آخر الأخبار

أحمد عبد اللطيف: روايتي "أصل الأنواع" تنتمي للكتابات التي يحركها الخوف

شارك

تستند رواية "أصل الأنواع"، للروائي والمترجم المصري أحمد عبد اللطيف، والصادرة حديثا، إلى تحول جسدي يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه سرعان ما يتشعب سرديا وفلسفيا، فاتحا آفاقا للتأمل في المدينة، واللغة، والغرابة، وعلاقة الفرد بعالم يتهاوى من داخله.

في هذا الحوار، نسلط الضوء على هذا العمل، الذي ينافس على الجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها الحالية، للتعرف على خلفية كتابته، وخيارات كاتبه الجمالية، وما يهدف إلى إثارته لدى قارئها.


* بداية، كيف كان استقبالك لخبر وصول "أصل الأنواع" إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية؟ هل غيّر هذا الترشيح شيئا في علاقتك بالرواية بعد صدورها، أم أن رؤيتك لها اليوم هي ذاتها لحظة الانتهاء من كتابتها؟

لا شك أن جائزة البوكر مهمة، فهي تساهم بشكل كبير في رواج الكتب التي تصل إلى قوائمها أو تفوز بها. وككاتب، أحرص على وصول أعمالي إلى القراء، إذ أرى أن الكتابة فعل تشاركي، شأنها شأن الفنون الأخرى كالسينما والموسيقى. غير أن علاقتي بكتابي تقتصر على مرحلة الكتابة نفسها، وهي عملية طويلة وشاقة وممتعة.

وما إن يغادر الكتاب المطبعة ويصل إلى المكتبات، حتى أتعامل معه ككائن منفصل عني، دون قطع الحبل السري.

أحرص على وصول أعمالي إلى القراء، إذ أرى أن الكتابة فعل تشاركي شأنها شأن الفنون الأخرى كالسينما والموسيقى

لذلك، أقرأ آراء القراء والنقاد قدر استطاعتي، وأُقدّر مدى تلامس همومي ووساوسي مع هموم القراء ووساوسهم، لكنني لا أنتظر شيئا أبعد من ذلك. فإن صادف جائزة، فذلك من حسن حظ الكتاب، وإن لم يصادف، فالمكسب الحقيقي قد نلته مسبقا أثناء عملية الكتابة نفسها.


*

العنوان لافت ويحمل حمولة معرفية وعلمية واضحة. كيف استقر اختيارك على "أصل الأنواع" عنوانا للرواية، وما المسافة التي تفصل هذا العنوان عن مرجعيته العلمية المعروفة؟

تستند الرواية إلى نظرية علمية معروفة ومؤسسة، هي نظرية التطور أو الانتقاء الطبيعي. ولهذا الاستناد منحى جمالي وفني، فالنظرية نفسها تبدو في عمقها نظرية أدبية تخص الإنسان وأسئلته منذ نشأة الكون.

دعني أُفصح لك أن ثمة كتابة تنبع من الخوف، وأن ثمة نصوصا يحركها الهلع. "أصل الأنواع" تنتمي إلى هذا النوع، فما يفعله الإنسان المعاصر في حياته، وكيف يعمد إلى خراب العالم، يمكن أن يكون ملخصا مخلا لشعوري أثناء الكتابة.

ثمة كتابة تنبع من الخوف، وثمة نصوص يحركها الهلع.. روايتي "أصل الأنواع" تنتمي إلى هذا النوع

بيد أن الإنسان المعاصر، في الوقت ذاته، لا ينفصل عن الإنسان القديم، ولو مددنا خيط التطور على استقامته، لكان الانتقاء الطبيعي فعلا إنسانيا، لا كارثة تحلّ به على حين غرة. بطريقة ما، تبدو لي نظرية تشارلز داروين مجازا، يحمل في طياته تصورات مهولة عن هويتنا الإنسانية.

إعلان

ويبدو هذا المجاز لي فلسفيا أكثر منه علميا، وهذا المجاز هو ما اشتغلت عليه في روايتي. فإذا كانت طبيعة الإنسان في النظرية الداروينية تقوم على "التخلي"، فلماذا لا أستعير "التخلي" أفقا لرواية تدور أحداثها في زمن يبدو فيه التخلي (عن الهوية، عن الأصل، عن الحب، عن الكلمة) هو العقد الضمني بين الأفراد، والتخلي الواضح بين السلطة والشعب، والتخلي المرعب عن موتانا وآثارهم؟

مصدر الصورة الروائي المصري أحمد عبد اللطيف يتحدث عن مشروعه في رصد التحولات العميقة التي تضرب القاهرة وسكانها (الجزيرة)
*

تستند الرواية إلى تحول جسدي يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه سرعان ما يتسع ليشمل العالم الروائي برمته. هل كان الجسد نقطة البداية في الكتابة، أم أنه جاء لاحقا كأداة سردية لتمرير أسئلة أوسع؟

أعتقد أن أسئلتنا الكبرى كافة تنبع من التفاصيل الصغيرة التي نعيشها يوميا، مثل الشعور بألم في الرقبة يكون مصدره العمود الفقري، أو الصداع الذي ينبع من المعدة.

ما سعيت إليه، أو ما كنت مدفوعا إليه حقيقة، هو بناء جسر بين الألم الظاهر ومصدره. لكنني في النهاية لم أدرِ هل تشوه المدينة هو سبب تشوه سكانها، أم أن تشوه السكان أدى إلى تشوه المدينة. ولم أدرِ حقيقة هل السلطة هي التي تخلق شعبها، أم أن الشعب هو الذي يخلق سلطة تشبهه.

ولو اقتربنا من منحى إنساني وفردي أكثر، ففي هذه اللحظة لا أدرِ إن كان الإنسان يخلق سعادته أو تعاسته، أم أن الحياة كفيلة بهذه المهمة. وهل الحب هو هذا المعنى السامي الذي يولد سعادة المحبين، أم أنه اللعنة التي تصيب البشر فتحولهم إلى تعساء؟ كل هذه الأسئلة والعناصر جاءت بالتوازي، كدائرة تكتمل من زوايا مختلفة.


*

يُلاحظ القارئ أن الرواية لا تشرح غرائبيتها ولا تسعى إلى تبريرها. إلى أي مدى كان هذا خيارا واعيا من جانبك، وهل ترى أن الغموض يشكل جزءا أساسيا من صنعة السرد في هذا العمل؟

لو تأملنا الواقع، لوجدناه أكثر غرابة من الغرابة ذاتها، بل أذهب إلى أن الغرابة هي البنية الأساسية للواقع، ليس فقط في التجربة الجمعية للإنسان، بل حتى في التجربة الفردية. كم مرة نجونا من الموت بمعجزة لا تصدق؟ كم مرة شعرنا بفراغ في المعدة دون سبب؟ كم مرة اندهشنا وصعقنا لموت حبيب بلا سبب واضح؟ كم مرة فكرنا في القضاء والقدر والصدفة؟ كم مرة صدقنا في الأشباح دون أن نراها ورأينا مكانها أشباحا بشرية؟

الغرابة هي البنية الأساسية للواقع، ليس فقط في التجربة الجمعية للإنسان، بل حتى في التجربة الفردية

ثمة واقع عظيم يكمن وراء الواقع الأولي والسطحي، واقع شديد الغرابة والغموض. هذا الواقع الآخر هو ما يعنيني، وما يخيفني ويجذبني. وإن كان ثمة شيء يدفعني للكتابة، فهو أنني عبرها أدخل هذا العالم السري لاكتشافه. الغموض، إذن، ليس هدفا في ذاته، بل هو تجسيد لواقع غامض يتعين عليك فك شفرته المعقدة.


*

المدينة في "أصل الأنواع" ليست مجرد خلفية للأحداث، بل كيان متحول ومربك. كيف عملت سرديا على تحويل المكان إلى عنصر فاعل، دون الوقوع في المباشرة؟

في الحقيقة، لم أرَ القاهرة قط مكانا مصمتا وساكنا وبلا حركة. القاهرة التي عرفتها منذ طفولتي هي مكان مزدحم شديد الحركة وملهم، مدينة قادرة على التحول والتنوع، تعيش شبابا أحيانا وشيخوخة في أحيان أخرى.

وفي أحيان ثالثة، يشيخ عضو فيها، أحد أحيائها، بينما يُمنح الشباب لعضو آخر بعيد. والقاهرة، لقدمها وتاريخها ومآسيها، قادرة على أن تمنح ساكنها هذا الشعور بالألفة، بقدر ما تمنحه الاغتراب.

وبقدر ما تجذب المهاجرين عنها، بوسعها أن تلفظ ساكنيها في لحظة. وسكان هذه المدينة يختلفون، ويتنوعون ويتشكلون في أحيان كثيرة، بحسب السلطة الحاكمة، ومعاييرهم الأخلاقية، وتطلعهم الوظيفي، وخلايا شوارعها، بل حتى هيئاتهم، متأثرين بالخطاب السائد. وفي لحظة ما يستسلمون، فتكون تلك لحظة تأمل أحوالهم.

إعلان

وهي كذلك لحظة كتابة أعمال تشبه "أصل الأنواع"، إذ يبدو فهم ما جرى هدفا في ذاته، وتدوين ما يجري مسألة أخلاقية بالمقام الأول.


*

الشخصيات تتحرك في الرواية وكأنها تحمل شروخها الخاصة، دون أن تُقدّم بوصفها نماذج مكتملة. هل كنت معنيا ببناء شخصيات "ناقصة" منذ البداية، أم أن هذا التشظي فُرض عليك مع تطور السرد؟

في تصوري، يبدأ العمل الأدبي مع تغير شيء ما. فكل يوم تذهب إلى العمل، لكنك ذات يوم… و"ذات يوم" هذه هي لحظة ميلاد الكتابة والفن. وفي "ذات يوم" اكتشفت الشخصيات نقصانها، رغم أن النقص صفة إنسانية بديهية. حينها يفكر كل منهم فيما يحدث وكيف حدث، ويفرضون سيناريوهات بناء على الواقع الجديد.

حينها يبدأ العمل في بناء ذاته، بل حتى منتصفه نادرا ما أتدخل لإجراء تعديلات أو إضافات، رغم أنني عادة ما أجلس للكتابة بأفكار مكتملة حتى لا أواجه معاناة الكتابة خاليا.

ثمة أمر هنا يخص عملي في كتابة النص: لا أجلس للكتابة إلا حين تملؤني فكرة وأراها أمامي تتحرك في صور، فأقبض على العالم السردي، حينها أدرك أنها لحظة كتابة لا يمكن تفويتها.


*

تبدو اللغة في الرواية متوترة، متغيرة الإيقاع، وأحياناً أقرب إلى الحلم منها إلى السرد الواقعي. كيف توازن بين اللغة بوصفها أداة للحكي، واللغة بوصفها جزءاً من اختلال العالم الروائي نفسه؟

لم أؤمن قط بأن اللغة مجرد أداة حكي، أو أداة لتوصيل المعلومة، إلا في شقها الصحفي والبحثي. اللغة دائما حاملة لمضمون، فهي كائن حي متحرك ومتغير. إنها تتألم وتضحك وتصمت وتتأمل، وإذ تفعل ذلك، فلأنها ذكية ومتضامنة ومتفاعلة مع مضمون يحمل السمات نفسها.

اللغة إما أن تكون وعاء للأفكار، وفي هذه الحالة لا يمكن أن يكون الوعاء باردا وهو يحمل سائلا ساخنا. أو أنها هي الأفكار نفسها، هي مولدتها، وفي هذه الحالة لا يمكن أن تولد أفكار ساخنة من مولد بارد.

بهذا المعنى، اللغة هي المضمون، هي القلب النابض في جسد السرد. فإذا كان مضمون روايتي عالما يتحلل ويتفكك ويتشظى، فلا يمكن أن تكون لغته تقليدية أو جامدة.

مصدر الصورة عبد اللطيف يرى أن الترجمة لم تقدُه للتأثر بالغرب بل أعادته إلى "مكونه الذاتي" (الجزيرة)
*

أنت روائي ومترجم في آن واحد، وغالبا ما يُطرح سؤال تأثير الترجمة على الكتابة. هل تسربت خبرتك كمترجم إلى خياراتك السردية في "أصل الأنواع"، خصوصا فيما يتعلق بالاقتصاد اللغوي وبناء المشهد؟

للترجمة فوائد أخرى في حياة الكاتب وخبراته، لكن التأثر المباشر ليس من بينها. إنها توسع تصوراتك الفنية، وتُطلعك على تجارب حديثة وكلاسيكية، وتُعلمك كيف تكون ذاتك وكيف تعبر عن مأساتك.

والترجمة، شأنها شأن القراءة بلغة أجنبية، تُعلمك هذا التنوع البشري وتنوع التجربة، وهي بذلك تمحو تقديس كاتب بعينه بقدر ما تلغي الانغلاق على تيار أدبي أو طريقة سردية واحدة.

مع السنين والعمل في الترجمة والقراءات المتنوعة، أدركت أن ما أظنه يعنيني وحدي يعني آخرين كذلك، وأن تجربتي ليست تجربة أحد

لقد بدأت كاتبا مراهقا لا أدري إن كان ما أكتبه يعني غيري أم لا، بتصورات ساذجة مفادها أن التجربة الإنسانية واحدة.

ومع السنين والعمل في الترجمة والقراءات المتنوعة، أدركت أن ما أظنه يعنيني وحدي يعني آخرين كذلك، وأن تجربتي ليست تجربة أحد. هذا ما تعلمته من الترجمة، ويشبه ما تعلمه إدوارد سعيد عن هويته حين سافر إلى أميركا: العودة إلى مكوني الذاتي والنبش في أسئلتي، لكن مع الاستفادة من تجارب كتابية كثيرة سابقة تعمل كرابط بيني وبين العالم.


*

كيف تود أن يخرج القارئ من "أصل الأنواع"؟ هل تفضل أن يخرج بسؤال، أم بحالة شعورية، أم بمجرد شعور بعدم الاطمئنان تجاه ما يظنه "طبيعيا" في العالم؟

أحب أولا أن يجد فيها المتعة الفكرية، وأن يفهم الشخصيات لا أن يحكم عليها. ورغم أن المكان هو القاهرة، فإنها كذلك مجاز لمدن أخرى تعرضت للتشويه بسبب الحرب أو القسوة.

وحين يصل القارئ إلى الصفحة الأخيرة، أحب أن يمتلئ بالحالة وألا تفارقه أسئلة العمل بسهولة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار