في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تعد موجات الحر التي تضرب ألمانيا خلال فصل الصيف مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة المدن والسكان على التكيف مع واقع مناخي جديد.
مع تسجيل درجات حرارة قياسية في عدد من الولايات الألمانية، تغيرت تفاصيل الحياة اليومية، وبرزت تحديات غير مسبوقة مست جوانب متعددة، من الصحة العامة والنقل إلى التخطيط الحضري وإدارة الفضاءات العامة.
وفي وقت يحذر فيه العلماء من أن هذه الظواهر مرشحة للتفاقم بفعل تغير المناخ، تكثف السلطات الألمانية جهودها لتعزيز سياسات التكيف والحد من المخاطر، في سباق مع الزمن لمواجهة ما يصفه خبراء المناخ بـ"الوضع الطبيعي الجديد".
في ساحة "ألكسندر بلاتس" وسط برلين، لم يكن المشهد يشبه صيفا أوروبيا اعتاده السكان قبل سنوات. تحت شمس حارقة تجاوزت درجات الحرارة معدلاتها الموسمية، فضل كثيرون الاحتماء بظلال الأشجار أو الجلوس قرب النوافير، بينما خلت بعض الشوارع من المارة خلال ساعات الظهيرة.
حتى وسائل النقل لم تسلم من تأثير الحرارة المرتفعة، إذ أصدرت شركات النقل تحذيرات من احتمال تأثر حركة القطارات بفعل تمدد السكك الحديدية، فيما رفعت بعض البلديات مستوى التأهب لمواجهة أي انقطاعات أو أعطاب قد تنتج عن الإجهاد الحراري الذي يطال البنية التحتية.
وفي المقاهي المفتوحة، بدت الطاولات شبه فارغة خلال ساعات الظهيرة، بينما اختار كثير من السكان تأجيل تنقلاتهم إلى ساعات المساء، حيث تنخفض درجات الحرارة نسبيا. كما شهدت الحدائق العامة والبحيرات إقبالا لافتا من العائلات التي وجدت فيها متنفسا للهروب من الحر.
داخل إحدى الحدائق العامة، كانت الألمانية "هوبا مولر" تحمل زجاجة ماء ومروحة صغيرة، وتقول في تصريح للجزيرة نت: "كنا ننتظر الصيف للاستمتاع بالشمس، أما اليوم فأصبحنا نبحث عن أي مكان مظلل، لأن الحرارة أصبحت مرهقة حتى بالنسبة للأشخاص الأصحاء".
ويرى الشاب السوري محمود باسل، الذي يقيم في ألمانيا منذ سنوات، أن موجات الحر الحالية تختلف تماما عما عرفه عند وصوله إلى البلاد، ويقول: "عندما جئت إلى ألمانيا كنت أعتقد أن الصيف هنا معتدل دائما، لكن خلال السنوات الأخيرة أصبحت الحرارة مرتفعة بشكل غير مسبوق، وهذا ينعكس حتى على ساعات العمل والتنقل".
أما المغربية فاطمة المفضل، المقيمة في برلين، فتؤكد أن السلطات الألمانية أصبحت أكثر حضورا خلال موجات الحر من خلال رسائل التحذير والإرشادات الصحية، لكنها ترى أن الظاهرة باتت تتكرر بشكل يثير القلق، مضيفة: "لم نكن نتوقع أن نعيش في ألمانيا درجات حرارة تشبه بعض أيام الصيف في شمال أفريقيا، لكن يبدو أن تغير المناخ لم يعد يستثني أحدا".
هذه المشاهد اليومية لا ينظر إليها العلماء باعتبارها مجرد تقلبات موسمية، بل يرون فيها مؤشرا واضحا على التحولات التي يشهدها النظام المناخي العالمي، والتي جعلت أوروبا من أكثر المناطق تأثرا بارتفاع درجات الحرارة خلال العقود الأخيرة.
وفي حديثها للجزيرة نت، تؤكد الباحثة الألمانية "بيترا بوهوف"، المتخصصة في قضايا تغير المناخ، أن أوروبا أصبحت من المناطق التي ترتفع فيها درجات الحرارة بوتيرة تفوق المعدل العالمي.
وتوضح أن تغير المناخ الناتج عن الأنشطة البشرية أدى إلى زيادة تواتر موجات الحر وشدتها ومدتها، مشيرة إلى أن ما كان يوصف قبل عقود بأنه حدث استثنائي أصبح اليوم يتكرر بصورة متزايدة.
وتضيف بيترا: "لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت موجات الحر ستتكرر، بل كيف يمكن للمجتمعات أن تتكيف مع واقع مناخي جديد، لأن هذه الظواهر مرشحة للاستمرار مع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض".
وتشير الباحثة إلى أن موجات الحر أصبحت تمتد لفترات أطول، وتترافق في كثير من الأحيان مع موجات جفاف وحرائق غابات، الأمر الذي يزيد الضغوط على الموارد المائية والقطاع الزراعي وشبكات الطاقة، ويجعل تكلفة التكيف مع المناخ أعلى عاما بعد آخر.
وتؤكد بيترا بوهوف أن ألمانيا شرعت منذ سنوات في مراجعة سياساتها الحضرية للتكيف مع المناخ، من خلال توسيع المساحات الخضراء، وزراعة الأشجار داخل المدن، واعتماد مواد بناء تقلل امتصاص الحرارة، إضافة إلى تطوير أنظمة الإنذار المبكر لحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، خاصة كبار السن والأطفال والمرضى.
ولفتت المتحدثة ذاتها إلى أن السلطات المحلية خططت لتوفير نقاط مياه للشرب في الفضاءات العامة، وإنشاء ما يعرف بـ"الجزر الباردة" داخل المدن، وهي فضاءات تتيح للسكان الاحتماء من الحرارة خلال ساعات الذروة، إلى جانب حملات توعية تدعو إلى تجنب التعرض المباشر للشمس والإكثار من شرب المياه.
ورغم ذلك، ترى الباحثة أن هذه الإجراءات تمثل جزءا من الحل فقط، لأن التكيف مع تغير المناخ لا يمكن أن يعوض الجهود الرامية إلى الحد من مسبباته.
ويتفق أستاذ ديناميكيات النظام المناخي بجامعة بوتسدام، أندرس ليفرمان، مع هذا الطرح، مؤكدا للجزيرة نت أن الاستثمار في التكيف أصبح ضرورة، لكنه لن يكون كافيا إذا استمرت الانبعاثات العالمية في الارتفاع.
ويقول إن كل جزء من الدرجة المئوية الذي يرتفع به متوسط حرارة الأرض يعني مزيدا من موجات الحر والجفاف والفيضانات، داعيا إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد منخفض الكربون، وتعزيز التعاون الدولي للوفاء بالالتزامات المناخية.
وبينما تستعد ألمانيا، كما بقية الدول الأوروبية، لصيف قد يحمل موجات حر أكثر شدة خلال السنوات المقبلة، يبدو أن تغير المناخ لم يعد قضية تناقش داخل المختبرات أو المؤتمرات الدولية فقط، بل أصبح واقعا يفرض نفسه على تفاصيل الحياة اليومية، ويعيد رسم علاقة الإنسان بمدنه وبيئته ومستقبله.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة