على بُعد نحو ألف سنة ضوئية من الأرض، داخل سحابة برشاوس الجزيئية، عثر الفلكيون على مادة لم يسبق رصدها بشكل مؤكد في الفضاء، إنها نسخة نادرة وثقيلة للغاية من الميثانول.

واستخدم فريق دولي مصفوفة أتاكاما المليمترية/دون المليمترية الكبيرة "ألما" ‏‏(ALMA)‏ لالتقاط البصمة الطيفية للميثانول كامل الديوتيريوم ‏‏(CD3OD)‏ حول النجم الأولي "إيراس 4 إيه 2" ("IRAS 4A2)، وهو جرم لا يزال في مرحلة الولادة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 بصمة جسيمات غامضة تكشف سر الانعطافات المغناطيسية للشمس
* list 2 of 2 سحابة بطول 1800 كيلومتر على المريخ تكشف فيزياء غير متوقعة end of list

ولا تكمن أهمية الاكتشاف في إضافة جزيء جديد إلى قائمة مواد الفضاء فحسب؛ إذ وجد العلماء أن وفرته أعلى بنحو 100 مرة مما تتوقعه النماذج الكيميائية الحالية، في إشارة إلى أن خطوة أساسية في كيمياء تشكل الجزيئات العضوية ربما لا تزال مفقودة من فهمنا.

مصدر الصورة صورة مركبة لسحابة برشاوس الجزيئية، على بُعد ألف سنة ضوئية، حيث رُصد شكل نادر من الميثانول قرب نجم فتي (إيكاترينا مويروفا/معهد ماكس بلانك للفلك الراديوي)

الميثانول هو أبسط أنواع الكحول، لكنه يؤدي دورا مهما في الكيمياء بين النجمية، إذ تساعد التفاعلات التي يدخل فيها فوق حبيبات الغبار الجليدية على بناء مركبات عضوية أكبر.

أما الديوتيريوم فهو صورة ثقيلة من الهيدروجين، وتكتسب الجزيئات الغنية به أهمية خاصة، لأنها تتشكل بكفاءة في البيئات شديدة البرودة التي تسبق ولادة النجوم. ولهذا يمكن التعامل معها كآثار كيميائية محفوظة تخبر العلماء بما حدث للمادة قبل أن يسخنها النجم الوليد.

أربع ذرات هيدروجين استبدلت بالكامل

قاد عالم الفلك في معهد ماكس بلانك لعلم الفلك الراديوي أرنو بيلوش الدراسة ضمن مشروع "كومباس" ‏‏(COMPASS)‏، وهو مسح طيفي يستخدم "ألما" لدراسة 11 نظاما نجميا فتيا شبيها بالمراحل الأولى التي مرت بها الشمس.

وفي "إيراس 4 إيه 2″، وجد الباحثون توقيعا واضحا للميثانول الذي استُبدل بذرات الهيدروجين الأربع جميعها، نظير الهيدروجين الثقيل، الديوتيريوم. وهو أيضا أول جزيء بين نجمي يرصد وقد تعرض لـ4 عمليات استبدال إلى الديوتيريوم.

مصدر الصورة مجموعة من هوائيات مصفوفة "ألما" الراديوية على هضبة تشاخنانتور، في أعالي صحراء أتاكاما بتشيلي (المرصد الأوروبي الجنوبي)

وقالت رئيسة مجموعة بحثية في معهد ماكس بلانك لفيزياء خارج الأرض، سيلفيا سبيتسانو، إن عملية الديوترة تتيح تتبع التطور الكيميائي للجزيئات خلال تشكل النجوم والكواكب، ومن ثم فهم كيفية انتقال التعقيد الجزيئي من السحب بين النجمية إلى الأنظمة الكوكبية.

النموذج يفشل بفارق 100 ضعف

المفاجأة الأهم ظهرت عندما قارن الفريق كمية الجزيء المكتشفة بتوقعات النماذج، فالنسخة كاملة الديوتيريوم كانت أكثر وفرة بنحو 100 مرة من المتوقع، ولم يتمكن أي من النماذج الكيميائية المتاحة من إعادة إنتاج هذه النسبة.

إعلان

ويقول بيلوش إن ذلك يعني على الأرجح وجود عملية رئيسية مسؤولة عن تكوين الميثانول متعدد الديوترة لا تتضمنها النماذج الحالية.

وتكشف نتائج "كومباس" مفاجأة أخرى هي إشارات "مازر الميثانول"، وهي انبعاثات راديوية طبيعية شديدة، ظهرت في أكثر من نصف النجوم الأولية المدروسة.

مصدر الصورة قرص كوكبي أولي حول النجم "تي دبليو هيدرا"، اكتشفت فيه مصفوفة "ألما" جزيئات الميثانول العضوية (المرصد الأوروبي الجنوبي)

وكان هذا السلوك مرتبطا في السابق بصفة أساسية بمناطق ولادة النجوم الضخمة، لكن ظهوره حول نجوم أولية منخفضة الكتلة يشير إلى أن ظروفا فيزيائية متطرفة قد توجد أيضا أثناء ولادة نجوم شبيهة بالشمس.

وتبقى في بيانات "إيراس 4 إيه 2" خطوط طيفية مجهولة أخرى يشتبه العلماء في أنها تعود إلى أشكال إضافية من الميثانول متعدد الديوتيريوم.

وإذا تأكدت، فقد تساعد في إعادة بناء سلسلة التفاعلات التي تنقل المادة العضوية من السحب الجليدية الباردة إلى الأقراص التي تولد منها الكواكب، وربما تكشف مقدار الكيمياء التي ترثها الأنظمة الكوكبية من المرحلة التي سبقت ولادة نجومها.