في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
"علماء يستخلصون الحمض النووي لليوناردو دا فينشي من رسم عمره 500 عام"، كان هذا العنوان الذي اختارته العديد من المواقع الإلكترونية في تغطيتها لدراسة علمية حاول خلالها فريق بحثي أميركي العثور على آثار لحمض نووي بشري في عمل فني، يعتقد أنه منسوب للرسام الشهير، كافيًا لإثارة حالة من الجدل العلمي حول إمكانية استخراج حمض نووي بشري من عمل فني قديم.
توجهت الجزيرة نت بالسؤال إلى الدكتور يحيى زكريا جاد، أستاذ الوراثة الجزيئية بالمركز القومي للبحوث بمصر، والمشرف العلمي على معمل الحمض النووي القديم بالمتحف القومي للحضارة، فطلب مهلة قصيرة لقراءة الدراسة التي أجراها فريق بحثي بقيادة الدكتور هاريندر سينغ، الأستاذ المتخصص في الطب الجينومي بمعهد "جيه كريغ فينتر" في بروكفيل، والتي لا تزال في طور النشر والمراجعة، ليعود إلينا بالقول: "ليست اختراقاً علمياً، وليست إثارة إعلامية"، ثم تابع: "ربما تكون التغطية الإعلامية للدراسة هي التي صنعت الإثارة، أما الباحثون أنفسهم فكانت مفرداتهم بالغة الدقة والتحديد، ولم يزعموا العثور على الحمض النووي لدا فينشي".
ومع حرصه على تبرئتهم من الإثارة العلمية، كان أيضًا حريصاً على أن يضع الأمور في حجمها الطبيعي، مضيفاً بنبرة حازمة: "نحن لسنا أمام اختراق، لكن يمكن القول إن هذه الدراسة وضعت منهجًا علميًا يمكن اتباعه عند محاولة الحصول على معلومات وراثية من الأعمال الفنية القديمة".
ولشرح ما فعله الباحثون، يعود بنا زكريا إلى "أصل الحكاية"، وهي محاولات استخراج الحمض النووي القديم التي تتم عادة بالاعتماد على عظام مثل عظمة الصخرة التي تقع في قاعدة الجمجمة حول الأذن الداخلية، أو الأسنان أو الأنسجة الرخوة مثل الشعر.
ولأن ذلك غير متاح في حالة دا فينشي لعدة أسباب، منها أن رفاته الموجودة في كنيسة "سانت هوبرت" في مدينة أمبواز بفرنسا غير مؤكد أنها تخصه، ومختلطة مع آخرين، ودراستها محاطة بقيود قانونية وأخلاقية صارمة، فضلًا عن غياب أي عينة مرجعية يمكن مقارنتها بها حتى يمكن للسلطات أن تسمح بإجراء مثل هذه الدراسة، ولذلك لجأ العلماء إلى الأعمال الفنية لعلهم يعثرون على أي آثار عالقة على ورق عمره أكثر من 500 عام، يكون مصدرها العرق أو خلايا جلدية.
وأعلن الباحثون نجاحهم في استخراج آثار ضئيلة من الحمض النووي البشري من رسم بالطباشير الحمراء يُعرف باسم "الطفل المقدس"، والمنسوب مع وجود جدل إلى دا فينشي، وأظهرت التحليلات أن هذه الآثار تتضمن تسلسلات من "الكروموسوم واي (Y)".
و"الكروموسوم واي"، جزء من الحمض النووي يورث حصرياً من الأب إلى الابن ويبقى شبه ثابت عبر أجيال طويلة، ما يجعله أداة مثالية لتتبع السلالات الذكورية التاريخية، وبما أن دا فينشي لم يتزوج ولم ينجب، لجأ العلماء إلى مقارنة تسلسلات "الكروموسوم واي" المستخرجة من رسم "الطفل المقدس" بتلك التي عُثر عليها في رسالة كتبها أحد أقاربه الذكور في القرن الـ 15.
وأظهرت النتائج أن العينتين تنتميان إلى السلالة الجينية "إي 1 بي 1 بي" (E1b1b)، المرتبطة بجذور في إقليم توسكانا، مسقط رأس دا فينشي.
ويقول زكريا: "هذا التطابق لا يعد دليلاً قاطعًا على أن الحمض النووي يعود لليوناردو نفسه، والباحثون أنفسهم لم يدّعوا ذلك، وذلك لـ 5 أسباب مهمة؛ أولها أن التطابق وجد في الكروموسوم واي فقط، وهذا الكروموسوم يورث من الأب إلى الابن دون تغيير، ويكون مشتركًا بين جميع الذكور في العائلة الواحدة، ولذلك فإن التطابق يثبت الانتماء العائلي الذكري، لكنه لا يثبت هوية شخص بعينه".
أما ثاني الأسباب، فهو أن "السلالة التي عُثر عليها (إي 1 بي 1 بي) ليست نادرة ومنتشرة تاريخيًا في توسكانا، أي أن عددًا كبيرًا من الرجال غير المرتبطين مباشرة بدا فينشي قد يحملون السلالة نفسها، وبالتالي، التطابق قد يكون إقليميًا لا شخصيًا".
ويتعلق السبب الثالث بالعمل الفني نفسه الذي هو محل جدل، ويقول: "رسم (الطفل المقدس) غير متفق علميًا على أن ليوناردو رسمه بنفسه، ويرجح البعض أنه يخص أحد تلاميذه، وبالتالي قد يكون الحمض النووي لتلميذ من تلاميذه".
وتابع: "وإذا افترضنا أن العمل الفني يعود لدا فينشي بلا أدنى شك، فإن السبب الرابع يتعلق باحتمال التلوث القائم، فالعمل الفني لُمس على مدى 500 عام من المرممين ومن الأشخاص الذين اقتنوه، وقد يكون الحمض النووي المستخرج يخص أحداً منهم، وليس دا فينشي".
وأضاف: "أما السبب الخامس والأخير، فيتعلق بحجم العينة المحدود جدًا، وهو عبارة عن شظايا صغيرة جدًا من الحمض النووي تم الحصول عليها من خلال مسحة على اللوحة، وهذا يقلل من الدقة والقوة الإحصائية ويزيد مساحة الشك، لاسيما أنه لا توجد عينة مرجعية قاطعة يمكن المقارنة معها مثل رفات مؤكدة أو نسل مباشر".
ما ذكره زكريا من تحديات، يعود ليؤكد أن الباحثين أنفسهم اعترفوا بها، ولم يدّعوا الحصول على الحمض النووي لدا فينشي، وقال: "قوة هذا العمل في أنه وضع الأساس لمنهج علمي يمكن اتباعه لاستخراج معلومات وراثية من الأعمال الفنية القديمة، أما فيما يتعلق بالحمض النووي لدا فينشي، فهذا العمل خطوة أولى جريئة ومبتكرة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات النسب بشكل قاطع، وتتطلب استكمالاً بأدلة جينية أوسع وأكثر تنوعًا".
وكان العلماء أصحاب الدراسة قد أعربوا عن تطلعهم إلى أن تساعد ورقتهم البحثية في إقناع المسؤولين وأمناء الأرشيف بالمتاحف التي توجد بها أعمال لدا فينشي، بالسماح لهم بمسح مزيد من الأعمال التي لا يوجد شك في انتمائها للفنان، وذلك للتغلب على أحد أهم التحديات، وهي أن العمل الفني الذي أخذت منه المسحة محل جدل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة