في 24 أغسطس/آب 2006، اتخذ الاتحاد الفلكي الدولي قرارا غيّر صورة النظام الشمسي التي حفظها ملايين البشر منذ طفولتهم؛ فكوكب بلوتو لم يعد الكوكب التاسع، بل أصبح "كوكبا قزما". وبعد 20 عاما على ذلك القرار، لا يزال الجدل مستمرا بشأن إن كان ينبغي إعادة بلوتو إلى قائمة الكواكب الرئيسية.
لكن الذكرى العشرين للقرار لا تعيد فتح السؤال بشأن بلوتو وحده، وإنما تطرح سؤالا أوسع: ما الذي يجعل جرما سماويا كوكبا أصلا؟
يدافع عالم الفلك مايك براون -أستاذ علم الفلك في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا "كالتيك" وأحد أبرز العلماء الذين ارتبط اسمهم بإعادة تصنيف بلوتو- عن قرار عام 2006، حتى إنه اكتسب لقب "قاتل بلوتو" (Mike “Pluto Killer” Brown). ويرى أن المشكلة لم تكن في بلوتو نفسه، بل في موقعه وطبيعة مداره، محذرا من أن التخلي عن المعيار الذي أبعده عن قائمة الكواكب قد يفتح الباب أمام عشرات الأجرام، وربما مئات منها.
اكتشف "كلايد تومبو" بلوتو عام 1930، وظل طوال أكثر من 75 عاما يحتل مكانة الكوكب التاسع في النظام الشمسي. لكن اكتشاف أجرام أخرى شبيهة به في المناطق البعيدة وراء نبتون، لا سيما في حزام كايبر، وضع علماء الفلك أمام مشكلة لم يعد بالإمكان تجاهلها.
"بلوتو كان يستحق ما حدث له"
مايك براون، عالم الفلك في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا
فإذا كان بلوتو كوكبا، فماذا عن الأجرام الكبيرة الأخرى المشابهة له؟ وهل ينبغي إضافة كواكب جديدة إلى القائمة كلما اكتشف العلماء جرما كبيرا في أطراف النظام الشمسي؟
لذلك أقر الاتحاد الفلكي الدولي عام 2006 تعريفا للكوكب يشترط ثلاثة أمور:
يحقق بلوتو الشرطين الأول والثاني، لكنه لا يحقق الثالث. فهو يعيش في حزام كايبر، وهي منطقة واسعة مليئة بالأجرام الجليدية التي تشترك معه في البيئة المدارية نفسها.
وبذلك أصبح بلوتو "كوكبا قزما" (Dwarf Planet): وهو جرم كبير بما يكفي ليكون شبه كروي، لكنه لم يهيمن ديناميكيا على المنطقة المحيطة بمداره.
يرى "براون" أن هذا الشرط الديناميكي أساسي، لأن تعريف الكوكب لا ينبغي أن يعتمد فقط على صفات الجسم نفسه، وإنما أيضا على علاقته بالأجرام المحيطة به.
وهنا يأتي أحد أقوى اعتراضاته على المطالبات بإعادة بلوتو إلى مكانته السابقة. فإذا أصبح الجسم كوكبا لمجرد أنه كروي وله تاريخ جيولوجي معقد، فإن ذلك سيجعل قائمة الكواكب أكبر بكثير.
ويظهر القمر مثالا واضحا. فالقمر أكبر من بلوتو بنحو 50% من حيث القطر، وله تاريخ جيولوجي طويل ومعقد، وشهد في الماضي نشاطا بركانيا حقيقيا وتدفقات حمم على سطحه. فإذا كانت هذه الصفات كافية وحدها للحصول على لقب "كوكب"، فلماذا لا يكون القمر كوكبا أيضا؟
ولا يتوقف الأمر عند القمر؛ فأقمار كبيرة في النظام الشمسي، مثل آيو (المشتري) وتيتان (زحل) وتريتون (نبتون)، تتمتع بظواهر جيولوجية وجوية مذهلة. فـ"آيو" يشهد نشاطا بركانيا هائلا، وتظهر على "تيتان" بحيرات وأنهار من الميثان والإيثان، بينما يمتلك "تريتون" مظاهر جيولوجية وغلافا جويا رقيقا.
ومع ذلك، لم تصبح هذه الأجرام كواكب بسبب نشاطها الجيولوجي، بل بقيت أقمارا تدور حول كواكب أكبر.
بحسب براون، فإن إزالة معيار "تنظيف المدار" لن تعيد بلوتو وحده إلى قائمة الكواكب. فقد تدخل معها مجموعة كبيرة من الأجرام الأخرى، بينها كواكب قزمة معروفة، وأقمار كبيرة، وأجرام من حزام كايبر.
وبحسب الطريقة التي يعتمدها العلماء في التصنيف، يمكن أن يصل عدد الأجرام التي تستحق وصف "كوكب" إلى عشرات، بل تشير بعض التقديرات إلى احتمال وجود نحو 200 جسم كبير في حزام كايبر وحده يمكن أن يدخل في النقاش.
وهنا يصبح السؤال: هل نريد نظاما شمسيا يضم تسعة كواكب، أم عشرات الكواكب، وربما مئات منها؟
يقول "براون" إن هذا هو السبب الذي يجعل المعيار الديناميكي أكثر فائدة. فهو لا يسأل فقط: "هل الجسم كروي؟"، بل يسأل أيضا: هل يهيمن هذا الجسم على المنطقة التي يتحرك فيها؟
ومع ذلك، فإن إعادة تصنيف بلوتو لم تكن مجرد "طرد" لعضو من عائلة الكواكب، بل كانت بداية لفهم مختلف للنظام الشمسي.
فبعد القرار أصبح بلوتو أشهر أفراد عائلة الكواكب القزمة، إلى جانب "سيريس" و"هاوميا" و"ماكيماكي" و"إيريس"، وفقا للأجرام التي يعترف بها الاتحاد الفلكي الدولي حاليا.
وتشير تقديرات إلى احتمال وجود نحو 100 كوكب قزم محتمل لم تُكتشف جميعها بعد.
ومن بين هذه الأجرام "إيريس" (Eris) الذي اكتُشف في المنطقة البعيدة وراء نبتون، وكان اكتشافه أحد العوامل التي دفعت علماء الفلك إلى إعادة النظر في تعريف الكوكب. ويبلغ قطر "إيريس" نحو 2326 كيلومترا، أي أصغر بقليل من بلوتو، لكنه أكثر كتلة منه.
أما "سيريس" فيقع في حزام الكويكبات بين المريخ والمشتري، وهو أقرب كوكب قزم إلى الأرض، وقد اكتُشف عام 1801، أي قبل اكتشاف بلوتو بـ129 عاما.
وهكذا لم يعد بلوتو حالة استثنائية، بل أصبح عضوا بارزا في عائلة واسعة من الأجرام التي تقع في المنطقة الفاصلة بين الكواكب والكويكبات.
تكمن أهمية هذه الأجرام في أنها قد تحمل سجلا محفوظا من المراحل الأولى لتشكل النظام الشمسي قبل نحو 4.6 مليار سنة.
فالأجرام الجليدية البعيدة في أطراف النظام الشمسي لم تتعرض للبيئة نفسها التي تعرضت لها الكواكب الداخلية، وقد تكون بعض موادها أكثر محافظة على حالتها البدائية.
ولهذا فإن دراسة بلوتو وغيره من أجرام حزام كايبر لا تتعلق باللقب الذي تحمله، بقدر ما تتعلق بما يمكن أن تخبرنا به عن المواد والظروف التي كانت موجودة عندما بدأ النظام الشمسي في التشكل.
ربما كان أفضل رد على فكرة أن بلوتو "فقد أهميته" بعد عام 2006 جاء من مهمة "نيو هورايزنز" (New Horizons) التابعة لوكالة ناسا.
ففي يوليو/تموز 2015، مرت المركبة بالقرب من بلوتو، وقدمت أول صور تفصيلية لهذا العالم البعيد، فكشفت عن عالم أكثر تعقيدا مما توقع العلماء.
ظهرت جبال جليدية شاهقة، وسهول واسعة مغطاة بجليد النيتروجين، وضباب أزرق في الغلاف الجوي، وسطح نشط ومتغير. وكانت منطقة "سبوتنيك بلانيتيا" (Sputnik Planitia)، ذات الشكل القلبي الشهير، واحدة من أبرز المفاجآت، إذ تغطيها سهول من جليد النيتروجين.
منطقة "سبوتنيك بلانيتيا" ذات الشكل القلبي الشهير، واحدة من أبرز مفاجآت زيارة مركبة "نيو هورايزنز" لكوكب بلوتو (ناسا)كما كشفت المهمة عن نظام معقد من الأقمار وتفاصيل جيولوجية دفعت العلماء إلى إعادة التفكير في كيفية تطور الأجرام الصغيرة البعيدة.
وهكذا أثبت بلوتو أن خسارته لقب "الكوكب" لم تعن خسارة قيمته العلمية.
"إعادة تصنيف بلوتو كانت أمرا رائعا لفهمنا للنظام الشمسي ولبلوتو نفسه"
روبرت ليا، كاتب العلوم والفلك في سبيس كوم (Space.com)
يعترف "مايك براون" بأن قرار 2006 كان مؤلما حتى بالنسبة إليه. فقد نشأ، مثل ملايين البشر، وهو يرى بلوتو في صور النظام الشمسي بوصفه الكوكب التاسع، قبل أن يصبح لاحقا أحد العلماء المرتبطين بتغيير هذا التصنيف.
لكنه يرى أن الحنين إلى نظام شمسي من 9 كواكب لا يمكن أن يكون حجة علمية.
وقال براون "استحق بلوتو ما حدث له".
رئيس وكالة ناسا "جاريد آيزاكمان" يدعو إلى إعادة بلوتو كوكبا من جديد (ناسا)وتتلخص حجته في أن قيمة الجرم لا تتحدد بالاسم الذي نضعه بجواره. فإذا كان بلوتو عالما مذهلا، فهذا صحيح بغض النظر عن كونه كوكبا أو كوكبا قزما.
بل إن وصفه بأنه كوكب قزم فتح الباب أمام عائلة كاملة من الأجرام التي لم تكن تحظى بالاهتمام نفسه عندما كان النظام الشمسي يبدو -في الكتب المدرسية- مجرد 8 كواكب وبلوتو في النهاية.
بعد عقدين من قرار الاتحاد الفلكي الدولي، يبدو أن أهم ما تغير ليس موقع بلوتو في القائمة، بل السؤال الذي نطرحه عنه.
ففي عام 2006، كان السؤال: لماذا لم يعد بلوتو كوكبا؟ أما اليوم، فيمكن أن يكون السؤال الأكثر أهمية: ماذا يستطيع بلوتو والكواكب القزمة الأخرى أن تخبرنا عن أصل النظام الشمسي؟
أصبحت المجموعة الشمسية مكونة من 8 كواكب رئيسية منذ عام 2006 بعد استبعاد بلوتو من بينها (ناسا)لقد حولت إعادة التصنيف بلوتو من "كوكب صغير غريب" إلى بوابة لعالم كامل من الأجرام البعيدة، وربما لا يزال عدد كبير منها ينتظر الاكتشاف.
أما الجدل بشأن إعادته إلى القائمة الرئيسية، فسيستمر على الأرجح. لكن قصة بلوتو تذكرنا بأن العلم لا يحافظ على التصنيفات لأنها مألوفة أو محبوبة، وإنما يعيد النظر فيها عندما تظهر أدلة أو أسئلة جديدة.
وفي هذه الذكرى العشرين، ربما لا يكون بلوتو بحاجة إلى استعادة لقب الكوكب كي يستعيد مكانته في خيالنا، فقد أثبت بالفعل أن جرما صغيرا وبعيدا يمكن أن يغير الطريقة التي ننظر بها إلى النظام الشمسي كله.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة