على الرغم من محدودية الأصوات الصومالية التي تنادي بتقسيم البلاد، في إطار فردي يفتقد للدعم والاعتراف الدولي، فإن الاعتراف الأحادي بـ"صوماليلاند" من تل أبيب، ضرب الفكرة في مقتل أمام الرأي العام المحلي في الصومال، والعالم العربي على أقل تقدير.
ويشير وزير الخارجية الصومالي الأسبق، عبدي سعيد موسى، في حديث لـ"العربية.نت" إلى أن لُبّ الإشكال يكمن في أخطاء مرتبطة بتشخيص الحالة السياسية في بلاده، التي تعاني في الأساس من نقص المصداقية، ما أنتج مشهداً هشاً في بلاده.
وبينما تتمتع الصومال بسيادة رسمية، إلا أن السلطة السياسية موزعة بشكل غير متكافئ، وكذلك تطبيقها حسب رؤية الوزير عبدي وقال "إن القانون يحدد السلطة"، لكنها في الواقع مُشتتة، ويتكرر التفاوض عليها، وتُراجع باستمرار خلال الأزمات الوطنية، إلا أنها وفي ظل هذه الظروف، سرعان ما تتحول السياسة إلى صراع من أجل البقاء، وتُصبح المؤسسات أدوات لعقد الصفقات، ويبدأ الفاعلون الخارجيون في تقييم الأزمات الصومالية على أنها مؤقتة ومنخفضة.
ويضيف الوزير الصومالي أن المصداقية في الحكم ليست مجرد شعار، بل القدرة على اتخاذ قرارات ملزمة، ويمضي في شرحه، بأن: "المصداقية برأيي تقوم على ثلاثة أسس (أولاً من يسيطر على الإيرادات. ثانياً من يقود القوة. ثالثاً شكل القواعد التي تسمو فوق السلطة السياسية القائمة). عندما تبقى هذه الأسس غير مستقرة، يتصرف الجميع ضمن توازن مختل. تتنافس النخب لضمان الوصول إلى السلطة قبل أي تحول سياسي قادم. هذا مكمن الخلل".
وألمح عبدي إلى أن الأزمة الصومالية البعيدة عن الأضواء الإعلامية الإقليمية والعالمية، تعاني من تعقيدات، سببها صنّاع السياسة، وقال "عندما تعجز السلطات الصومالية عن تسوية النزاعات داخلياً، ينتقل عدم الاستقرار إلى مناطق أخرى، مُتجلّياً في مخاطر بحرية، وأعباء مكافحة الإرهاب، وعدم استقرار الاستثمارات، وأزمات دبلوماسية متكررة تُلهي المنطقة عن أولويات أكثر أهمية".
وطبقاً لرؤية الوزير عبدي، فإن النقاش حول الإصلاح في بلاده، بحاجة إلى تقليل الشعارات وتعزيز الهياكل المؤسسية الملزمة، مع ضرورة أن تصبح المالية الحكومية المشتركة واضحة ومقروءة، فتحديد مخصصات الإيرادات بوضوح، والتحويلات الشفافة، والصيغ المعلنة، يقلل من السلطة التقديرية ويكافئ الأداء الإداري.
ويعلق عبدي بعضاً من المعضلات المحلية التي تعاني منها بلاده، على ما يسميه "عدم وجود معايير عالية"، مقرون بفصول قضائية موثوقاً بها. ويعتقد عبدي أنه من الضروري أن يبدأ الأسلوب المُدار بالأسس الراسخة؛ كنظام رواتب موحد، ومشتريات تخضع للتدقيق، وترقيات مرتبطة بالجدارة، وتسلسل قيادي واضح، ورقابة تحد من السلطة؛ مطالباً في الوقت نفسه، بضرورة أن تسمو السلطة الدستورية فوق شاغلي المناصب، حتى لا تُعاد صياغة القواعد الأساسية وفقاً لمتطلبات اللحظة.
ويخرج الوزير عبدي عن النطاق المحلي إلى الإقليمي، شارحاً فكرته بأن بلاده "تحتاج إلى شفافية استراتيجية بشأن ترتيباتها الإقليمية. إذا استمر النموذج الفيدرالي الحالي في إثارة نزاعات دائمة، فإن إطاراً كونفدرالياً محدداً، يستحق نقاشاً جاداً".
ويضيف الوزير أن المواقف السعودية تجاه الصومال، التي تدعم وحدتها واستقرارها، ورفضها فكرة الانفصال، تؤكد أن هنالك ندرة في وجود مدينة جامعة للأنداد كالعاصمة الرياض التي لم تكن يوماً منحازةً لطرفٍ على حساب آخر، وهو ما يمنحها مصداقيةً لعقد اجتماعات معنية بالتسويات بين المتضادين.
ويفسر اعتبار المملكة بأن أمن البحر الأحمر مسؤولية مشتركة بين الدول المطلة عليه، بأنها الطريقة الأفضل لإدارته، ما يكفل قواعد تنسيق، تعزز من ارتباط تلك الدول ببعضها البعض.
وشدد عبدي على ضرورة إعادة توجيه ذلك الدعم لتعزيز السيادة، وقال "عندما تُرسّخ عادات المساءلة التي يشعر بها الناس، وتعتمد رقابة تُقيّد السلطة، ورواتب شفافة وموحدة، ومشتريات تخضع للتدقيق، وتحويلات مالية تتبع القواعد لا التقدير الشخصي"، ويضيف: "الدعم الذي يُوسّع نطاق التقدير أو يحمي شاغلي المناصب، يُرسّخ توازناً قائماً على استغلال النفوذ، مما يُقوّض الاستقرار، لذا من الضروري أن يعمل المانحين والشركاء المساعدة على إعادة ضبط الحوافز، بحيث تُعزز دعم المؤسسات، لا الأشخاص".
في سياق متصل، يرفض عبدي مفهوم ضبط النفس في غير موضعه، وربطه بالضعف، مستنداً إلى أن التاريخ يشير إلى عكس ذلك، فالدول الراسخة تُقيّد السلطة قبل توسيعها، وتُقيّد السلطة السياسية بقواعد تتجاوز القادة والدورات السياسية، وعلى هذا الأساس بحسب رأيه، يتحوّل ضبط النفس إلى موثوقية تقلل التنافس الوجودي ويجعل عملية انتقال السلطة أكثر أماناً، لذلك بالنسبة للصومال، لا يُعدّ ضبط النفس تردداً، بل هو استراتيجية.
كما أبدى الوزير عبدي أمله أن تتحول السلطة في الصومال إلى كيانٍ يُعتمد عليه من قبل المواطنين، تُبنى على قواعد ثابتة، وإيرادات تتدفق دون مفاوضات مستمرة، وقوات أمنية، تُدار بالقيادة والرقابة، ومؤسسات تدوم أطول من الأفراد، بإمكانها تحقيق الاستقرار داخلياً، وكسب نفوذ في المنطقة بأسرها.
يشار إلى أن أبرز أشكال التعقيدات التي تحفّ الصومال تاريخياً، ترتبط بأنها استعمرت بعد تقسيمها لجزأين، الأول شمالي ووضعت بريطانيا العظمى يدها عليه منذ عام 1884، حتى عام 1960، وكان استقلاله في يونيو (حزيران). أما القسم الآخر الجنوبي، فقد استعمرته إيطاليا من عام 1889 واستمر حتى 1941. ثم عاد النفوذ الإيطالي على شكل وصاية أممية، من عام 1950، حتى ذات يوليو (تموز) من عام 1960، وهي ذات السنة التي استقل فيها الجانب الشمالي.
والمتابع للملف الصومالي، بالضرورة أن يعي الخطر الذي تشكله بعض من الجماعات الإرهابية، التي وجدت في هذه الدولة مرتعاً خصباً منذ سنوات طويلة، وعلى رأسها "حركة الشباب المجاهدين – المرتبطة بتنظيم القاعدة"؛ وتسعى لإسقاط الحكومة لتطبيق "الشريعة الإسلامية"، وفق منظورها وقانونها المتشدد، وتعد حتى الآن، أحد أبرز التهديدات الأمنية والأيديولوجية للبلاد.
ويؤدي الموقع الذي يحظى به الصومال بامتلاكه ساحلاً يصل طوله إلى ما يقارب (3300 كيلو متر)، دوراً كبيراً في عدم استقرار البلاد، من ناحية تنامي الأطماع الخارجية، التي ترى أن إطلالتها على المحيط الهندي، وخليج عدن، ومضيق باب المندب – أحد أهم الممرات المائية العالمية – والذي يشهد مرور قوافل التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا، مطمعاً اقتصادياً، وعسكرياً، واستراتيجياً.
المصدر:
العربيّة