أعادت التصريحات الأمريكية بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع إيران تشكيل مزاج المستثمرين حول العالم، لتتحول الأسواق خلال ساعات من التركيز على مخاطر الحرب إلى تسعير احتمالات التهدئة. وتراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في شهرين، بينما قفزت الأسهم الآسيوية والعالمية، وانخفضت عوائد السندات الأمريكية مع تراجع المخاوف المرتبطة بالتضخم.
وتعكس هذه التحركات حجم التأثير الذي باتت تمارسه التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على قرارات المستثمرين والبنوك المركزية. فأسعار الطاقة لم تعد مجرد متغير اقتصادي، بل أصبحت عاملا مؤثرا في توقعات التضخم، ومسار أسعار الفائدة، وشهية المخاطرة في الأسواق العالمية.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن اتفاق سلام مع إيران قد يُوقَّع "في أقرب وقت هذا الأسبوع"، مضيفا أن المفاوضات وصلت إلى "أعلى مستويات القيادة الإيرانية" وحظيت بدعم إقليمي واسع.
وجاءت تصريحات ترمب بعد ساعات من تحذيرات أمريكية من احتمال توجيه ضربات إضافية لإيران، ما منح الأسواق إشارات متباينة بشأن اتجاه الأزمة.
وفي المقابل، أوضحت إيران أنها لم تتخذ بعد قرارا نهائيا بشأن أي اتفاق محتمل، ما أبقى حالة من الحذر قائمة لدى المستثمرين.
ودفعت احتمالات إعادة فتح مضيق هرمز بصورة طبيعية إلى تراجع أسعار النفط. وانخفض خام برنت بنسبة 3.8% إلى 86.57 دولارا للبرميل، وهوى خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3.8% عند سعر 83.91 دولار للبرميل، وبذلك وصل أشهر خامات النفط في العالم إلى أدنى مستوى منذ 17 أبريل/نيسان الماضي.
وقال رئيس استراتيجية العملات الأجنبية لدى بنك أستراليا الوطني، راي أتريل، إن هذه التطورات "تبدو أكثر واقعية مما شهدناه سابقا"، مضيفا أن أي إشارات إيجابية إضافية من الجانب الإيراني قد تغير توقعات الأسواق "بصورة كبيرة".
وانعكس تراجع أسعار النفط سريعا على أسواق الأسهم العالمية.
فقد ارتفع مؤشر "إم إس سي آي" لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 3.7%، مدعوما بقفزة بلغت 7.8% في مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي.
وصعد مؤشر نيكاي الياباني بنسبة 3.6%، بينما ارتفع مؤشر "سي إس آي 300" الصيني بنسبة 1.5%، وزاد مؤشر هانغ سنغ في هونغ كونغ بنسبة 2%.
وامتدت موجة الصعود إلى وول ستريت، بعدما سجلت المؤشرات الأمريكية الرئيسية أكبر مكاسب يومية لها منذ الثامن من أبريل/نيسان، وهو اليوم الذي شهد التوصل إلى هدنة مؤقتة بين أمريكا وإيران.
وقفز مؤشر ناسداك بنسبة 2.5%، مدعوما أيضا بالاهتمام الكبير بالطرح العام الأولي لشركة " سبيس إكس"، الذي جمع 75 مليار دولار، مانحا الشركة تقييما سوقيا بلغ 1.77 تريليون دولار.
وقال هيو لام، استراتيجي الاستثمار لدى "بيتاشيرز"، إن التوزيع الواسع لأسهم الطرح بين المستثمرين الأفراد قد يزيد من تقلبات السهم على المدى القصير.
وأدت التراجعات في أسعار الطاقة إلى تعديل توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية.
وتراجعت احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أكتوبر/تشرين الأول إلى 36%، مقارنة مع 51% في وقت سابق، بحسب تسعير الأسواق.
واستقر العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين عند 4.073% بعد انخفاضه ست نقاط أساس في الجلسة السابقة، بينما بلغ العائد على السندات لأجل عشر سنوات 4.469% بعد تراجعه بنحو ثماني نقاط أساس.
وفي أوروبا، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ نحو ثلاث سنوات، في محاولة للحد من الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة.
واستعاد الدولار جزءا من خسائره السابقة مع استمرار التساؤلات بشأن فرص نجاح المفاوضات.
وارتفع الدولار بنسبة 0.2% أمام الين الياباني إلى 160.23 ينا، بينما استقر مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأمريكية أمام سلة من العملات الرئيسية، عند 99.74 نقطة.
وقال مايكل وان، كبير محللي العملات في "ميتسوبيشي يو إف جي فايننشال غروب"، إن "هناك تساؤلات بشأن فرص التوصل إلى اتفاق ومدى قبول إيران وأمريكا به"، مضيفا أن المفاوضات "تبدو قريبة من نهايتها، لكنها لم تصل بعد إلى خط الحسم".
وأظهرت بيانات أمريكية ارتفاع أسعار المنتجين خلال مايو/أيار بأكثر من المتوقع، مسجلة أكبر زيادة سنوية في ثلاث سنوات ونصف السنة، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة بفعل الحرب.
غير أن المستثمرين ركزوا على تباطؤ المؤشر الأساسي لأسعار المنتجين، الذي ارتفع بنسبة 4.9% على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات بلغت 5.4%.
وقال توني سيكامور، محلل الأسواق لدى "آي جي"، إن "انخفاض أسعار الطاقة وقراءة التضخم الأساسي الأقل من المتوقع ساهما في تهدئة المخاوف المرتبطة بالتضخم".
وتشير تحركات الأسواق إلى أن الملف الإيراني أصبح أحد العوامل الأكثر تأثيرا في الاقتصاد العالمي خلال المرحلة الحالية. فكل تطور على المسار الدبلوماسي ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وتوقعات الفائدة، وأداء الأسهم والعملات، في وقت يحاول فيه المستثمرون تقدير ما إذا كانت الهدنة المحتملة ستشكل بداية استقرار طويل الأمد أم مجرد محطة مؤقتة في أزمة لم تُطوَ صفحاتها بعد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة