قشرة الأرض تنفتح تحت إيطاليا.. والعلماء يحاولون فهم الظاهرة الغامضة
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
منذ زمن طويل، شكلت جبال الأبينيني، الممتدة لنحو 1200 كيلومتر على طول شبه الجزيرة الإيطالية، لغزا جيولوجيا حيّر العلماء. فهناك، تتباعد القشرة الأرضية على امتداد السلسلة الجبلية، في الوقت الذي تتعرض فيه للانضغاط عند حافتها الخارجية.
وإلى جانب ذلك، ترتفع بعض أجزاء المنطقة، بينما تهبط أجزاء أخرى، كما تكشف الزلازل على جانبيها عن مؤشرات تبدو متناقضة بالقدر نفسه.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 الأرض تمنح مركبة "جوس" دفعة مجانية في رحلته الطويلة إلى المشتري
* list 2 of 2 حل لغز الثلاثين عاما.. كيف يستوعب الدماغ المعلومات رغم الضوضاء العصبية؟ end of list
والآن، يعتقد علماء الجيولوجيا أنهم توصلوا إلى تفسير لسبب ظهور مزيج جيولوجي يبدو متناقضا. ووفقا لنتائج دراسة جديدة نُشرت مؤخرا في دورية "كوميونيكيشنز إيرث آند إنفايرونمنت " (Communications Earth & Environment)، تتفكك قشرة الأرض تدريجيا في أعماق إيطاليا، منتجة البنية الجيولوجية الغريبة التي نراها على السطح.
مصدر الصورة
آلية التفكك الطبقي في الأعماق
تُعرف هذه العملية باسم "التفكك الطبقي "، وفيها ينفصل جزء من القشرة السفلية الأكثر كثافة، ومعها الغلاف الصخري المرتبط بها تدريجيا عن الطبقات الموجودة فوقها، ثم تهبط ببطء داخل الوشاح في عملية يشبهها العلماء – مجازا – بآلية فتح سحّاب الملابس الذي يتقدم تدريجيا على امتداد مئات الكيلومترات في أعماق الأرض.
لتبسيط الأمر، يشرح الجيولوجي ستيفانو تافاني من جامعة فلورنسا الإيطالية، والباحث الرئيسي في الدراسة، هذه العملية قائلا: "تخيل كعكة متعددة الطبقات تُسحب أو تُفصل طبقتها السفلية عن الطبقات العلوية من الأسفل، من دون أن تتلف أو تُكسر الطبقة العلوية ".
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن "انفصال القشرة السفلية يحدث في جبال الأبينيني بطريقة مشابهة على هيئة عملية انثناء أفقي في أعماق الأرض، على عمق يتراوح بين 30 و40 كيلومترا، حيث تنفصل الطبقة السفلية الكثيفة من القشرة القارية وتغوص في الوشاح الذي يقع أسفلها، بينما تبقى القشرة العليا أقرب إلى سطح الأرض .
واللافت في هذه العملية أن هذا الانفصال لا يحدث بصورة مفاجئة، ولا يشمل السلسلة الجبلية بأكملها في الوقت نفسه، وإنما يتركز عند جبهة واحدة أطلق عليها الباحثون اسم "المفصل "، حيث يحدث انفصال الطبقات، وتتحرك هذه الجبهة ببطء تحت إيطاليا باتجاه المنطقة الأمامية المطلة على البحر.
فيزيائيا، يوضح ستيفانو أن "المفصل " يمثل الخط الموجود تحت سطح الأرض الذي تبدأ عنده القشرة الأرضية السفلى بالانفصال. ويمكن تصوره كجبهة متحركة تنتقل أفقيا من جهة البحر التيراني – الواقع بين الساحل الغربي لإيطاليا والساحل الشرقي لجزيرة سردينيا – نحو الشرق، باتجاه البحر الأدرياتيكي، المتفرع من البحر الأبيض المتوسط، والفاصل بين شبه الجزيرة الإيطالية وشبه جزيرة البلقان.
ويضيف أنه "مع انتقال هذه الجبهة أفقيا في الأعماق، فإنها تسحب القشرة التي تعلوها وتُحدث فيها انحناءات وتشوهات تكتونية متواصلة، وهو ما يحدد كيفية تطور التشوهات التكتونية على السطح ".
كيف تشكلت جبال الأبينيني؟
لفهم الكيفية التي تنعكس بها هذه العملية العميقة على سطح الأرض، لا بد من العودة إلى الماضي، والتوقف عند التاريخ الجيولوجي الذي تشكلت خلاله هذه البنية الجيولوجية الممتدة من شمال إيطاليا إلى جنوبها، والتي تمثل إحدى السلاسل الجبلية الكبرى في منطقة البحر المتوسط، وقد ارتبط تشكلها بتاريخ جيولوجي معقد شاركت فيه عمليات الاندساس والتصادم القاري والتمدد التكتوني.
وكحال العديد من السلاسل الجبلية، تشكلت الأبينيني نتيجة تقارب الصفائح التكتونية، إذ أدى تصادمها المستمر على مدى ملايين السنين إلى انضغاط أجزاء من قشرة الأرض وزيادة سماكتها، في عملية أسهمت في بناء السلسلة الجبلية وتشكيل تضاريسها الحالية.
لكن هذا التاريخ لم يتوقف عند مرحلة بناء الجبال، إذ لم يستمر النظام التكتوني أسفل إيطاليا في الدفع بالاتجاه نفسه. فمع تراجع الصفيحة الصخرية الهابطة داخل الوشاح تدريجيا، بدأت القشرة الواقعة خلف السلسلة الجبلية الصاعدة في التمدد والتباعد، مما أسهم في النهاية في فتح البحر التيراني.
وهكذا وجدت جبال الأبينيني نفسها في وضع تكتوني غير مألوف، ففي الوقت الذي ظلت فيه الحافة الخارجية للسلسلة الجبلية تتعرض للانضغاط، كانت القشرة الواقعة خلفها تتمدد وتتباعد.
وقد وُصف هذا التناقض في دراسة نُشرت عام 2006، جاء فيها: "يظل التناقض المتمثل في كيفية حدوث الانضغاط والتمدد الأفقيين في الوقت نفسه داخل الأحزمة الجبلية المتقاربة مشكلة أساسية لم تُحل إلى حد كبير في ديناميات القارات ".
ولملايين السنين، كانت هذه الحركات المتعاكسة جزءا من النظام التكتوني نفسه. فبين نحو 10 ملايين ومليوني سنة مضت، قوبل انضغاط بلغ نحو 100 كيلومتر في الجزء الأوسط من جبال الأبينيني بتمدد مماثل تقريبا في منطقة البحر التيراني الواقعة خلفها.
وعُزي هذا التزامن بين الانضغاط والتمدد في السابق إلى عملية تكتونية تحدث في مناطق الاندساس تُعرف باسم "تراجع الصفيحة الهابطة "، حيث تتراجع الصفيحة الغاطسة (الهابطة في الوشاح) إلى الخلف، وهو ما يؤدي إلى تمدد القشرة الواقعة خلف جبهة السلسلة الجبلية، في الوقت الذي يستمر فيه الانضغاط في الجهة المقابلة. لكن قبل نحو مليوني سنة، تغيرت الصورة، فقد انتهت المرحلة الرئيسية من التمدد التي أدت إلى فتح البحر التيراني، ثم تباطأ الانكماش على طول الجبهة الأمامية لجبال الأبينيني بصورة حادة. ومع ذلك، استمر النمط المتناقض للسلسلة الجبلية، ما يشير إلى أن عملية أخرى كانت تجري في الأعماق.
مصدر الصورة
أدلة من باطن الأرض وسطحها
كان من الممكن لعملية "تراجع الصفيحة الهابطة " أن تفسر هذا النمط خلال المراحل السابقة من تطور جبال الأبينيني، لكن هذه الآلية لم تعد كافية لتفسير ما تشهده السلسلة اليوم. وبدلا من ذلك، يوفر استمرار عملية التفكك الطبقي تحت الجبال المحرك الداخلي المفقود الذي يفسر النمط المعقد من الحركات الجيولوجية المتناقضة المرصودة في المنطقة.
وللتحقق من هذه الآلية ورصد آثارها في باطن الأرض وعلى سطحها، جمع ستيفانو وزملاؤه بيانات من مصادر متعددة، شملت سجلات الزلازل الممتدة لعقود، وقياسات نظام تحديد المواقع العالمي، وصولا إلى بيانات الرادار الملتقطة بالأقمار الصناعية وخرائط للحد الفاصل بين القشرة الخارجية للأرض والوشاح الأكثر كثافة الواقع تحته، وهي منطقة تُعرف اختصارا بـ "موهو " (Moho).
ويوضح ستيفانو أن "أقوى الأدلة تأتي من نموذج فيزيائي تحليلي دقيق، قائم على فهم كيفية انثناء الصفائح القشرية واستجابتها للقوى المؤثرة فيها، إذ يفسر هذا النموذج بنجاح الشكل الهندسي واسع النطاق للصفائح، ويتنبأ بالقوى التكتونية الكامنة المؤثرة ".
ويضيف أن "الأهم من ذلك، أن هذه التنبؤات النظرية جرى التحقق منها على مقاييس زمنية متعددة، فعلى المدى الطويل، تؤكدها البنى العميقة للقشرة، بينما تؤكدها على المدى القصير، أي خلال بضع سنوات فقط، بيانات التشوه السطحي عالية الدقة التي يوفرها نظام تحديد المواقع العالمي وتقنية الرادار ذي الفتحة التركيبية، إلى جانب رؤى معمقة توفرها الزلازل ".
وعلى امتداد أكثر من 500 كيلومتر من السلسلة الجبلية، رصد الفريق منطقة يتداخل فيها حد "موهو " الواقع أسفل الجانب التيراني مع حد "موهو " الموجود أسفل الجانب الآخر من السلسلة.
ويفسر الباحثون هذا التداخل المزدوج للقشرة على أنه المنطقة التي تنفصل فيها القشرة السفلية، أي جبهة التفكك الطبقي التي تتحرك تدريجيا تحت شبه الجزيرة الإيطالية، على غرار النقطة التي تبدأ عندها قطعة من الشريط اللاصق في الانفصال عن سطح ما أثناء نزعها.
ويشير ستيفانو إلى أن البنية المتداخلة لحد "موهو " تمثل "بصمة " فيزيائية لهذه العملية، مضيفا أن "هذه البنية الفريدة توضح أن القشرة السفلية قد انفصلت وتحركت أفقيا عن القشرة العليا. ويعد هذا دليلا مهما لأنه يسجل المسار المكاني، ويقدم جبهة الانفصال الأفقية مع تحركها عبر المنطقة بمرور الزمن ".
وتدعم الزلازل هذا التفسير أيضا، إذ تتركز نسبة كبيرة منها حول هذه المنطقة، بينما تكشف آلياتها عن اختلاف واضح في طبيعة الحركة على جانبي جبهة الانفصال. ففي المنطقة الواقعة خلف جبهة التفكك وفوقها، تشير غالبية آليات الزلازل إلى أن القشرة تتعرض للتمدد والتباعد، بينما تكشف الزلازل الواقعة أمامها في معظمها عن استمرار تعرض القشرة للانضغاط.
ويفسر ستيفانو هذه الصورة قائلا إن "نموذجنا يفسر هذه المفارقة الظاهرية بتوضيح أن التمدد والانضغاط يحدثان في الوقت نفسه في أجزاء مختلفة من القشرة الأرضية. ففوق الجبهة العميقة للقشرة السفلى، تتمزق القشرة العلوية، مما يسبب زلازل التمدد على طول سلسلة جبال الأبينيني الرئيسية، كما هو الحال في أماتريتشي ونورسيا ولاكويلا ".
ويضيف: "في الوقت نفسه، وإلى الشرق، تدفع الجبهة المتقدمة الحافة الخارجية للقشرة باتجاه جانب البحر الأدرياتيكي، مما يحفز الانضغاط ويولد زلازل في مناطق مثل إميليا رومانيا وبيزارو ".
ومع ذلك، لا يعني هذا أن إيطاليا تنقسم إلى نصفين، ولا أن هناك صدعا هائلا يتقدم تحت سطحها، بل إن ما يحدث هو أن الجزء السفلي من الغلاف الصخري ينفصل ويهبط إلى الأعماق، بينما تتغير تدريجيا مواضع المنطقة التي يحدث فيها هذا الانفصال.
كما تروي قياسات نظام تحديد المواقع العالمي قصة مشابهة، إذ سجل الباحثون تمددا بمعدل نحو 4 مليمترات سنويا على امتداد الحزام الجبلي، في حين يقترن جزء من هذه الحركة قرب الحافة الخارجية للسلسلة بانكماش يبلغ نحو مليمترين سنويا.
وعن إمكانية تتبع حركة جبهة التفكك نفسها، يوضح الباحث أنه "لا يمكننا مراقبة حركتها في الوقت الفعلي، إذ تبلغ سرعتها بضعة مليمترات سنويا، وهي سرعة بطيئة للغاية بحيث يتعذر تتبعها ديناميكيا ضمن النطاق الزمني البشري. وبدلا من ذلك، يعمل العلماء على رسم خريطة لبصمتها المكانية ".
ومع ذلك، تشير النتيجة إلى أن جبال الأبينيني قد تمنح علماء الجيولوجيا فرصة نادرة تتجاوز حدود الحالة الإيطالية، إذ يرى ستيفانو أن "حالتها تقدم قطعة مهمة من الأحجية، إذ تساعد على فهم ما يحدث خلال المراحل النهائية لتقارب الصفائح التكتونية، وتحديدا قبيل وصول النظام إلى نهايته ".
وبحسب قوله، تظهر هذه الحالة أن الآليات الداخلية العميقة، مثل انفصال القشرة السفلية، يمكن أن تواصل دفع التطور التكتوني وبناء الجبال حتى عندما تتباطأ عمليات الاندساس التقليدي وتمدد المنطقة الواقعة خلف القوس البركاني، ما يوفر نموذجا مرجعيا لأنظمة جيولوجية مماثلة آخذة في الأفول حول العالم.