بواسطة بلقور محمد
مصدر الصورة
الكاتب: بلقور محمد

رضا مالك.. «الخوف يجب أن يغيّر معسكره» ودبلوماسي واجه الأزمات بالكفاءة والوطنية

الجزائر الآن – استعاد منتدى «مشعل الشهيد»، اليوم، بمناسبة اليوم الوطني للدبلوماسية، مسيرة الدبلوماسي والإعلامي الجزائري الراحل رضا مالك، من خلال شهادات عدد من رفاقه ومن عايشوه في محطات مختلفة من مساره.

بداية من مفاوضات إيفيان، مروراً بعمله سفيراً في عدد من العواصم، وصولاً إلى رئاسة الحكومة ومواجهة واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها الجزائر.

اللقاء، الذي حضره نجلي الفقيد كل من أحمد ومحمد الشريف مالك وممثل مجلس الأمة السيناتور لهبيري مصطفى وكريم يونس و الرئيس المدير العام لقناة الحياة تي في هابت حناشي وعدد من الشخصيات، لم يكن مجرد استذكار لمسار مسؤول سابق.

بل شكل مناسبة للعودة إلى مواقف وشهادات شخصية تكشف جوانب مختلفة من رجل جمع بين الدبلوماسية والسياسة والثقافة والإعلام.

وظل، بحسب رفاقه، متمسكاً بفكرة الدولة الجزائرية وبما كان يعتبره ثوابت وطنية.

مصدر الصورة وقبل فسح المجال أمام المتدخلين، وقف الحاضرون دقيقة ترحم على روح رضا مالك، وكذلك على روح مدير ديوان رئاسة الجمهورية بوعلام بوعلام، الذي وافته المنية خلال هذا الأسبوع، قبل عرض شريط وثائقي استعرض أبرز محطات حياة الراحل.

● «مشعل الشهيد» يستحضر أحد رموز الدبلوماسية الجزائرية

أكد رئيس جمعية «مشعل الشهيد» محمد عباد أن اللقاء يمثل وقفة عرفان ووفاء لرضا مالك، باعتباره واحداً من رموز الدبلوماسية الجزائرية، والناطق الرسمي باسم الوفد الجزائري خلال مفاوضات إيفيان.

ورحب عباد بحضور أحمد مالك، نجل الراحل، كما توقف عند مشاركة عدد من رفاق الفقيد الذين عايشوا معه مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر.

مؤكداً أن الشهادات المقدمة خلال اللقاء تسمح باستعادة جوانب من شخصيته ومسيرته لا يمكن اختزالها في المناصب التي تقلدها.

مصدر الصورة

● محمد حناش : رضا مالك كان حاضراً في السياسة والثقافة والدبلوماسية

وفي ذات المناسبة فقد استعاد السفير والأمين العام الأسبق لوزارة الشؤون الخارجية محمد حناش علاقته المهنية برضا مالك.

مؤكداً أن الراحل كان حاضراً في السياسة والثقافة والدبلوماسية، وأن مساره لا يمكن اختزاله في منصب أو مرحلة واحدة.

وتوقف السفير الجزائري عند عمل رضا مالك سفيراً للجزائر في بلغراد وباريس وموسكو وواشنطن، وهي عواصم ارتبطت بملفات دولية حساسة خلال مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر.

كما تحدث عن الدور الذي لعبه الراحل في قضية الرهائن الأمريكيين في إيران، معتبراً أن نجاح الجزائر في معالجة هذا الملف كان من أبرز إنجازاتها الدبلوماسية خلال القرن العشرين.

وأكد حناش أنه لمس بنفسه، عندما عمل لاحقاً سفيراً للجزائر في واشنطن، حجم التقدير الذي كان يحظى به رضا مالك لدى عدد من الأمريكيين، سواء في الأوساط السياسية أو المؤسساتية أو لدى المجتمع المدني.

مصدر الصورة

● «الخوف يجب أن يغيّر معسكره».. رضا مالك في مواجهة الإرهاب

وفي الجانب السياسي، قدم الديبلوماسي حناش رضا مالك باعتباره وطنياً حمل مشروعاً للجزائر وتمسك بما اعتبره مبادئ الدولة الجزائرية.

وتوقف مطولاً عند فترة توليه رئاسة الحكومة، مؤكداً أنها جاءت في ظرف أمني وسياسي واقتصادي بالغ الصعوبة.

مع توسع العمليات الإرهابية وتراجع المجال السياسي، في وقت كانت البلاد تواجه أزمة اقتصادية خانقة.

وقال إن حكومة رضا مالك كانت أول حكومة تضع برنامج عمل للإنقاذ الوطني والتصدي للإرهاب، معتبراً أن هذه المرحلة شكلت جزءاً من معركة الحفاظ على الدولة الجزائرية ومنع البلاد من الانهيار.

وفي هذا السياق، استعاد العبارة التي ارتبطت باسم رضا مالك: «الخوف يجب أن يغيّر معسكره»، معتبراً أنها كانت تعبيراً عن موقف رجل أراد إخراج الجزائريين من حالة الخوف التي فرضها الإرهاب.

مصدر الصورة

● الجزائر كانت على حافة الإفلاس

ولم يفصل حناش بين الأزمة الأمنية والوضع الاقتصادي، موضحاً أن الجزائر خلال سنتي 1993 و1994 كانت تواجه وضعاً اقتصادياً صعباً وقريبة من حافة الإفلاس، في ظل الديون والضغوط التي كانت تواجه الاقتصاد الوطني.

وقال إن حكومة رضا مالك وجدت نفسها أمام مفاوضات صعبة مع المؤسسات المالية الدولية، وفي الوقت نفسه كانت مطالبة بكسر العزلة التي كانت تعيشها الجزائر وتحسين علاقاتها مع الخارج.

وأشار إلى أن تحسن الوضع الأمني كان، بالنسبة للحكومة، شرطاً لاستعادة النشاط الاقتصادي وفتح الطريق أمام مفاوضات إعادة جدولة الديون، مؤكداً أن الوصول إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي لم يكن مهمة سهلة.

● حناش: رضا مالك لم يكن «استئصالياً» ضد الجزائريين

ورد محمد حناش أيضاً على الجدل الذي رافق وصف سياسة رضا مالك خلال تلك المرحلة بـ «الاستئصال»، موضحاً أن الراحل لم يكن يقصد استئصال الجزائريين أو فئة من المجتمع، وإنما مواجهة الشر والأذى الذي كان يهدد البلاد.

وأكد أن من يحمل الجزائر في قلبه لا يمكن أن يكون استئصالياً ضد بلده، مستشهداً بالمواقف التي كان يدافع عنها حزب التجمع الوطني الجمهوري من الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان.

وعلى المستوى الشخصي، وصف حناش رضا مالك بأنه كان مضيافاً وقريباً من الناس، ويتمتع بحضور قوي وسرعة بديهة وقدرة على الرد، وهي صفات قال إن بعض المسؤولين كانوا يهابونها.

● عبد الوهاب كرمان: عرفت رضا مالك منذ 1965

من جهته، استعاد الدبلوماسي عبد الوهاب كرمان علاقته بالراحل، موضحاً أنه تعرف على رضا مالك لأول مرة سنة 1965 عندما كان طالباً في باريس، قبل أن تتطور العلاقة بينهما وتتحول لاحقاً إلى عمل مباشر في المجلس الاستشاري الوطني.

وقال كرمان إنه كان عضواً في المجلس الاستشاري الوطني عندما كان رضا مالك رئيساً له، موضحاً أن تلك الفترة كانت من أصعب مراحل البلاد، حيث تعرض أربعة من أعضاء المجلس للاغتيال من أصل ستين عضواً.

واستعاد في هذا السياق العبارة الشهيرة «الخوف يجب أن يغيّر معسكره»، مؤكداً أنها ارتبطت باسم رضا مالك خلال تلك المرحلة وأصبحت لاحقاً حاضرة في خطابات ومواقف كثيرة.

● كرمان يستحضر اغتيال بوضياف

ومن أكثر الذكريات التي توقف عندها كرمان لحظة اغتيال الرئيس محمد بوضياف في جوان 1992.

وقال إنه كان داخل قاعة المجلس الاستشاري الوطني عندما وصل خبر الاغتيال، موضحاً أن رضا مالك تلقى البرقية ثم غادر القاعة إلى مكتبه.

وأضاف أنه توجه بعد دقائق إلى مكتب الراحل، فوجده واقفاً، قبل أن يقول له: «هذا البلد ليس لديه حظ، لقد قتلوا الرئيس».

وأوضح كرمان أن شقيقه عبد المجيد كان ضمن الوفد المرافق للرئيس بوضياف، وأنه تلقى لاحقاً خبر إصابته.

● مفاوضات صندوق النقد.. رضا مالك كان يتابع كل التفاصيل

وتحدث كرمان عن المرحلة التي تولى فيها رضا مالك رئاسة الحكومة، مؤكداً أن ملف المفاوضات مع صندوق النقد الدولي كان يحظى بمتابعة مباشرة من الراحل.

وأوضح أن فريقاً من ثلاثة مسؤولين تولى المفاوضات، بينما كان رضا مالك يتابع تفاصيل الملف ويعقد اجتماعات متكررة مع أعضاء الفريق، بحضور عدد من المسؤولين.

وقال إن رضا مالك لم يكن اقتصادياً، لكنه كان يريد فهم كل شيء، ويسأل عن المصطلحات والبنود ويعود إليها في الاجتماعات اللاحقة، دون أن يتدخل في عمل الفريق أو يفرض عليه قراراته.

وأضاف أن هذه الطريقة سمحت للفريق بالعمل بحرية، مع الحفاظ على متابعة سياسية دقيقة من رئيس الحكومة.

● واشنطن.. تقارير يومية إلى رضا مالك

واستعاد كرمان فترة سفره إلى واشنطن لاستكمال المفاوضات، موضحاً أنه اختار فندقاً يتوفر على جهاز «تيليكس»، حتى يتمكن في نهاية كل يوم من إرسال تقرير إلى رضا مالك حول تفاصيل المفاوضات.

وأكد أن هذا الأمر يعكس مدى المتابعة التي كان الراحل يوليها للملف، قبل أن تنتهي المفاوضات بالتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي تم توقيعه في الجزائر.

● عنتر داود: رضا مالك كان مثقفاً إلى جانب كونه دبلوماسياً

أما السفير الجزائري عنتر داود، فاختار أن يستعيد جوانب شخصية من حياة رضا مالك، إلى جانب محطات من مساره الدبلوماسي.

وقال إن إحدى أكثر الذكريات التي بقيت في ذهنه كانت محادثة جمعته بالراحل لأكثر من ست ساعات، اكتشف خلالها ثقافته الواسعة واهتمامه بالأدب الفرنسي.

وتحدث عن شغف رضا مالك بالشعر والأدب، وعن كتاب «أنطولوجيا الشعر الفرنسي» لجورج بومبيدو، وعن ألفريد دو فيني وجان دو لافونتين، مؤكداً أن الراحل كان يستحضر الأدب ليس باعتباره معرفة فقط، وإنما لفهم الإنسان والحياة.

● من كامو وسارتر إلى ديغول

استحضر عنتر داود أيضاً جهود رضا مالك في التعريف بالقضية الجزائرية لدى المثقفين الفرنسيين، مشيراً إلى لقاءاته مع ألبير كامو وجان بول سارتر.

وقال إن رضا مالك وجد لدى سارتر وزوجته سيمون دو بوفوار انفتاحاً أكبر على مطلب استقلال الجزائر، بينما شكل موقف كامو خيبة بالنسبة إليه.

كما كشف أن رضا مالك التقى الجنرال شارل ديغول ثلاث مرات، وكان أهمها اللقاء الذي أبلغه خلاله بقرار الجزائر استرجاع سيادتها.

ونقل عن الراحل أن ديغول قال له بعد سماع الموقف الجزائري: «بيننا، سيدي السفير، قل لي إنكم تريدون طردنا».

● أزمة الرهائن.. الجزائر تتحول إلى وسيط موثوق

وتوقف عنتر داود عند محطة أخرى من مسيرة رضا مالك، عندما كان سفيراً للجزائر في واشنطن ووجد نفسه في قلب قضية الرهائن الأمريكيين في إيران.

وقال إن رضا مالك تنقل بين الجزائر وطهران وواشنطن ضمن الجهود الجزائرية لإنهاء الأزمة، موضحاً أن أول اتصال سياسي مهم بشأن الملف.

جرى خلال مراسم تشييع الرئيس اليوغوسلافي تيتو في بلغراد، عندما طلب الرئيس الأمريكي جيمي كارتر من الرئيس الشاذلي بن جديد مساعدة الجزائر.

وأوضح أن الجزائر رفضت أن تتحول إلى مجرد «صندوق بريد» بين الطرفين، واشترطت أن تحظى بثقة الإيرانيين والأمريكيين معاً.

وأشار إلى أن الجهود الجزائرية انتهت بالإفراج عن الرهائن في 21 جانفي 1981، قبل أن يكشف أن البيت الأبيض دعا رضا مالك إلى مراسم تنصيب الرئيس رونالد ريغان، تقديراً للدور الذي لعبته الجزائر في إنهاء الأزمة.

● آخر كلمات رضا مالك: «تعبئة الولاءات تؤدي إلى تهميش الكفاءات»

واستعاد عنتر داود آخر لقاء جمعه بالراحل سنة 2017، قبل 48 ساعة من وفاته، عندما كان رضا مالك في مستشفى عين النعجة.

وقال إن الراحل تحدث معه عن الغابون، ثم انتقل إلى السياسة، ووجه إليه إحدى آخر العبارات التي بقيت في ذاكرته: «في السياسة، لا يجب أبداً أن ننسى شيئاً: تعبئة الولاءات تؤدي دائماً إلى تهميش الكفاءات».

وأضاف أن رضا مالك اقترح عليه أن يتناولا الغداء معاً بعد أيام، لكن ذلك اللقاء لم يحدث، وقال عنتر داود: «ثم لم أره مرة أخرى».

وفي ختام شهادته، اختصر عنتر داود شخصية رضا مالك في أربعة أوصاف : «وطني، نزيه، كفؤ، ومستقيم»، قبل أن يضيف أن الراحل كان «رجلاً نظيفاً، صادقاً ونزيهاً».

● رضا مالك.. شهادة رفاقه قبل شهادة التاريخ

وتتقاطع شهادات رفاق رضا مالك عند نقطة أساسية، وهي أن الرجل لم يكن مجرد مسؤول مرّ على مؤسسات الدولة.

وإنما كان حاضراً في مراحل مفصلية من تاريخ الجزائر، من معركة الاستقلال ومفاوضات إيفيان إلى بناء الدبلوماسية الجزائرية بعد الاستقلال، ثم مواجهة الإرهاب والأزمة الاقتصادية وأزمة الرهائن الأمريكيين.

وبينما استعاد محمد حناش جانبه السياسي وموقفه في مواجهة الإرهاب، وقدم عبد الوهاب كرمان تفاصيل عن طريقة إدارته للملفات الاقتصادية والسياسية.

اختار عنتر داود أن يضيء على الرجل المثقف، القارئ، الدبلوماسي الذي عرف كيف يتحدث مع رجال الدولة والسياسة والفكر، قبل أن يجمع المتدخلون على أن رضا مالك ترك وراءه سيرة رجل دولة ارتبط اسمه بالوطنية والكفاءة والنزاهة.

وفي يوم وطني مخصص للدبلوماسية الجزائرية، بدت شهادات رفاقه بمثابة عودة إلى مرحلة كان فيها الدبلوماسي الجزائري يحمل معه.

في مختلف العواصم، قضية بلاده ومواقفها، ويخوض الملفات الصعبة من موقع الدولة التي تعرف ماذا تريد، وهو ما جعل اسم رضا مالك يبقى حاضراً في ذاكرة الدبلوماسية الجزائرية.