يقدّم الكاتب الليبي سالم الهنداوي في كتابه الجديد "حصاد الشوك: نقد الجائز في أدب الجوائز" قراءة ثقافية نقدية جريئة لواحدة من أكثر الظواهر حضورا وإشكالا في المشهد الأدبي العربي المعاصر، وهي قضية "أدب الجوائز".
والكتاب هنا لا يتعامل مع الظاهرة بوصفها مناسبات احتفالية أو أدوات تشجيع بريئة، وإنما يضعها تحت مجهر نقدي صارم، باعتبارها منظومات سلطة رمزية واقتصادا ثقافيا، وكذلك آليات فرز تعيد تعريف القيمة الأدبية خارج النص أو على حسابه أحيانا.
ينطلق الهنداوي من مفارقة زمنية حادة؛ فقبل ثلاثة عقود، كان النقد الأدبي هو المحرك الأساسي للحركة الإبداعية، يواكب التجريب في الشعر والقصة والرواية بعيداً عن حسابات الربح والخسارة.
أما اليوم، فقد "هبطت الجوائز الأدبية من سماء المال والاحتواء الأيديولوجي"، لتمطر على ساحة غاب عنها النقد الفاعل، وحلت محله آليات الترويج الإلكتروني والرياء الثقافي، حسب المؤلف.
ويطرح الكتاب تساؤلا جوهريا: هل تخدم هذه الجوائز الأدب حقا، أم أنها تحوله إلى "منتج غذائي" يُعرض في سوق المزايدات؟
يرى الهنداوي أن مشكلة الجوائز الأدبية تكمن في "غياب المعايير العلمية" وانفلات العلاقة بين المانح والممنوح، مما أدى إلى "تسفيه القيم الفكرية" وتتفيه الجهد الإبداعي
تتمحور أطروحة الكتاب المركزية حول فكرة أن الجوائز العربية المعاصرة هي "نسخ مشوهة" عن التقاليد العالمية العريقة. ويفرق الهنداوي بين نوعين من الجوائز، النوع الأول هو الجوائز الممنوحة اختيارا وهي التي تأتي تقديرا لمسيرة أدبية أو عمل فني نضج عبر سنوات، مثل جائزة نوبل التي نالها نجيب محفوظ.
أما النوع الثاني فهو الجوائز الممنوحة بنتيجة مسابقة وهي التي يشبهها الهنداوي بمسابقات المدارس أو برامج المواهب الغنائية (مثل آراب آيدول (Arab Idol))، حيث يتحول الأدب إلى سباق "نجومية" زائف، حسب تعبيره، ويرى المؤلف أن المشكلة تكمن في "غياب المعايير العلمية" وانفلات العلاقة بين المانح والممنوح، مما أدى إلى "تسفيه القيم الفكرية" وتتفيه الجهد الإبداعي.
يحلل الهنداوي بعمق ما يمكن تسميته "اقتصاد الجوائز"، حيث لم يعد العمل الأدبي يقيّم بجمالياته، بل بقدرته على الوصول إلى القوائم الطويلة والقصيرة. ويصف هذا المشهد بأنه "سوق رائجة" تديرها مؤسسات تبحث عن "ربحية معنوية" وتوظيف سياسي أو اجتماعي لبريق الثقافة.
ويشير الكتاب إلى أن الاحتفاء برواية واحدة في المسابقات يعني "الإعدام" الضمني لبقية الأعمال التي تخرج من السباق، مما يربك القارئ ويدمر قيمة أعمال قد تكون أجود فنياً.
وينتقد المؤلف لجان التحكيم التي تخضع أحيانا لتوصيات "مالك الجائزة" أو حواشيه، أو تنجرف خلف دور نشر "ارتزاقية" تراهن على تسويق أعمال رديئة بذريعة الفوز. ويتحول الأديب في هذا النظام من صاحب رسالة نبيلة إلى "ترزي" (خياط) يفصل نصوصه وفق مقاسات الجوائز وأذواق لجان التحكيم، بحثا عن المال والشهرة الزائفة، حسب الهنداوي.
منذ العنوان، يعلن الكتاب موقفه، فـ"الحصاد" هنا ليس وفيرا ولا مغريا، بل محفوف بـ"الشوك". وهذه استعارة دقيقة تختصر أطروحة العمل، فما يُقدَّم بوصفه حصادا ثقافيا قد يخفي في داخله أذى معرفيا، أو انحرافا في الذائقة، أو إعادة إنتاج لعلاقات القوة في الحقل الأدبي.
وليست المشكلة في وجود الجوائز بذاتها، بل في تحوّلها إلى معيار شبه وحيد للشرعية، وفي خضوعها، في حالات كثيرة، لمنطق السوق والإعلام والمؤسسة، لا لمنطق القيمة الجمالية والفكرية.
يفكك الهنداوي البنية الكاملة، بدءا من بنية لجان التحكيم، وطبيعة المعايير المعلنة والضمنية، مرورا بعلاقة الجائزة بالمؤسسة الراعية، ووصولا إلى دور الإعلام في تضخيم الأثر.
ليست المشكلة في وجود الجوائز بذاتها، بل في تحوّلها إلى معيار شبه وحيد للشرعية، وفي خضوعها في حالات كثيرة لمنطق السوق والإعلام والمؤسسة، لا لمنطق القيمة الجمالية والفكرية
وفي هذا التفكيك، تتكشف مفارقة لافتة، وهي أن الجائزة التي يفترض أن تكافئ الإبداع، قد تتحول إلى أداة لتدجينه. فالنصوص "الصالحة للجوائز" تبدأ، بمرور الوقت، في إنتاج نفسها وفق توقعات مسبقة، ما يفضي إلى نمطية أسلوبية وموضوعية، وإلى إقصاء التجريب الحاد أو الأصوات الخارجة عن السائد.
ويحسن الهنداوي الربط بين الاقتصاد الثقافي وأدب الجوائز. فالجائزة ليست مبلغا ماليا فحسب، بل هي سلسلة من الامتيازات وهي الترجمة، التوزيع، الحضور الإعلامي، الدعوات، والاعتراف الرمزي.
هذه السلسلة تغري الكاتب، وقد تغري الناشر أيضا، بتوجيه البوصلة الإبداعية نحو "ما يُكافأ".
وهكذا، يصبح السوق شريكا غير معلن في صناعة الذائقة، وتتحول القيمة الأدبية إلى ما يشبه "العلامة التجارية".
لا يغفل "حصاد الشوك" العلاقة المعقدة بين الجوائز والسوق الثقافي. فالقارئ العربي، الذي يعاني أصلا من شح النقد الجاد، يجد نفسه أمام قوائم طويلة وقصيرة تحلّ محل القراءة النقدية. ويصبح "الفائز" توصية جاهزة، والعلامة التجارية للجائزة تغني عن السؤال: لماذا أقرأ هذا النص؟
حين تُختزل القراءة في متابعة موسم الجوائز، يفقد الأدب أحد شروطه الأساسية، وهو الاختلاف، فالقارئ لا يدعى إلى النقاش، بل إلى التصفيق، ولا إلى الاعتراض، بل إلى الموافقة الضمنية على حكم جاهز
يرى الهنداوي أن هذا الوضع لا ينتج قارئا ناقدا بل مستهلكًا يتنقل بين الأعمال كما يتنقل بين السلع. وفي غياب نقاشات حقيقية حول القيمة، يتحول الأدب إلى موسم، وتتحول القراءة إلى متابعة.
ففي ظل هيمنة الجوائز، يتحول القارئ من شريك في إنتاج المعنى إلى مستهلك توصيات، حيث تحلّ القوائم الطويلة والقصيرة محل القراءة، وحيث يغني شعار "الرواية الفائزة" عن السؤال: لماذا هذه الرواية بالذات؟
يحذّر الكتاب من هذا التحول الخطير، لأن الأدب – في جوهره – فعل سؤال لا فعل طمأنة.
وحين تُختزل القراءة في متابعة موسم الجوائز، يفقد الأدب أحد شروطه الأساسية، وهو الاختلاف، فالقارئ لا يدعى إلى النقاش، بل إلى التصفيق، ولا إلى الاعتراض، بل إلى الموافقة الضمنية على حكم جاهز.
في أحد أقوى مسارات الكتاب، يناقش المؤلف علاقة الجوائز بالسلطة، وليست السلطة هنا سياسية مباشرة بالضرورة، بل ثقافية ومؤسساتية. وتبرز هنا أسئلة جوهرية: من يملك التمويل؟ من يحدد الأجندة الثقافية؟ من يملك حق الاعتراف؟
هذه أسئلة لا تُطرح غالبا في الخطاب الاحتفالي، لكنها تشكّل الخلفية الصامتة لكثير من الجوائز الكبرى. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، وهو أنه يعيد السياسة إلى النقاش الأدبي، ليس بوصفها شعارا، وإنما بوصفها بنية تؤثر في ما يكتب ويقرأ ويحتفى به.
لا يسقط كتاب "حصاد الشوك" في فخ العدمية أو الدعوة إلى هدم الجوائز كليًا. على العكس، يميّز الهنداوي بين الجوائز بوصفها فكرة، والجوائز بوصفها ممارسة تاريخية راهنة
ومع ذلك، لا يسقط كتاب "حصاد الشوك" في فخ العدمية أو الدعوة إلى هدم الجوائز كليًا. على العكس، يميّز الهنداوي بين الجوائز بوصفها فكرة، والجوائز بوصفها ممارسة تاريخية راهنة.
والفكرة، في جوهرها، نبيلة، أي الاعتراف بالإبداع، ودعم الكتّاب، وتوسيع دائرة القراءة. لكن الممارسة، كما يبيّن الكتاب، تحتاج إلى مراجعة جذرية، فلا بد من وجود شفافية أكبر، واستقلالية حقيقية للجان التحكيم، وتنويع في المعايير، وكذلك إعادة الاعتبار للنقد بوصفه شريكا لا تابعا.
تجمع لغة الكتاب بين الصرامة التحليلية والنبرة الثقافية الهادئة. ولا يكتب الهنداوي بلغة فضائحية، ولا يلوّح بأسماء على سبيل التشهير، بل يعتمد مقاربة معرفية تتكئ على أمثلة عامة، ومقارنات، وسياقات.
وهذا الاختيار يمنح الكتاب قوة إضافية، لأنه يضع القارئ أمام الأسئلة بدل أن يقدّم له إجابات جاهزة. وهو، في الوقت نفسه، يفتح المجال لنقاش عربي أوسع حول وظيفة الجوائز وحدودها.
تكمن أهمية "حصاد الشوك" أيضا في توقيته. ففي لحظة يتزايد فيها عدد الجوائز العربية، وتتضخم قيمتها الرمزية والمادية، يصبح من الضروري وجود خطاب نقدي يوازي هذا التوسع. فالاحتفاء المستمر دون مساءلة قد يقود إلى تكلّس الذائقة، وإلى تحويل الأدب إلى سباق موسمي، تُقاس فيه القيمة بعدد الترشيحات لا بعمق التجربة.
في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا الكتاب إلا بوصفه نداء لإعادة التوازن في الحقل الأدبي العربي.
نحن إزاء دعوة للتوازن بين النص والجائزة، وبين الإبداع والسوق، وكذلك بين الاحتفاء والنقد. إنه كتاب لا يعادي الجوائز، لكنه يرفض تأليهها. وهو لا ينحاز إلى نخبوية معزولة، لكنه يحذّر من شعبوية ثقافية تُدار بمنطق الإعلان.
وبين هذين الحدّين، يفتح "حصاد الشوك" مساحة تفكير ضرورية لكل من يكتب، ويقرأ، ويُحكّم، ويحتفي.
إنه كتاب يذكّرنا، ببساطة وعمق، بأن الأدب لا يُقاس بالمنصات وحدها، ولا بالتصفيق العابر، بل بقدرته على البقاء، وكذلك بالنجاح في إزعاجنا فكريا وجماليا. وفي زمن الجوائز، قد يكون هذا الإزعاج هو القيمة الأندر، والأكثر استحقاقا للحصاد.
الكتاب لا يدعو إلى هدم الجوائز، بل إلى نزع هالتها المطلقة، وإعادتها إلى موقعها الطبيعي كأداة من أدوات الاعتراف، وليس بديلا عن النقد ولا سلطة نهائية على القيمة
قيمة هذا الكتاب أنه لا يمنح القارئ راحة أخلاقية، فهو لا يقول له "أنت ضحية"، ولا يقول للكاتب "أنت متواطئ"، بل يضع الجميع داخل شبكة معقدة من المصالح والتوقعات والخيارات الصعبة.
وهو، في ذلك، كتاب مساءلة لا إدانة. إنه يطالبنا بأن نعيد طرح السؤال البديهي: لماذا نكتب؟ ولماذا نقرأ؟ ولمن تُمنح القيمة في النهاية؟
في زمن الجوائز، يبدو هذا السؤال كأنه خارج الموضة. لكن المؤلف الهنداوي يذكّرنا بأن الأدب، في جوهره، ليس مسابقة.
إنه تراكم بطيء وعنيد ومزعج أحيانا. وحين يتحول إلى سباق موسمي، يفقد جزءا من قدرته على إرباكنا. وربما، كما يوحي عنوان الكتاب، يكون الشوك الذي نخشاه اليوم هو ما سيحمينا غدا من أدب أملس سهل ومُكافأ أكثر مما ينبغي.
في المجمل، تكمن أهمية كتاب "حصاد الشوك" في كونه يفتح ملفا ظلّ طويلا في منطقة المحرّم النقدي. فالجوائز، بحكم نفوذها، نادرا ما تُناقش من داخل الحقل الثقافي العربي دون حذر. هذا الكتاب يكسر هذا الحذر، ويعيد طرح السؤال الأساسي: ما الأدب الذي نريده؟ ومن يملك حق تعريفه؟
إنه كتاب لا يدعو إلى هدم الجوائز، بل إلى نزع هالتها المطلقة، وإعادتها إلى موقعها الطبيعي كأداة من أدوات الاعتراف، وليس بديلا عن النقد ولا سلطة نهائية على القيمة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة