أولية، إلى جانب وضع خارجي أفضل من فرنسا.
وتابع: "أما فرنسا، فمن ناحية أخرى، فلديها عجز أكبر وحالة من عدم اليقين السياسي بشأن كيفية خفض هذا العجز".
ولا تؤدي زيادة الإنفاق على الفوائد تلقائيا إلى زيادة واضحة في الضرائب، لكنها تعني أن جزءا أكبر من إيرادات الدولة يجب أن يُخصَّص لخدمة الدين، ما يترك حيزا ماليا أقل للخدمات العامة أو الاستثمارات أو المزايا الاجتماعية أو خفض الضرائب.
وعن مستوى عوائد السندات الحكومية الذي يمكن أن يبدأ عنده ظهور مشكلة أكثر خطورة تتعلق باستدامة المالية العامة في فرنسا أو إيطاليا أو غيرهما من الاقتصادات الأوروبية المثقلة بالديون، قال تيمبر إن العوائد المرتفعة لا تكون بالضرورة خطيرة إذا كانت تعكس نموا أقوى وتضخما أعلى، إذ يمكن لهذين العاملين أيضا أن يزيدا الإيرادات الضريبية والناتج المحلي الإجمالي الاسمي.
ويتمثل الخطر الأكبر عندما يطالب المستثمرون بعوائد أعلى لأنهم يشكون في قدرة الحكومة على السيطرة على دينها؛ إذ تؤدي علاوة المخاطر هذه إلى رفع فاتورة الفوائد، وإضعاف أوضاع المالية العامة، وقد تدفع المستثمرين للمطالبة بعلاوة أعلى مجددا.
المصدر:
يورو نيوز