آخر الأخبار

واشنطن تبدل جلدها.. كيف أصبح الذكاء الاصطناعي قضية "الكل ضد الكل"؟

شارك

تعيش الولايات المتحدة واحدة من أسرع التحولات التكنولوجية في تاريخها الحديث، مع انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه تقنية متخصصة داخل شركات التكنولوجيا إلى قوة اقتصادية واجتماعية تتغلغل في قطاعات واسعة من الحياة اليومية. الجميع يتأثر؛ فبعضهم يحارب من أجل مهنته، وبعضهم الآخر يحارب من أجل جمع الثروة الناتجة عن ذلك كله.

الشركات تستخدم النماذج التوليدية والوكلاء الذكيين لتحليل البيانات وكتابة المحتوى وأتمتة المهام (الإنجاز الآلي)، بينما تتوسع الاستثمارات في مراكز البيانات والرقائق والطاقة اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لينكدإن يضيّق الخناق على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي
* list 2 of 2 هل الرد على مكالمة مجهولة يُعرّض هاتفك للاختراق؟ end of list

ومع هذا التوسع، بدأت ملامح الاقتصاد الأمريكي وسوق العمل تتغير، وأصبح السؤال لا يتعلق فقط بما تستطيع الآلات فعله، بل بكيفية توزيع المكاسب والتكاليف بين الشركات والعمال والمستهلكين.

مصدر الصورة الشركات تتجه إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لأتمتة المهام ورفع الإنتاجية وتسريع إنجاز الأعمال (الفرنسية)

سوق العمل أمام إعادة تشكيل واسعة

يعد سوق العمل المجال الأكثر وضوحا لهذا التحول، ووفق دراسة حديثة لـ"بي سي جي" (BCG)، فإن نحو 50% إلى 55% من الوظائف في الولايات المتحدة يمكن أن تتغير بصورة جوهرية بفعل الذكاء الاصطناعي خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة، لكن الدراسة تميز بين إعادة تشكيل الوظيفة واختفائها، مؤكدة أن أتمتة بعض المهام لا تعني بالضرورة إلغاء الوظيفة بأكملها.

وتظهر توقعات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي صورة أكثر تعقيدا، إذ يتوقع المكتب نمو إجمالي العمالة الأمريكية بنحو 3.1% بين عامي 2024 و2034، بما يعادل 5.2 ملايين وظيفة إضافية، مع تركز جزء كبير من النمو في الرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية والخدمات المهنية والعلمية والتقنية.

وفي الوقت نفسه، يتوقع المكتب أن يؤدي انتشار الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات إلى زيادة الطلب على بعض الوظائف التقنية، ومن أبرز الأمثلة علماء البيانات، الذين يتوقع أن ينمو عدد وظائفهم بنسبة 33.5% بين عامي 2024 و2034، بينما يتوقع نمو وظائف محللي أمن المعلومات بنسبة 28.5% خلال الفترة نفسها.

إعلان

وهذا يعني أن التأثير لا يسير في اتجاه واحد، فالتكنولوجيا قد تقلص الحاجة إلى بعض المهام الروتينية، لكنها ترفع الطلب على مهارات جديدة مرتبطة بالبيانات والبرمجة والأمن السيبراني وإدارة الأنظمة الذكية، كما يمكن أن تتغير الوظائف التقليدية نفسها، بحيث يصبح الموظف مستخدما للذكاء الاصطناعي بدلا من أن يكون منافسا مباشرا له.

القلق يتزايد بين العمال

رغم الحديث عن فرص الإنتاجية والنمو، لا ينظر الأمريكيون إلى التحول بالقدر نفسه من التفاؤل، وأظهر استطلاع لمركز بيو للأبحاث أن 52% من العاملين الأمريكيين يشعرون بالقلق بشأن الطريقة التي قد يُستخدم بها الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل مستقبلا، مقابل 36% يشعرون بالأمل و29% بالإثارة، كما قال 32% من العاملين إن استخدام الذكاء الاصطناعي قد يؤدي على المدى الطويل إلى تقليل فرص العمل المتاحة لهم.

وفي سبتمبر/أيلول 2025، قال 21% من العمال الأمريكيين إن جزءا من عملهم ينجز باستخدام الذكاء الاصطناعي، مقارنة بـ16% قبل نحو عام، بينما قال 65% إنهم لا يستخدمونه كثيرا أو لا يستخدمونه على الإطلاق في وظائفهم، وتكشف هذه الأرقام أن التحول يتقدم، لكنه لم يصل بعد إلى جميع أماكن العمل بالوتيرة نفسها.

وتبرز الفجوة بصورة أكبر بين الأجيال، فالمخاوف المتعلقة بالوظائف الأولية وفرص الدخول إلى سوق العمل أصبحت أكثر وضوحا بين الشباب والخريجين الجدد، في وقت بدأت فيه الشركات تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لإنجاز بعض المهام التي كانت تسند تقليديا إلى الموظفين المبتدئين، وتشير بيانات حديثة إلى ارتفاع معدل البطالة بين الخريجين الجدد مقارنة بالمعدل الوطني، رغم أن الذكاء الاصطناعي ليس العامل الوحيد وراء هذا الاتجاه.

مصدر الصورة سوق العمل يشهد تحولا في طبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة مع انتشار الأدوات الذكية (غيتي)

الاقتصاد الأمريكي يعيد توجيه استثماراته

لا يقتصر التحول على الوظائف، فالذكاء الاصطناعي أصبح أيضا محركا لاستثمارات ضخمة في الاقتصاد الحقيقي، فبناء نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها يحتاج إلى رقائق متقدمة، ومراكز بيانات، وشبكات كهرباء، وأنظمة تبريد واتصالات، لذلك تتسع دائرة المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي لتشمل قطاعات كانت تبدو بعيدة عن التكنولوجيا، مثل البناء والطاقة والهندسة والخدمات الصناعية.

وتشير تحليلات اقتصادية حديثة إلى أن استثمارات الذكاء الاصطناعي أصبحت أحد العوامل التي تدعم النمو الأمريكي، في الوقت الذي يتباطأ فيه بعض مكونات الإنفاق الاستهلاكي. ويعكس ذلك تحولا في تركيبة النمو، مع تزايد وزن الاستثمار المرتبط بالتكنولوجيا والبنية التحتية.

لكن طفرة الاستثمار لا تعني تلقائيا انخفاض الأسعار، فقد حذّرت دراسة لباحثين من صندوق النقد الدولي وبنك إنجلترا من أن الإنفاق والاستثمار المبكرين في توقعات مكاسب الذكاء الاصطناعي قد يضيفان ضغوطا تضخمية قبل أن تتحقق مكاسب الإنتاجية بالكامل، خصوصا مع ارتفاع الطلب على مكونات الحوسبة مثل الذاكرة والرقائق ومع توسع الطلب على الطاقة والبنية التحتية.

من التكنولوجيا إلى السياسة

أصبح الذكاء الاصطناعي كذلك قضية إستراتيجية بالنسبة إلى واشنطن، فقد طرحت الإدارة الأمريكية في مارس/آذار الماضي إطارا تشريعيا وطنيا للذكاء الاصطناعي، تضمن أهدافا تتعلق بتطوير قوة عاملة قادرة على التعامل مع التكنولوجيا والاستفادة من النمو الذي تقوده أنظمة الذكاء الاصطناعي.

إعلان

وفي يونيو/حزيران الماضي، أعلنت الإدارة الأمريكية عن إجراءات مرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في الأمن القومي، مع التركيز على الابتكار والأمن السيبراني وحماية البنية التحتية الحيوية والحفاظ على موقع الولايات المتحدة في صدارة المنافسة العالمية.

ويكشف ذلك أن السباق لم يعد اقتصاديا فقط، بل أصبح مرتبطا بالأمن القومي والقدرة الصناعية والتفوق التكنولوجي، فالولايات المتحدة تنظر إلى تطوير النماذج والرقائق ومراكز البيانات بوصفه جزءا من قدرتها على المنافسة مع الصين وعلى امتلاك التقنيات التي ستحدد الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

مصدر الصورة المخاوف تزداد بين العمال من أن تؤدي الأتمتة إلى تقليص بعض فرص العمل، خصوصا في الوظائف الروتينية (شترستوك)

هل يصبح كل شيء اصطناعيا؟

التحول الجاري لا يعني أن الذكاء الاصطناعي سيحل محل البشر في كل الوظائف أو القطاعات، فالأدلة المتاحة حتى الآن تشير إلى صورة أكثر تعقيدا، إذ وجدت دراسة من جامعة ستانفورد عدم وجود دليل على إزاحة واسعة للوظائف على مستوى الاقتصاد الأمريكي بأكمله، لكنها رصدت مؤشرات مقلقة بشأن العمال الشباب في الوظائف الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي.

وبالتالي، قد يكون التغيير الأكبر هو انتقال الذكاء الاصطناعي من وظيفة مستقلة إلى طبقة تقنية موجودة داخل معظم الوظائف، فالمحاسب يستخدمه لتحليل البيانات، والطبيب لمراجعة المعلومات، والمهندس لتسريع التصميم، والصحفي للمساعدة في البحث، والمبرمج لكتابة أجزاء من البرمجيات. وفي المقابل، ستصبح القدرة على التحقق من مخرجات الأنظمة الذكية، وفهم حدودها، واتخاذ القرارات التي لا يمكن تفويضها إليها، مهارات أكثر أهمية.

ومن ثم، فإن أمام أمريكا مرحلة اقتصادية جديدة لا يمكن اختزالها في معادلة الذكاء الاصطناعي مقابل الوظائف، فالتحدي الحقيقي يتمثل في كيفية تحويل مكاسب الإنتاجية والاستثمار إلى فرص أوسع، وتدريب العمال على المهارات الجديدة، وتقليل مخاطر فقدان الوظائف في القطاعات الأكثر تعرضا، وضمان ألا تتحول الثورة التقنية إلى مصدر جديد لتوسيع الفجوة الاقتصادية.

وبينما تتسارع وتيرة الابتكار، يبدو أن مستقبل الاقتصاد الأمريكي سيتحدد بقدر كبير من خلال الطريقة التي تختار بها البلاد إدارة هذه التكنولوجيا، وليس بمجرد امتلاكها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار