في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بينما كان الحديث في الغالب عن سد النهضة وتداعياته يركز على تأثيراته السلبية في حصة دول المصب من المياه، حذر خبراء من بعد آخر، وهو أن سوء الإدارة قد يحول مياهه إلى قنبلة مائية مدمرة لدول المصب، لا سيما الخرطوم.
وشهد السودان في سبتمبر/أيلول من عام 2025 فيضانات اجتاحت عدة ولايات سودانية، بسبب ارتفاع مناسيب المياه في نهر النيل والسدود السودانية إلى مستويات "غير مسبوقة"، وهو وضع يرى خبراء تحدثوا للجزيرة نت، أنه مرشح للتكرار هذا العام، ما لم يحدث تنسيق سريع بين الجانبين السوداني والإثيوبي.
وألمحت تقارير صحفية إلى وجود مشاكل في توربينات سد النهضة تجعله غير قادر على الاستفادة من المياه المخزنة في بحيرة السد، الأمر الذي يجعل من كميات المياه الضخمة الإضافية التي ستدخل إلى السد مع بداية موسم الأمطار الصيفي الذي يبدأ في يونيو/حزيران المقبل، عبئا كبيرا، قد يدفع إثيوبيا لتصريف كميات كبيرة من المياه المخزنة، لاستيعاب الكميات الجديدة.
ويرفض الباحث بمعهد التغيير البيئي بجامعة أكسفورد البريطانية كيفن ويلر، حصر المشكلة في المشاكل التشغيلية في سد النهضة، مشيرا إلى أنه لم ير أي دليل على وجود مشاكل مادية تمنع تشغيل توربينات سد النهضة الإثيوبي.
وقال كيفن، وهو الباحث الأول في دراسة نشرت بدورية "نيتشر كومينيكيشنز" (Nature Communications)، تناولت أهمية فهم وإدارة المخاطر الجديدة على نهر النيل في ظل سد النهضة الإثيوبي الكبير: "بعيدا عن إن كانت التوربينات تعمل أم لا، فإن إثيوبيا تستطيع خفض منسوب المياه في الخزان بفتح المفيض لتجنب تصريف كميات كبيرة من المياه بشكل مفاجئ خلال ذروة موسم الفيضانات، فهذا قرار تشغيلي وليس مشكلة مادية".
وأضاف أن "تجنب الفيضانات في السودان، يتطلب من إثيوبيا خفض منسوب المياه في الخزان بشكل استباقي وكاف قبل موسم الفيضان لاستيعاب جميع المياه المتدفقة، فالتنسيق بين مشغلي سد النهضة الإثيوبي الكبير وسد الروصيرص السوداني -أقرب السدود السودانية لسد النهضة- أمر بالغ الأهمية نظرا لقرب السدين واختلاف حجم الخزانات، حيث يحتاج السودان إلى معرفة مسبقة بموعد وكمية المياه المتوقعة من سد النهضة الإثيوبي الكبير".
وقال كيفن إنه "من الصعب جدا على السودان التخفيف من المخاطر دون تنسيق مع إثيوبيا، فرغم أن السودان طور طريقة لرصد موعد وصول خزان سد النهضة إلى أقصى مستوياته، كما طور طريقة لتقدير تدفقات المياه إلى أعلى السد، إلا أن هذا لا يغني عن التبادل المباشر للبيانات ومشاركة عمليات تشغيل السد اليومية والمتوقعة، ما يمكن السودان من تكييف أموره وفق عمليات تشغيل سد النهضة".
ويتفق الباحث بمركز أبحاث المياه بكلية الهندسة جامعة الخرطوم بالسودان، والذي يعمل حاليا ضمن مجموعة الهيدرولوجيا والإدارة الكمية للمياه بقسم العلوم البيئية بجامعة فاغينينغين للبحوث بهولندا الدكتور عوض محمد علي، مع ما ذهب إليه كيفن، قائلا إن "التنسيق بين الجانبين الإثيوبي والسوداني هو على الأقل ما هو مطلوب لتفادي خطر الفيضانات"، مشددا على أنه "يجب إرساء هذا التنسيق في أسرع وقت ممكن، لا سيما مع الزيادة المتوقعة في وتيرة الفيضانات في منطقة النيل".
وأوضح عوض، وهو الباحث الأول في دراسة نشرتها دورية "هايدرولوجي آند إيرث سيستم ساينسز" (Hydrology and Earth System Sciences)، حاولت استنتاج إستراتيجيات ملء الخزانات في ظل ظروف توافر البيانات المحدودة بالتطبيق على حالة سد النهضة الإثيوبي، أن "السودان بحاجة ماسة إلى أنظمة إنذار مبكر دقيقة تتنبأ بتدفق المياه إليها خلال أسابيع، إن لم يكن أشهر قادمة، ولن يتسنى ذلك أبدا، دون الاعتماد على معلومات دقيقة يقدمها الجانب الإثيوبي حول كيفية تشغيل سد النهضة الإثيوبي الكبير".
وعزا أهمية أنظمة الإنذار إلى أن سعة تخزين البنية التحتية في السدود السودانية صغيرة نسبيا، مقارنة بتدفق نهر النيل خلال مواسم الفيضانات، مشيرا إلى أن "التشغيل السليم لسد الروصيرص قد يُخفف من مخاطر الفيضانات، لكنه لا ينهي الخطر الذي سيظل قائما".
وخلال العام الماضي، ذهب الخبير المائي السوداني والمحاضر السابق في الأكاديمية العليا للدراسات الإستراتيجية والأمنية في السودان د. سيف الدين يوسف في تصريحات صحفية، إلى أن "سد الروصيرص المصمم لاستقبال 370 مليون متر مكعب من المياه يوميا، استقبل 750 مليون متر مكعب، واضطرت إدارة السد السوداني لتصريف هذه الكمية الزائدة يوميا لتجنب انهياره، وهذا ما تسبب في الفيضانات".
ومع تأكيد عوض على أن قرار التصريف ساهم إلى حد ما في تفادي كارثة أكبر، إلا أنه من ناحية أخرى، أثر في الاستعداد الأمثل لموسم الري لمشروع الجزيرة وغيره من المشاريع الزراعية.
ومن جانبها، سعت إثيوبيا العام الماضي إلى نفي مسؤوليتها عن كارثة الفيضانات في السودان، وقال مدير مشروع سد النهضة، كيفلي هورو في تصريحات صحفية لوكالة أسوشيتد برس 30 سبتمبر/أيلول من العام الماضي قائلا إن "تغيرات المناخ أنتجت كميات كبيرة من المياه، وعلى عكس ما يتردد، فإنه لولا وجود سد النهضة لكانت الكميات التي وصلت إلى السودان تفوق تلك التي تسببت في الفيضانات بثلاثة أضعاف".
وردا على هذه التصريحات، قالت البيانات الرسمية السودانية إن التغيرات المناخية تزامنت مع اكتمال التخزين وامتلاء بحيرة سد النهضة، فبدأ تصريف المياه من البحيرة بكميات كبيرة وصلت إلى 750 مليون متر مكعب في اليوم.
ولأن هذه التغيرات المناخية أصبحت واقعا، تجاوز عوض سؤاله عن وجود مشاكل تشغيلية في السد تمنعه من استهلاك المياه في إنتاج الكهرباء، قائلا "لستُ على دراية كاملة بما يحدث على أرض الواقع، وهو ما يعيقه غياب الشفافية من الجانب الإثيوبي، لكن أعتقد أن ما هو أهم من مشكلة التوربينات، هو ضمان أن يكون هيكل السد مصمم بطريقة تراعي الظروف المناخية القاسية التي نشهدها اليوم".
وتساءل: "هل استند التصميم الهيكلي للسد، الذي أُنشئ منذ فترة، إلى تقديرات المياه في ظل هذه الظروف المناخية؟". وأضاف: "إذا لم يكن الجواب كذلك، فقد نشهد لاحقا عواقب الكثير من المشاكل التشغيلية".
وكان من تبعات تلك الظروف المناخية التي أشار إليها عوض، أن أمطارا غزيرة هطلت العام الماضي في نهاية سبتمبر/أيلول، وهو عادة ما يكون موعد نهاية الموسم المطير، إلا أن هذا السيناريو للتحولات المناخية القاسية، كان يجب أن يكون ضمن حسابات الجانب الإثيوبي.
وحذرت دراسات عديدة مما أشار إليه عوض، ومنها دراسة نشرها فريق من جامعة أريزونا في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 في دورية "ساينتفيك ريبورتس" (Scientific Reports) توقعت أن تصبح الأمطار أكثر عنفا وتكرارا خلال العقود المقبلة، مع تنبؤات بارتفاع معدلات هطول الأمطار بنسبة تتراوح بين 25% و39%، وزيادة شدة الفيضانات القصوى بنسبة تتراوح بين 2% و20%.
ويجمع الخبيران، على أنه إذا كانت مصر والسودان يشتركان في حاجتهما إلى التنسيق مع الجانب الإثيوبي خلال فترات الجفاف الممتدة لإدارة تدفقات المياه بما لا يؤثر في حصصهما، إلا أنه خلال فترات الأمطار الغزيرة، قد تكون حاجة مصر للتنسيق لتفادي خطر الفيضانات أقل.
ويقول كيفن إن "سعة التخزين الكبيرة للسد العالي في أسوان وقدرة تصريف مفيض توشكى، تمنحان مصر حلول لاستيعاب كميات المياه الإضافية، ويكون لديها الوقت الكافي بعد قراءة المشهد في السودان لخفض منسوب بحيرة ناصر استباقيا لاستيعاب الفيضانات الموسمية القادمة".
ويؤكد عوض على ما قاله كيفن مضيفا أنه " نظرا لطول نهر النيل، سيقل خطر الفيضانات عند وصوله إلى مصر بشكلٍ طبيعي، وذلك بفضل تضاريس السودان المنبسطة، فضلا عن التدابير الوقائية التي اتخذتها الحكومة السودانية، علاوة على ذلك، ستحظى مصر بوقتٍ أطول للاستعداد في حال حدوث فيضان، بما في ذلك التصريف التدريجي للمياه من السد العالي لزيادة القدرة على مواجهة الفيضانات".
لكن ورغم أن خطر الفيضانات سيكون أقل، فإن تصريف المياه لاستيعاب الفيضانات يمثل، في تقدير عوض، خطرا غير مباشر يتمثل في عدم الاستخدام الأمثل لمياه النيل.
ويشدد في الختام على أن "غياب التنسيق بين إثيوبيا ودول المصب سيؤثر بشكلٍ كبير في سُبل العيش في السودان أولًا، ثم في الدول المجاورة، وهو ما يؤدي إلى المزيد من الوفيات والخسائر في الممتلكات وانعدام الأمن الغذائي وفقدان الطاقة".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة