في صبيحة فوز دونالد ترمب بالرئاسة الأمريكية للمرة الثانية قبل عام ونيف، اشترى كثير من القراء الغربيين رواية "1984" لجورج أورويل. لم يكن ذلك مصادفة، بل كان فعلا يكشف عن قلق عميق من أن التاريخ الذي ظنوه مات واندفن بات يطرق الأبواب من جديد.
أما اليوم، وقد استقر ترامب في البيت الأبيض مجدداً، وأحكم أوربان قبضته على المجر، واجتاحت موجات الشعبوية أوروبا من أقصاها إلى أقصاها، فلم يعد الروائيون الغربيون والعالميون قادرين على الكتابة عن الحاضر بلغة الحاضر وحده. إنهم يلجؤون إلى التاريخ، وليس ذلك حنينا ولا فضولا أكاديميا، ولكن لأن التاريخ وحده يملك المسافة الكافية لرؤية ما يجري الآن بوضوح لا تستطيعه الصحافة ولا السياسة.
لم يعد الروائيون الغربيون والعالميون قادرين على الكتابة عن الحاضر بلغة الحاضر وحده
وليس أدل على ذلك من القائمة القصيرة للبوكر الدولي لعام 2026 التي أُعلنت الثلاثاء 31 مارس/آذار المنصرم، حيث اختارت لجنة تحكيمها بقيادة الروائية ناتاشا براون ثلاث روايات تاريخية في آن واحد، وهي رواية عن تايوان تحت الاحتلال الياباني في ثلاثينيات القرن الماضي، وأخرى عن فنان أوروبي في زمن النازية، وثالثة عن عائلة إيرانية تعيش ثورة 1979 وما تركته من جراح امتدت أربعة عقود.
يذكر أن البوكر الدولي أوسع من البوكر البريطاني، إذ إنه يُمنح للروايات المترجمة إلى الإنجليزية من لغات العالم كافة، ومنشورة في المملكة المتحدة أو أيرلندا. وتأتي رواياته من ثقافات متعددة ومتباينة، مما يجعل اختياراتها أكثر تعبيرا عن نبض إنساني عالمي لا عن ذائقة غربية خالصة.
الروائي كيلمان لا يكتب عن ثلاثينيات القرن الماضي، بل يكتب عن اليوم بملابس الأمس
لا تحتاج رواية "المخرج" للروائي النمساوي دانيال كيلمان إلى كثير من التأويل لتفهم لماذا تقع على قائمة البوكر في هذه اللحظة بالذات. بطلها المخرج السينمائي الشهير جي دبليو بابست، الذي بنى مجده في أوروبا وهوليوود، يجد نفسه فجأة سجين وطن تحوّل إلى جحيم نازي. النظام لا يريد رأسه، بل يترصد موهبته. يريده أن يُضفي على الطغيان بريق الفن، أن يصنع جمالا في خدمة القبح، أن يكون بامتياز سجّان نفسه.
هذا السؤال – ماذا يفعل الفنان حين تضغط عليه آلة القمع؟ – ليس سؤالا تاريخيا مجردا. إنه السؤال الذي تطرحه اليوم كل بيئة تضيق فيها حرية التعبير، من الجامعات الأمريكية التي باتت تراقب كلام أساتذتها، إلى المثقفين الأوروبيين الذين يجدون أنفسهم أمام صعود أحزاب لا تخفي عداءها للفن الحر.
والروائي كيلمان لا يكتب عن ثلاثينيات القرن الماضي، بل يكتب عن اليوم بملابس الأمس. والفارق بين من يتعاون ومن يصمت ومن يقاوم ليس فارقا أخلاقيا مريحا بل هو مساحة رمادية تسكنها معظم الأرواح حين تجد نفسها في مواجهة قوة أكبر منها.
ما يجعل الرواية استثنائية أنها لا تحكم على بطلها، وإنما تفهمه. وهذا الفهم هو بالضبط ما يجعلها أشد إزعاجا من كل إدانة مباشرة، لأنه يجعل القارئ يرى نفسه في المرآة ويتساءل: وأنا، ماذا كنت سأفعل؟
تتحول اللغة من أداة تواصل إلى ساحة صراع كل كلمة تُختار وكل جملة تُصاغ هي فعل سياسي قبل أن تكون فعلا أدبيا
في عام 1938، تصل إلى تايوان الخاضعة للاحتلال الياباني روائية يابانية شابة في رحلة تكليفية من حكومة بلادها. تلتقي بمترجمتها التايوانية تشيزورو، وبين الاثنتين تنشأ علاقة تتشابك فيها اللغة والسلطة والرغبة والتاريخ بطريقة لا تستطيع أي منهما السيطرة عليها.
رواية "رحلة تايوان" للروائية التايوانية يانغ شوانغ-زي ليست رواية بالمعنى التقليدي، إنها كتابة عن السؤال الأعمق: من يملك الحق في رواية تاريخ شعب ما؟
حين تكتب الروائية اليابانية عن تايوان بعيون محتلة، وحين تُترجم المترجمة التايوانية كلامها لأبناء شعبها، تتحول اللغة من أداة تواصل إلى ساحة صراع. كل كلمة تُختار وكل جملة تُصاغ هي فعل سياسي قبل أن تكون فعلا أدبيا. والرواية في مجملها تقول ما لا تستطيع الصحافة قوله، وهو أن الاستعمار لا يسرق الأرض فحسب، بل يسرق اللغة التي يصف بها المستعمَر نفسه.
في سياق اليوم، حين تتصاعد نزعات القومية الثقافية في الغرب، وحين يتحول السؤال عمّن يحق له رواية قصص الآخرين إلى معركة ثقافية حادة، تبدو هذه الرواية الصادرة من أقصى آسيا وكأنها تُقرع في قلب برلين ولندن وباريس في آن واحد.
في لحظة يشهد فيها الغرب صعود حركات شعبوية تعد بإعادة العظمة الضائعة، تبدو رواية بازيار تحذيرا هادئا لمن يريد أن يسمع
الثورات تعد بالفردوس وتنتهي في الغالب بخيانة من آمنوا بها أكثر من غيرهم. هذه الحقيقة المرة هي لب رواية "الليالي هادئة في طهران" للروائية الإيرانية الألمانية شيدا بازيار، والتي تمتد على أربعة عقود من ثورة 1979 حتى 2009، متتبعةً عائلة إيرانية عبر أجيالها، من الحماس الثوري الأول إلى المنفى إلى محاولات العودة إلى سؤال الهوية المعلّق بين وطنين.
ما يميز هذه الرواية عن كل ما كُتب عن الثورة الإيرانية هو أنها لا تكتب من موقع الضحية ولا من موقع الإدانة، بل من موقع من يفهم لماذا آمن الناس وكيف تحوّل الإيمان إلى سجن. الأب الذي كان ثوريا متحمسا، والأم التي فقدت وطنها مرتين، مرة حين هربت ومرة حين حاولت العودة، وكذلك نرى الأبناء الذين يحملون تاريخا لم يعيشوه لكنه يسكن في أجسادهم ولغتهم وأحلامهم.
وفي لحظة يشهد فيها الغرب صعود حركات شعبوية تعد بإعادة العظمة الضائعة، تبدو رواية بازيار تحذيرا هادئا لمن يريد أن يسمع: الثورات لا تسأل من تكسر حين تنكسر.
لا تعود الرواية مجرد سرد لما حدث، بل تصبح أرشيفا بديلا، يحفظ ما تم محوه أو تشويهه أو إعادة صياغته
ما يجمع هذه الروايات الثلاث، رغم تباعد جغرافياتها وأزمنتها، ليس موضوعاتها المباشرة بل البنية العميقة التي تتحرك داخلها، إنها السلطة بوصفها قوة تعيد تشكيل الواقع، واللغة بوصفها أداة هذا التشكيل، وكذلك الذاكرة بوصفها ما يتبقى بعد انكسار الاثنين.
ففي رواية "المخرج"، تحاول السلطة أن تستولي على خيال الفنان نفسه، فتجعل من الجمال واجهة للقمع، وفي رواية "رحلة تايوان" تتحول اللغة إلى ساحة صراع خفي، حيث لا تُكتب الحكاية بقدر ما يُعاد امتلاكها، أما في رواية "الليالي هادئة في طهران"، فإن الذاكرة تصبح العبء الأخير الذي يحمله الأفراد حين تنهار الوعود الكبرى.
وهكذا لا تعود الرواية مجرد سرد لما حدث، بل تصبح أرشيفا بديلا، يحفظ ما تم محوه أو تشويهه أو إعادة صياغته، ويعيد للإنسان صوته في مواجهة تاريخ كُتب غالبًا ضده لا باسمه.
الأدب هو الأقدر على التحذير لأنه لا يخطب ولا يُصدر بيانات، بل يجعلك تعيش الكارثة قبل أن تقع
حين اجتمعت لجنة البوكر الدولي لعام 2026 لتختار قائمتها القصيرة، لم تختر بالضرورة أجمل الروايات أو أكثرها إثارة، بل لعلها اختارت الروايات الأكثر إلحاحا. وهذا الإلحاح لا يأتي من موضوعاتها التاريخية بل من السؤال الذي يربطها جميعا بالحاضر: ماذا يبقى من الإنسان حين تُسحق هويته تحت عجلة السلطة الكبرى؟
يبدو أن الأدب قد قرر التوقف عن مراقبة الحاضر ليتفرغ لنبش القبور
الروائي الغربي والعالمي اليوم يكتب التاريخ لأنه يرى في مرآته وجه الحاضر، وهو وجه لم يكن يتوقع أن يراه مجددا. إن صعود الشعبوية وتآكل الديمقراطيات الليبرالية وعودة خطاب الكراهية إلى قلب المشهد السياسي قد جعلت التحذير ضرورة لا ترفا، وربما الأدب هو الأقدر على التحذير لأنه لا يخطب ولا يُصدر بيانات، بل يجعلك تعيش الكارثة قبل أن تقع، وتسأل نفسك وأنت لا تزال تملك الوقت: ماذا ستفعل حين يأتي دورك؟
ويبدو أن الأدب قد قرر التوقف عن مراقبة الحاضر ليتفرغ لنبش القبور، فالقائمة القصيرة للبوكر الدولي لعام 2026، لم تكن مجرد اختيارات أدبية، بل كانت جرس إنذار يقرعه المؤرخون بعباءة الروائيين، فحين تعجز الصحافة عن تفسير جنون الواقع، وتتحول السياسة إلى صدى لخطابات الكراهية، ينسحب الأدب خطوة إلى الوراء ليقرأ الحاضر في مرآة التاريخ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة