آخر الأخبار

"نبض اللحظات الأخيرة".. رواية عن الحب والمقاومة في غزة أثناء الإبادة

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

غزة– تأتي رواية "نبض اللحظات الأخيرة" للروائي الفلسطيني سعيد أبو غزة بوصفها عملا أدبيا إنسانيا يستحضر واحدة من أكثر اللحظات قسوة في التاريخ الفلسطيني المعاصر، حيث تتشابك الحرب مع الطب، ويتجاور الموت مع الحب، ويختبر الخراب القيم الإنسانية في أقصى حدودها.

الرواية مستلهمة من أحداث واقعية جرت خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، لكنها، بحسب مؤلفها، لا تكتفي بالتوثيق المباشر، بل تُقدَّم ضمن بناء روائي متعدد الأصوات، يمنح النص بعدا فنيا ووجدانيا أعمق، ويفتح الباب أمام مساءلة معنى الإنسانية في زمن الانهيار الشامل.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 المدن المحورية: داود أوغلو يقدم قراءة في خرائط النهوض والسقوط الحضاري
* list 2 of 2 حصاد 2025.. أجمل الروايات والكتب التي بقيت راسخة في ذاكرة المبدعين العرب end of list

وفي حديثه للجزيرة نت، يؤكد أبو غزة أن روايته لا تهدف إلى تسجيل الوقائع بقدر ما تسعى إلى الغوص في التجربة النفسية والأخلاقية لشخصياتها، ولا سيما أولئك الذين وجدوا أنفسهم في الخطوط الأمامية: الأطباء والممرضون والمسعفون والجرحى. ومن خلال هذه الشخصيات، يطرح العمل سؤاله المركزي: كيف يمكن للإنسان أن يصون جوهره الأخلاقي في لحظة تُستباح فيها الحياة ذاتها؟

مصدر الصورة رواية نبض اللحظات الأخير تروي حكايات واقعية من ساحة مستشفى تحت القصف الإسرائيلي (الجزيرة)

ذوبان الحدود بين المدني والعسكري والحياة والموت

تدور أحداث رواية نبض اللحظات الأخيرة في مدينة خان يونس جنوب القطاع، وتتخذ من المستشفيات، ولا سيما مستشفى الأمل التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، إلى جانب مستشفى الخير، فضاءً مكانيًّا رئيسيًّا. وكلا المستشفيين تعرّضا فعليًّا لاقتحام من قبل جنود الاحتلال.

أما الزمن في الرواية، فهو زمن حرب مفتوحة بلا أفق، تتشابه فيه الأيام والليالي تحت القصف، ويغدو الوقت ذاته عدوًّا إضافيًّا يلاحق الجميع.

المستشفى في الرواية – كما يقدمه أبو غزة – لا يظهر كمكان مخصّص للعلاج فحسب، بل يتحول إلى كيان حي يئن تحت الحصار، وشاهد مباشر على الجريمة. غرف العمليات، الممرات الضيقة، سيارات الإسعاف، والأنقاض المحيطة، تُستحضر بلغة مشهدية مكثفة تجعل القارئ جزءًا من التجربة لا مجرد متلقٍّ لها.

إعلان

وفي هذا الفضاء، يقول صاحب الرواية، تتلاشى الحدود بين المدني والعسكري، وبين الحياة والموت، ليغدو إنقاذ الجريح فعل مقاومة بحد ذاته.

طبيبة أمام اختيارات غير عادية

تتناول الرواية شخصية الطبيبة يسرى، التي تمثل القلب النابض للعمل الروائي. فهي ليست بطلة أسطورية، بل امرأة عادية تجد نفسها أمام اختيارات استثنائية: البقاء في المستشفى المحاصر أو النجاة بنفسها، إنقاذ الجرحى أو حماية أسرتها. وتختار يسرى البقاء، لا بدافع البطولة، بل بدافع إيمان عميق بأن التخلي عن الجرحى هو تخلي عن ذاتها، كما يصفها أبو غزة.

وإلى جانب يسرى، يرسم أبو غزة لوحة إنسانية واسعة تضم أطباء وممرضين يواصلون عملهم رغم الإنهاك ونقص المعدات، وأطفالًا جرحى فقدوا ذويهم ويبحثون عن الأمان في حضن الطبيب. وتبرز أيضاً شخصيات لجرحى ومقاومين يواجهون الموت بكرامة، يودعون أحباءهم في لحظات خاطفة، إلى جانب أمهات ومسعفين وسائقي إسعاف يمثلون الامتداد الشعبي للمأساة. كما تتجلى شهادات لأطفال يروون قصص هروبهم سيراً على الأقدام من الموت، من شمال غزة مرورًا بحاجز التفتيش الإسرائيلي المروع.

في المقابل، يقدم أبو غزة في روايته شخصية الضابط الإسرائيلي بوصفها نقيضًا أخلاقيًا، لا كبطل مضاد تقليدي، بل كصورة للفراغ القيمي. ويتجلى هذا التناقض حين تهزه عبارة محفورة على قلادة أحد الشهداء: "العاشق لا يستسلم"، فتتحول الجملة إلى شرخ داخلي يكشف هشاشة منطق القوة العارية.

الحب والمقاومة

الحب والمقاومة

تطرح الرواية مفهومًا عميقًا للحب بوصفه فعلا من أفعال المقاومة. ويقول سعيد أبو غزة إن الحب في هذا العمل لا يُقدَّم باعتباره عاطفة رومانسية مجردة، بل موقفًا أخلاقيًا ووجوديًا يشمل حب الإنسان، وحب الوطن، والتشبث بالحياة نفسها. وتتكرر عبارة "العاشق لا يستسلم" كخلاصة فلسفية للنص، لتتحول إلى خيط دلالي خفي يربط مصائر الشخصيات ويمنح السرد بعده الإنساني.

وفي أحد أكثر مشاهد الرواية تأثيرًا، يحتضر شاب جريح بين ذراعي الطبيبة يسرى، طالبًا منها إيصال رسالته الأخيرة إلى حبيبته. في تلك اللحظة، يتداخل الحب مع الموت، وتغدو الكلمات الأخيرة فعل تحد رمزي، يؤكد أن القتل قادر على إنهاء الجسد، لكنه عاجز عن محو المعنى.

وتمنح الرواية حيزًا واسعًا لتفاصيل العمل الطبي تحت القصف الإسرائيلي المكثف، الذي لم يستثنِ المنظومة الصحية. ومن خلال هذه التفاصيل، تكشف حجم المأساة التي يعيشها الكادر الطبي، حيث يعرض أبو غزة استخدام الاحتلال للطبيبة يسرى درعًا بشريًا لاقتحام المستشفى، ويستعرض واقع العمل داخل مرافق تفتقر إلى الأدوية والمعدات، وسط ضغط هائل يفرض على الأطباء اتخاذ قرارات مصيرية وأخلاقية. هنا يجد الطبيب نفسه في مواجهة صراع نفسي قاسٍ: من ينقذ أولاً؟ وأي جريح يُترك لمواجهة الموت؟

ويرى أبو غزة أن هذه التفاصيل لا تأتي بوصفها استعراضًا للألم، بل كأداة لفضح جريمة استهداف المنظومة الصحية، وكشف الكيفية التي يُدفع بها الإنسان إلى خيارات تتناقض مع جوهر مهنته وقيمه. ويقول: "في ظل هذا الواقع يتحول المستشفى إلى خط تماس أخلاقي، يُختبر فيه الضمير الإنساني في أقسى صوره".

إعلان

كما تحضر الأمومة في الرواية رمزًا للحياة والاستمرارية، من خلال علاقة الطبيبة يسرى بأطفالها، ومشاهد الأطفال الجرحى وهم يبحثون عن أمهاتهم وسط الفوضى. وتعكس هذه الصور صراعًا عميقًا بين غريزة الحماية وواجب الإنقاذ، حيث لا تظهر الأم كشخصية فردية فحسب، بل كذاكرة جماعية تمثل الجذور التي يسعى مشروع الإبادة الإسرائيلية إلى اقتلاعها.

وفي سياق أوسع، تستعيد الرواية تاريخ مدينة خان يونس، من جذورها القديمة إلى نكباتها المتعاقبة، لتؤكد أن ما يجري ليس حدثًا عابرًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاستهداف، وأن المدينة، شأنها شأن أهلها، تحمل ذاكرة مقاومة لا تُمحى.

مسيرة حافلة

ينتهج الروائي سعيد أبو غزة أسلوب السرد المتعدد، متنقلا بين الأصوات ووجهات النظر، وهو ما يرى فيه مصدرًا لحيوية النص وتوتره الدائم. ويعزز هذا البناء استخدام لغة شاعرية مكثفة، مشحونة بالصور والاستعارات، مع حرص واضح على أن تبقى هذه اللغة لصيقة بالواقع، الأمر الذي يمنح الرواية وضوحها القاسي، ويُبقي القارئ في حالة تفاعل عاطفي مستمر مع السرد.

ولا تقدم رواية "نبض اللحظات الأخيرة" نهاية مغلقة أو خلاصة تقليدية، بل تترك القارئ أمام سؤال مفتوح: كيف يمكن للإنسان أن ينتصر على من لا يخاف الموت؟ وفي هذا السياق، يؤكد أبو غزة أن الانتصار في الرواية ليس عسكريا، بل إنساني وأخلاقي بالدرجة الأولى. ويقول: "قد يُدمَّر المستشفى، وقد يُقتل الجسد، لكن قيم الحب والكرامة والتضحية التي جسدها الأطباء والجرحى تبقى حية، شاهدة على أن غزة ما زالت تنبض.. لأن العاشق لا يستسلم".

ويضيف أبو غزة أن نهاية الرواية تُبقي هذا النبض قائما، لا بوصفه ضمانة للحياة، بل إصرارا على الشهادة والذاكرة. فهي رواية تمنح الطواقم الطبية والضحايا الصامتين أسماء ووجوهًا وحكايات، وتعيد إليهم حضورهم الإنساني في مواجهة محاولات المحو والنسيان.

مصدر الصورة نجح الروائي سعيد أبو غزة في إصدار 4 كتب من بينها رواية ومجموعة قصصية خلال الحرب على غزة (الجزيرة)

وتعد هذه الرواية المولود الأدبي الرابع للروائي سعيد أبو غزة الذي يصدره خلال حرب الإبادة الإسرائيلية، كما تشكل عمله الثاني عشر في مسيرة أدبية تمتد عبر الرواية والمجموعات القصصية والشعر.

ويبلغ أبو غزة من العمر 53 عاما، وهو من سكان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة. وخلال الحرب، لم ينزح ولم يغادر القطاع، بل عاش تفاصيلها القاسية عن قرب. كما وظف خبرة تمتد لنحو 17 عاما، اكتسبها من عمله السابق مع هيئات ومنظمات دولية، في الانخراط بأنشطة مجتمعية وتدريب مجموعات من المتطوعين، بهدف تأهيلهم للتعامل مع الواقع المأساوي الذي فرضته الحرب، لا سيما في ما يتعلق بالنازحين ومراكز الإيواء، والإسعاف النفسي الأولي، والتدخلات العاجلة، وفن الاستماع.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار