تعهد مدير وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، جاريد إسحاقمان، بفتح جبهة علمية جديدة لاستعادة مكانة "بلوتو" المفقودة، مؤكدا انحيازه التام للمطالبات الشعبية والعلمية التي تنادي بعودته كوكبا تاسعا للمجموعة الشمسية.
وجاء هذا الإعلان في سياق لافت، حيث لم تكن تعلم الطفلة كايلا، ابنة العشر سنوات، أن كلماتها العفوية المكتوبة بخط يدها ستصل إلى أروقة "ناسا" وتعيد فتح ملف أثار حيرة العلماء لسنوات.
فببراءة وشغف، وجهت كايلا قبل أسبوعين نداء عاطفيا عبر منصة "إكس"، حظي بتفاعل عالمي واسع، طالبت فيه بإعادة الاعتبار لـ"بلوتو" ومنحه لقبه الضائع.
لم تكتفِ كايلا بالتمني، بل صاغت مرافعة "علمية" بأسلوبها الخاص، مستندة إلى ثلاثة أسباب:
هذا الإصرار لفت انتباه جاريد إسحاقمان، الذي لم يتجاهل الرسالة بل رد عليها قائلا: "كايلا، نحن ندرس هذا الأمر". وهو تصريح تجسد فعليا في شهادته الأخيرة أمام لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ الأمريكي في 28 أبريل/نيسان 2026.
خلال مراجعة ميزانية ناسا للسنة المالية 2027، فاجأ إسحاقمان الحضور برد حاسم على سؤال السناتور الجمهوري جيري موران حول وضع الكوكب المكتشف من قبل الأمريكي "كلايد تومبو"، حيث قال: "سيادة السناتور، أنا وبشدة من معسكر (اجعلوا بلوتو كوكبا مرة أخرى)".
ولم يتوقف الأمر عند التصريح العاطفي، بل كشف عن خطة عمل تقنية بقوله: "نحن نعمل حاليا على بعض الأوراق البحثية حول موقف نود تصعيده عبر المجتمع العلمي لإعادة فتح هذا النقاش، ولضمان حصول كلايد تومبو على التقدير الذي ناله سابقا ويستحق أن يناله مجددا".
يعود أصل الحكاية إلى عام 1930، حين حقق "تومبو" اكتشافه التاريخي باستخدام مرصد "لويل". والمفارقة أن اسم "بلوتو" نفسه جاء باقتراح من طفلة بريطانية آنذاك، مما يجعل ارتباط الأطفال بهذا الكوكب تقليدا تاريخيا.
لكن "الخريف العلمي" لبلوتو بدأ في عام 2006، حين وضع الاتحاد الفلكي الدولي (IAU) ثلاثة معايير لتعريف الكوكب: أن يدور حول الشمس، وأن يكون كرويا، وأن يُخلي مداره من الحطام.
وبحسب الاتحاد، فشل بلوتو في المعيار الثالث لمشاركته مداره مع قمره "شارون" أحد أجرام "حزام كايبر"، وهو ما يراه المدافعون عن بلوتو معيارا "غير منصف"، كون الأرض والمشتري يشاركان مداريهما مع الكويكبات أيضا.
إسحاقمان: "أنا في معسكر بلوتو"
حدث المنعطف الأبرز في يوليو/تموز 2015، حين أرسلت مركبة "نيو هورايزونز" صورا كشفت عن عالم مذهل يضم جبالا جليدية شاهقة وتضاريس على شكل "قلب" أطلق عليه العلماء اسم "منطقة تومبو". هذه الصور أثبتت أن بلوتو ليس مجرد صخرة هامشية، بل عالم جيولوجي حي ونابض.
يبقى الجدل مستمرا بين صرامة الفيزياء الفلكية وبين "نوستالجيا" الشعوب التي ترى في بلوتو جزءا لا يتجزأ من عائلتنا الكونية.
إن تحرك مدير ناسا اليوم، مدفوعا برسائل أطفال مثل "كايلا" وإرث علماء مثل "تومبو"، يثبت أن العلم ليس مجرد معادلات جامدة، بل هو رحلة إنسانية تبدأ دائما بسؤال بسيط وشغف لا يعرف المستحيل؛ فبلوتو، سواء كان "كوكبا" أو "كوكبا قزما" في الدفاتر الرسمية، سيبقى كوكبا مكتملا في خيال البشرية التي تتوق دائما لاحتضان الأبعد والأصغر في هذا الكون الفسيح.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة