في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يجلس مارك أمام شاشته مترقبا. مارك مواطن أمريكي عادي لا يملك أكثر من بضع مئات من الدولارات يبحث عن فرصة لاستثمارها، وأمامه الآن فرصة لم تكن يوما في متناوله سابقا، وهي أن يقف، ولو بسهم واحد، إلى جانب كبار المستثمرين في أكبر طرح للأسهم في تاريخ أسواق المال.
وصلته الدعوة عبر موقع على الإنترنت، أنشئ خصيصا للأفراد قبل المؤسسات، تطرحه شركة "سبيس إكس" (SpaceX) المملوكة لإيلون ماسك، تحت وعد بسيط جذاب: أن يمتلك حصة من الشركة التي تؤسس البنية التحتية للمستقبل، بما يشمل أقمار الإنترنت الفضائي، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي يقال إنها ستغير كل شيء.
لم يحدث كثيرا أن فتح باب كهذا للأفراد العاديين بهذه الحفاوة، وحين تفتح الأبواب فجأة على هذا النحو، يحسن بمن يدخلها أن يسأل: لماذا الآن؟ ولماذا هو بالذات؟
الملاحظ هنا أن حجم ما يجري ليس عاديا، ففي هذا الطرح العام الأولي، تسعى الشركة لجمع نحو 75 مليار دولار عند قيمة سوقية تقارب 1.77 تريليون دولار، فيما يعد أكبر اكتتاب عام في تاريخ وول ستريت، متفوقا على الرقم القياسي الذي سجلته شركة أرامكو عام 2019. تطرح "سبيس إكس" السهم بسعر 135 دولارا، وقد بدأ التداول عليه اليوم الجمعة، 12 يونيو/حزيران. والأكثر لفتًا للانتباه أن الشركة خصصت للأفراد العاديين ما يصل إلى ثلث الأسهم المطروحة، أي نحو ثلاثة أضعاف المعتاد.
لكن قراءة متأنية للأوراق التي قدمتها الشركة نفسها تكشف لنا صورة مغايرة عما يوحي به ذلك الباب المفتوح، فهذه الشركة التي تعرض على الناس حصة من مستقبلها تخسر الأموال اليوم، وما يباع للجمهور منها شريحة صغيرة، بينما يحتفظ مؤسسها والمقربون منه بالجزء الأكبر والأهم. وعلى الأرجح لم يكن الطرح دعوة لتقاسم الثروة بقدر ما هو لحظة تُمرَّر فيها المخاطرة، إذ يدعى الجمهور الآن ليشتري الشريحة الأغلى من رهان لم يثبت بعد أنه رابح.
"لم يكن الطرح دعوة لتقاسم الثروة بقدر ما هو لحظة تُمرَّر فيها المخاطرة، إذ يدعى الجمهور الآن ليشتري الشريحة الأغلى من رهان لم يثبت بعد أنه رابح"
نحاول هنا أن نتتبع كيف وصلنا إلى هذه اللحظة؛ كيف تحولت صناعة وعدت العالم بأرباح هائلة بلا كلفة إلى آلة تحرق الأموال بكثافة وسرعة، وتحتاج إلى جيوب الناس كي تستمر في حرقها، ومن الذي سيتحمل الخسارة إن تعثر ذلك الرهان، ومن سيحتفظ بالمكسب في كل الأحوال.
بالطبع، لا نزعم أننا نعرف متى تنفجر الفقاعة التي يحذر منها كثيرون، ولا إن كانت ستنفجر أصلا، فالسؤال الذي يعنينا أبعد من التوقيت: من الذي وُضع، بهدوء ودون أن يُستشار، في مقدمة الصفوف ليتلقى الضربة الأقوى إن انفجرت تلك الفقاعة؟
لنفهم لماذا تحتاج الشركات العملاقة مثل "سبيس إكس" إلى أموال الناس، علينا أولا أن نفهم كيف تغير جوهر عملها. طوال نحو ثلاثة عقود، تأسس وعد وادي السيليكون على فكرة بسيطة: أن صناعة البرمجيات هي نموذج قابل للتوسع باستمرار بكلفة إضافية منخفضة. فبعد كتابة البرنامج وبناء المنتج، يمكن بيعه أو إتاحته لمستخدمين جدد بكلفة حدية محدودة مقارنة بالسلع المادية. وهذا ما جعل شركات البرمجيات والمنصات الرقمية قادرة على تحقيق هوامش ربح مرتفعة للغاية، قبل أن تبدأ نماذج السحابة والذكاء الاصطناعي بإدخال كلفة البنية التحتية والحوسبة إلى قلب المعادلة.
في عام 2011، كتب المستثمر مارك أندريسن، أحد آباء هذه العقيدة، مقالا شهيرا عنوانه "البرمجيات تلتهم العالم"، يقول فيه إنّ قوة هذه الشركات تكمن في حصون مبنية من البيانات والبرمجيات، لا من المصانع والأصول المادية. وقد ردّ يومها على المحذرين من فقاعة تقنية بحجة بسيطة: شركات اليوم رابحة فعلا، بخلاف شركات فقاعة دوت كوم عام 1999 التي كانت بلا إيرادات تقريبا. وهي الحجة ذاتها التي تساق اليوم دفاعا عن الطفرة الحالية.
كسر الذكاء الاصطناعي هذه العقيدة من أساسها، فتدريب النماذج اللغوية الضخمة وتشغيلها يتطلب بنية تحتية مادية هائلة، من رقائق إلكترونية باهظة الثمن، ومبان تمتلئ بآلاف الخوادم وهي مراكز البيانات، التي تحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء تُدفَع كلفتها مقدما وبلا انقطاع. ببساطة، كانت الآلة القديمة تطبع المال بعد أن تُبنى لأول مرة، بينما الآلة الجديدة تحرقه بتسارع ما دامت تعمل.
"كانت الآلة التقنية القديمة تطبع المال بعد أن تُبنى لأول مرة، بينما الآلة الجديدة تحرقه بتسارع ما دامت تعمل"
ولا يحتاج المرء إلى خصم متحامل ليرى هذا التحول، بل يكفي أن يقرأ أوراق شركة سبيس إكس بعين خبير مثل ستيف إيزمان، المعروف برهانه الصائب ضد فقاعة العقارات الأمريكية قبل أزمة 2008، وبتجسيد دوره في فيلم "The Big Short" الشهير. توقف إيزمان عند رقم واحد يرى أنه يعيد تأطير القصة كلها. ففي السنة المالية 2023، حققت سبيس إكس إيرادات بلغت 10.4 مليار دولار مقابل 4.4 مليار دولار للإنفاق الرأسمالي، أي أن نسبة الإنفاق الرأسمالي إلى الإيرادات بلغت 42%، وفقا لإيزمان.
أما في الربع الأول من السنة المالية 2026، فقد قفزت هذه النسبة لتصل إلى 215%، وذلك بعد تحقيق إيرادات بلغت 4.7 مليار دولار مقابل إنفاق رأسمالي ضخم بلغ 10.1 مليار دولار، ما يعني أن الشركة باتت تنفق على بنيتها أكثر من ضعف ما تجنيه. والسبب في نظره ليس الصواريخ، إذ يقول إن الصعوبة "ليست في الفضاء، إنما في الذكاء الاصطناعي"، ويصف ما يجري بأنه تحول يطال القطاع بأكمله، من نموذج "خفيف الأصول" إلى نموذج أقرب إلى الصناعات الثقيلة.
"الذكاء الاصطناعي يحول صناعة التقنية من نموذج خفيف الأصول إلى نموذج أقرب إلى الصناعات الثقيلة"
ما يجري في سبيس إكس هو صورة مصغرة لما يجري في القطاع بأسره، فحجم ما تضخّه كبرى شركات التقنية في البنية التحتية المادية صار يفوق كل مقياس سابق، حتى إن إنفاق عام واحد من هذه الشركات بات يتجاوز كامل ما أُنفق على بنية طفرة الإنترنت أواخر التسعينيات، فيما تتوقع مصارف مثل غولدمان ساكس أن يتجاوز الإنفاق التراكمي على هذه البنية سبعة تريليونات دولار بحلول عام 2031. وهي أرقام تذكرنا بمشاريع البنية التحتية الثقيلة، كالسكك الحديدية والموانئ ومحطات الطاقة، أكثر مما تذكرنا بشركات البرمجيات التي اعتدناها.
والمفارقة أن الحصن الذي تحدث عنه قديما مارك أندريسن انقلب إلى نقيضه، فلم يعد سرّ التفوق أن تطور برمجية ذكية أو تملك بيانات يصعب تقليدها، بل القدرة على إنفاق ما يعجز غيرك عن إنفاقه. صار الحصن مصنوعا من الأموال، وحين يصبح المال نفسه هو الميزة، لا يبقى أمام الشركة إلا أن تكبر، ثم تكبر أكثر، ثم تتضخم أكثر وأكثر.
لكن يبقى السؤال الأهمّ معلقا: آلة تحرق المال على هذا النحو الهائل، هل تستطيع أصلا أن تمول نفسها؟
لنترك سبيس إكس جانبًا لحظة، ولننظر إلى قلب الطفرة الحالية، وأوضح الأمثلة سيكون "شركة أوبن إيه آي" مطورة شات جي بي تي، الوجه الأشهر لهذه الموجة. تشير التقديرات إلى أنها تتجه لخسارة نحو 14 مليار دولار في عام 2026 وحده، وإلى حرق ما يقارب 115 مليارا قبل أن تتوقع تحقيق أول ربح لها قرب نهاية العقد.
ولأن الأرقام الصادرة عن الشركات الخاصة كثيرًا ما تُجمَّل، فقد جاء أوضح دليل عليها من حيث لا تحتسب، من وثائق شركة مايكروسوفت، شريكتها الكبرى التي يلزمها القانون بالإفصاح، التي كشفت عن خسائر هائلة تناقض الاعتقاد السائد بأن الشركة تربح من تشغيل نماذجها. شركة تخسر بهذا القدر، لا تبقى واقفة إلا بجذب أموال خارجية جديدة بلا توقف، وربما هذا هو المحرك الحقيقي وراء مدّ اليد إلى الخارج والبحث عن أموال المستثمرين من البورصة.
وهنا يجب أن نتوقف لحظة، وننظر إلى الزاوية المقابلة، فلدى بعض المتفائلين حجة وجيهة يصعب تجاهلها. فعلى الجهة الأخرى من أوبن إيه آي تقف بعض الشركات العملاقة التي تربح فعلا، وتمول إنفاقها من أرباح حقيقية لا من الوعود. مثلاً رقائق شركة إنفيديا (Nvidia)، التي تتأسس عليها تلك البنية التحتية، محجوزة مقدما لعام أو عامين بطلبات مدفوعة، وليست بتوقعات على الورق. وحتى داخل عالم النماذج اللغوية نفسه، ليست كل الشركات غارقة بالقدر ذاته في حرق الأموال، فحسابات شركة أنثروبيك (Anthropic) المنافسة تبدو أكثر صحة، إذ يُتوقع أن تتراجع خسائرها سريعا وأن تبلغ نقطة التعادل خلال سنوات قليلة.
"قطاع الذكاء الاصطناعي يحتاج إيرادات بقيمة 600 مليار دولار سنويا لتبرير ما يُنفَق على البنية التحتية، وهو رقم يفوق بأضعاف ما تجنيه خدماته حاليا"
لذا، نحن لا نقول إن الذكاء الاصطناعي سوف يستمر في خسارة الأموال مطلقا، فهذا تعميم غير دقيق. ما نحاول توضيحه هنا هو أن كبار المنفقين عاجزون حتى الآن عن تمويل أنفسهم، وأن اتجاه الإنفاق يشير إلى المزيد وليس إلى الأقل، وأن الإيرادات التي تبرر هذا الكمّ الهائل من حرق الأموال لم تصل بعد.
وهذه الفجوة ليست تقديرًا صحفيًّا، بل حسبة يجريها أهل الصناعة أنفسهم. ففي عام 2024، قدّرت شركة "سيكويا"، إحدى أعرق شركات الاستثمار في وادي السيليكون، أن القطاع يحتاج إلى نحو 600 مليار دولار من الإيرادات السنوية لتبرير ما يُنفَق على البنية التحتية، وهو رقم يفوق بأضعاف ما تجنيه هذه الخدمات فعلا.
أما على أرض الواقع، وفي عام 2025، وجدت دراسة لمعهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) أن نحو 95% من مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل الشركات لم تحقق عائدا ملموسا يمكن قياسه. إذًا لا تنفي الحجة المتفائلة وجود الخطر، إنما تقول في أحسن أحوالها إن الرهان على هذه التقنيات لم يُثبت بعد. وهذا في تقديرنا هو بيت القصيد: رهان ضخم غير مثبت، لكن أحدًا ما لا بدّ أن يموله الآن ليستمر، ولا يعرف أحد إلى متى.
"وجدت دراسة لمعهد ماساتشوستس للتقنية (MIT) أن نحو 95% من مشاريع الذكاء الاصطناعي داخل الشركات لم تحقق عائدًا ملموسًا يمكن قياسه"
ولأن الأرباح وحدها لا تكفي لسدّ الفجوة، صار القطاع يلجأ أكثر فأكثر إلى الاقتراض، إذ أشارت تقديرات مورغان ستانلي، العام الماضي 2025، إلى أن منظومة الذكاء الاصطناعي ستحتاج إلى نحو 1.5 تريليون دولار من التمويل الخارجي بحلول عام 2028 لسدّ الفارق بين ما تنفقه وما تجنيه، حتى إن الذكاء الاصطناعي بات يستحوذ على أكثر من ثلث صفقات الائتمان الخاص (القروض من جهات غير المصارف) في عام 2025، بزيادة قدرها 17% عن السنوات الخمس السابقة.
ولم يَعُد القلق محصورًا في المتشككين، فقد أدرج الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مخاطر الذكاء الاصطناعي بين تهديدات الاستقرار المالي في تقريره الأخير الصادر في مايو/أيار الماضي. لكن السؤال الأهمّ يبقى معلقا: إن كانت المنظومة بأكملها قائمة على رهان غير مثبت، وتحتاج إلى ضخٍّ متواصل من رؤوس الأموال، فمن أين ستأتي كل تلك الأموال في النهاية؟
الأموال التي تحافظ على دوران تلك الآلة الجديدة لا تُجمَع من المغامرين وحدهم، إنما تُسحَب من جيوب الجميع تقريبا، وبصورة تلقائية لا يكاد أحد ينتبه إليها.
لنفهم الكيفية، دعنا ننظر إلى الشركات السبع العملاقة التي تقود هذه الموجة التقنية الحالية، والمعروفة في الأسواق بمصطلح "العظماء السبعة" وهي ألفابت (جوجل) وأمازون وأبل وتسلا وميتا ومايكروسوفت وإنفيديا، التي صارت تشكل وحدها أكثر من ثلث قيمة مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" (S&P 500)، بحصة ناهزت 40% في ذروتها مطلع عام 2026، وهذا هو المؤشر الذي يضمّ كبرى الشركات الأمريكية، وتعتمد عليه صناديق تقاعد وادخار كثيرة حول العالم. والنتيجة أن نحو 40 سنتا من كل دولار يضعه شخص عادي في صندوق يتبع المؤشر بات معلقا بتلك الشركات التي تقود موجة الذكاء الاصطناعي الحالية.
والآلية هنا بسيطة وخادعة في آنٍ واحد، فالاستثمار عبر المؤشر (شراء أسهم في شركات السوق كلها بدل انتقاء أسهم بعينها) يوزّع المال على الشركات بحسب حجمها، فكلما كبرت شركة زاد نصيبها من أموال المدخرين. وبينما كانت هذه الشركات السبع تكبر وتكبر، تحول المؤشر بهدوء إلى رهان مركّز عليها. المدخر لم يفعل شيئًا مختلفًا، ولم يوقّع على شيء، إنما تغير تركيب المؤشر من تحته، فوجد نفسه مراهنًا على الذكاء الاصطناعي دون أن يقرر ذلك.
"المدخر لم يفعل شيئًا مختلفًا، ولم يوقّع على شيء، إنما تغير تركيب المؤشر من تحته، فوجد نفسه مراهنًا على الذكاء الاصطناعي دون أن يقرر ذلك"
وهنا يردّ المتفائلون بحجة مقابلة، فهذا التركّز مكتسب جزئيا، إذ تحقق هذه الشركات أرباحًا حقيقية ضخمة، حتى إنها تقف وراء نحو نصف نمو أرباح المؤشر كلّه في السنوات الأخيرة. وهذا صحيح، لكنه بالضبط مكمن الخطر، فأمان أموال الجمهور صار معلقًا بشرط واحد: أن يؤتي رهان الذكاء الاصطناعي أكله، فهذا النمو الذي يبرر التركّز مرهون هو الآخر بالفجوة غير المُثبَتة التي تحدثنا عنها.
بل إن جزءًا من تلك الأرباح قد يكون أكثر هشاشة مما يبدو، فرقائق الذكاء الاصطناعي تتقادم بسرعة، إذ تطرح إنفيديا جيلاً جديدًا منها كل عام تقريبا، لكن الشركات تعامل هذه الرقائق في دفاترها وكأنها تدوم خمس أو ست سنوات. والنتيجة أن كلفتها تبدو أقل مما هي عليه، وأرباحها أكبر مما هي عليه.
وقد حذر مستثمرون، من بينهم مايكل بيري، صاحب الرهان الشهير ضد فقاعة العقارات عام 2008، من أن هذا قد يضخم الأرباح المعلنة للقطاع بمئات المليارات. أي أن بعض الأرباح التي تطمئن المدخر قد تكون اختيارًا في الدفاتر، وليست ربحًا راسخًا يُعتمد عليه.
أما الآن، فلنقترب أكثر من صفقة "سبيس إكس" التي بدأنا بها، إذ تكمن أوضح صورة لمن يربح ومن يخسر في تفاصيلها مع فتح أبواب التداول.
كل ما سبق يصبح ملموسًا في وثيقة واحدة: نشرة الطرح الأولي التي قدمتها شركة "سبيس إكس"، فحين نقرأ من يحصل على ماذا في هذه الصفقة، تتحول الفكرة المجردة إلى صورة واضحة يصعب الجدال أمامها.
أول ما يلفت النظر أن ما يُطرح للجمهور أقل من 5% من أسهم الشركة، بينما يبقى أكثر من 95% منها بيد إيلون ماسك والمقربين. وحتى هذه الحصة الصغيرة لا تمنح صاحبها ما قد يظنه، فالشركة تعتمد نظام أسهم ذا فئتين يمنح ماسك نحو 79% من حقوق التصويت مقابل نحو 42% من الملكية، من خلال أسهم ذات حقوق تصويت مضاعفة.
أي أن المستثمر الصغير يشتري حصة في الأرباح والخسائر دون أن يملك صوتا يذكر في كيفية إدارة الشركة، ليحصل على المخاطرة دون المشاركة في اتخاذ القرارات فعليًا.
ثم يأتي تحديد سعر السهم، إذ تقدر مؤسسة "مورنينغستار" المستقلة أن السهم يُطرح عند سعر يقارب ضعف القيمة الحقيقية للشركة. وللمقارنة، تُطرح سبيس إكس عند نحو مئة ضعف مبيعاتها السنوية، في حين تُتداول إنفيديا، وهي محرّك ثورة الرقائق، عند نحو 14 ضعفا فقط. وبعبارة أبسط، يُدعى الجمهور لشراء الشريحة الأصغر والأغلى ثمنا، فيما يحتفظ الملاك بالشريحة الأكبر والأرخص.
"يُدعى الجمهور لشراء الشريحة الأصغر والأغلى ثمنًا، فيما يحتفظ الملاك بالشريحة الأكبر والأرخص"
وحتى نبقى منصفين، ليست جميع قطاعات الشركة تخسر المال. فخدمة ستارلينك للإنترنت الفضائي وحدها الرابحة بين أقسامها، إذ حققت أرباحا تشغيلية حقيقية. لكن القسم الذي يبرر القيمة الضخمة للطرح هو الذكاء الاصطناعي هو الأكثر نزفًا للأموال، إذ خسر تشغيليا نحو ثلاثة دولارات عن كل دولار جناه.
فبعد اندماج "سبيس إكس" مع شركة "إكس إيه آي" (xAI)، مطورة روبوت المحادثة "غروك" (Grok)، مطلع عام 2026، صار الرهان كله معلقًا بالذكاء الاصطناعي، وصارت حصيلة الطرح موجَّهة لتمويل مراكز بيانات جديدة، بعضها يُخطَّط لبنائه في مدار الأرض. أي أن أموال الجمهور تذهب تحديدًا إلى الجزء الأكثر مجازفة وخسارة في الشركة، وليس الجزء الرابح فعلا.
ولم يكن فتح الباب أمام الأفراد مصادفة، فقد خصصت الشركة لهم ما يصل إلى ثلث الطرح، والمعتاد أن الشركات تطرح نحو 10% للأفراد. أي أن سبيس إكس تتيح للأفراد نحو ثلاثة أضعاف ما يُتاح لهم في العادة، عبر موقع مخصص وحملة موجَّهة لاجتذابهم، بمعنى أن أكبر طرح لشركة في التاريخ صُمّم، عن قصد، ليصبّ أكبر قدر ممكن من أموال الناس العاديين في شريحته الأغلى ثمنًا.
عُد الآن إلى الدعوة التي بدأنا بها، واقرأها ثانية والأرقام بين يديك، ستجد أن حملة "امتلك حصة من الشركة التي تؤسس البنية التحتية للمستقبل" تصير، بعد هذه القراءة، أقرب إلى "موّل الجزء الذي لا نريد أو لا نستطيع تمويله وحدنا، بضعف ثمنه الحقيقي، ودون أن يكون لك رأي في أي شيء".
قد يبدو كل هذا بعيدًا؛ مجرد أرقام في بورصة لا تمسّ الحياة اليومية لأحد. لكن جزءًا من فاتورة هذا الرهان بدأ يُدفَع سلفا، في مكان غير متوقع: عند عدادات الكهرباء.
لسوء الحظ، لا حاجة لانتظار انهيار في البورصة كي تبدأ فاتورة هذه الموجة في الظهور، فجزء من كلفة هذا البناء الضخم بدأ يصل إلى ملايين الأسر في البلدان التي تُبنى فيها مراكز البيانات، عبر فاتورة يدفعونها شهريا دون أن يربطوها بالذكاء الاصطناعي: فاتورة الكهرباء.
مراكز البيانات التي تُدرَّب فيها النماذج وتُشغَّل تلتهم كميات هائلة من الطاقة، وهذا الطلب المتفجر بدأ يرفع فواتير المنازل فعلاً. ففي كبرى مناطق الشبكة الأمريكية، ارتفعت فواتير المنازل بنحو 15% هذا العام، وبلغت الزيادة في ولايات مثل نيوجيرسي حدّ 20%. وبعد نحو خمسة عشر عامًا من ثبات استهلاك الكهرباء في الولايات المتحدة، عاد إلى الصعود بأسرع وتيرة منذ عام 2000، وتضع وكالة الطاقة الأمريكية مراكز البيانات في صدارة محرّكات هذا الارتفاع. وقد صار ارتفاع الفواتير من أبرز القضايا الانتخابية في الانتخابات النصفية لعام 2026.
وحتى لا نحمّل مراكز البيانات أكثر مما تحتمل، يرى بعض المحللين أن تصميم سوق الطاقة نفسه يضخم هذا الأثر أكثر مما تفعله المراكز وحدها، وأن جزءًا من الزيادة كان ليحدث على أي حال. ربما كان هذا صحيحًا، لكنه لا يلغي أن الطلب الجديد لهذه البنية التحتية يدفع بالفواتير صعودًا ويعيد توزيع كلفتها.
"في أيرلندا، استهلكت مراكز البيانات ما يفوق خُمس كهرباء البلاد خلال عام 2024، أي أكثر مما تستهلكه كل المنازل في المدن مجتمعة"
وليست المسألة أمريكية حصرا، ففي أيرلندا، التي تحولت إلى مقرٍ لمراكز بيانات الشركات الكبرى، استهلكت هذه المراكز ما يفوق خُمس كهرباء البلاد خلال عام 2024، أي أكثر مما تستهلكه كل المنازل في المدن مجتمعة. وقد بلغ الضغط على الشبكة حدًّا دفع إلى تجميد ربط مراكز جديدة قرب العاصمة دبلن حتى عام 2028. والأهم أن جزءًا من كلفة توسعة الشبكة لتلبية هذا الطلب الصناعي تدفعه الأسر في فواتيرها، فيما تحصل المنشآت الكبرى على شروط تفضيلية. أي أن المستهلك العادي يمول من جيبه البنية التحتية التي بُنيت لخدمة تلك الآلة الجديدة الشرهة.
وهذا ما يجعل فاتورة الكهرباء أوضح أدلّة هذه القصة وأكثرها واقعية، فهي لا تنتظر أن يُحسَم الرهان كي تصل، بل تصل الآن، سواء ربح الرهان أم خسر. والأهم أنها تكشف النمط في أبسط صوره: المكسب يتركز عند قلة بنت هذه المراكز، والكلفة تتوزع على كثيرين لم يُسألوا حتى عن رأيهم. وحين نتتبع هذا النمط إلى أبعد أطرافه، نجده يأخذنا بعيدًا عن وادي السيليكون، إلى من هم أبعد الناس عنه، وأقلّهم نصيبًا من مكاسبه.
حين نتتبع المخاطرة إلى أبعد نقطة تصل إليها، نجدها تستقرّ عند مَن لم يُدعَ إلى المكسب أصلاً، فالأرباح والملكية والوظائف عالية الأجر والعوائد الكبرى تبقى في معظمها عند حفنة من الشركات الأمريكية ومؤسسيها. أما المخاطرة، على الأرجح، فتسافر إلى الخارج، وكلما ابتعدت عن وادي السيليكون زاد نصيبك منها وقلّ نصيبك من مكاسبها.
صحيح أن المدخر في الجنوب العالمي قلّما يملك أسهمًا أمريكية مباشرة، لكنّ الرهان يصله بطرق أخرى. فحتى مؤشرات الأسهم العالمية والناشئة باتت مثقلة بشركات التقنية، وفي مقدمتها صنّاع الرقائق الآسيويون، مثل "تي إس إم سي" (TSMC) التايوانية، الذين تتأسس على رقائقهم بنية الذكاء الاصطناعي، حتى إن من فرّ من تركز السوق الأمريكية وجد نفسه في تركز آخر مرتبط بالرهان نفسه. وعلى مستوى الدول، تضخّ صناديق سيادية أموالاً طائلة في المشاريع ذاتها، أي أن جانبًا من الثروة العامة بات معلقًا هو الآخر بالرهان على الذكاء الاصطناعي.
لكن التعرض المالي ليس إلا أحد الوجوه، فالأخطر على الأرجح هو التبعية. تُبنى هذه النماذج وتُملَك وتُشغَّل في حفنة من الدول الكبرى، بينما تستهلكها بقية دول العالم دون أن تملك بنيتها. وقد يكفينا مثال واضح، إذ لا تملك قارة أفريقيا، بكل سكانها، سوى أقل من 1% من قدرة مراكز البيانات في العالم. وحين تعتمد دولة على أدوات تُدار من ولاية قضائية أجنبية، يصبح جزء من أمنها الاقتصادي قرارًا يُتّخذ في مكان آخر، وتتحول، كما يصفها باحثون، إلى ما يشبه "المستعمرات الرقمية".
"لا تملك قارة أفريقيا، بكل سكانها، سوى أقل من 1% من قدرة مراكز البيانات في العالم"
لكن هذا التوجه ليس نهاية حتميّة، فمن الدول من يحاول شقّ طريق ثالث، كالهند التي بنت تجمّعًا عامًّا من الحواسيب الفائقة لإتاحتها لباحثيها، لكنّ الفجوة، أوسع بكثير من أن تُردم بهذه الجهود وحدها.
وفي الطرف الأقصى من هذه السلسلة، حيث الأجر أدنى والصوت أخفت، يجلس عمال في كينيا والفلبين وفنزويلا وغيرها، يصنفون البيانات لساعات طويلة كي تتعلم نماذج الذكاء الاصطناعي، مقابل نحو دولارين في الساعة. يدرب هؤلاء بأيديهم الأنظمة التي يُتوقع أن تحلّ محلهم في أقرب فرصة، فيما تتدفق العوائد إلى الجهة الأخرى من العالم. أخذ وادي السيليكون المكسب في اتجاه الصعود، وتُرك هؤلاء، ومن هم في موقعهم، ليتحملوا نصيبهم من الكلفة في اتجاه الهبوط.
إذًا الصورة التي تتضح أمامنا الآن أكثر قتامة: دعوة لامتلاك المستقبل تُوجَّه إلى الجمهور، بينما يُمرَّر إليه ما لا يريد أصحاب الرهان الاحتفاظ به من مخاطرة. ونحن، البعيدين عن الوادي، يُعرض علينا الخطر دون العائد، ولا نملك، إن ساءت الأمور، أن نطفئ تلك الآلة التي لم نُسأل يوما إن كنا نريد تشغيلها بهذه الطريقة.
بالطبع، لا ندّعي أننا نعرف إن كان هذا الرهان سيربح أم يخسر، فهذا ما لا يعرفه أحد. لكن السؤال الذي يستحقّ أن يُطرح ليس متى يُثمر الرهان لأصحابه، إنما ما الذي وُقِّع باسمك، أنت الذي لم تُدعَ إلى الطاولة، لتتحمله إن لم يُثمر الرهان عن شيء؟
فحين يحتاج بناةُ الآلة إلى أموالك كي تستمرّ في عملها، فالأجدر بك أن تسأل، حين تُفتح أبواب التداول: أي حصة من المستقبل تُشترى هنا فعلاً؟ وأي حصة من المخاطرة تُباع؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة