مدينة فرنسية تكرّم الحركى وتستحضر جرح الجزائر!
أقيمت في مدينة بار لو دوك الفرنسية مراسم لإحياء ذكرى الحركى، في مناسبة حملت خطابًا يمجّد ما وصفه منظموها بـ”إرث من الفخر”، في وقت لا تزال فيه قضية الحركى مرتبطة بالعار والخزي وخيانة الوطن، وبواحدة من أكثر صفحات التاريخ الجزائري والفرنسي سوادًا وحساسية وتعقيدًا.
ونقلت صحيفة “L’Est Républicain” تفاصيل المناسبة التي شهدت وضع إكليل من الزهور لما وصفته الصحيفة “تكريمًا” للحركى الذين قاتلوا إلى جانب الجيش الفرنسي خلال حرب التحرير الجزائرية، والذين لم يكونوا في الواقع سوى جواسيس المستعمر وأعينه التي ترى في الظلام.
وفي هذا السياق، تعيد المناسبة إلى الواجهة مسألة الانقسام الذي حاول الاستعمار الفرنسي تكريسه داخل المجتمع الجزائري خلال حرب التحرير، حين جنّد جزائريين في تشكيلات مساعدة للجيش الفرنسي لمواجهة الثورة التي قادتها جبهة التحرير الوطني. وتذكر الصحيفة أن سنة 1954 شهدت انقسام المواقف داخل الجزائر، بين من التحقوا بصفوف الثورة من أجل الاستقلال، ومن اختاروا أن يخونوا الوطن ويرتموا في أحضان المستعمر الغاشم والعمل إلى جانب القوات الفرنسية.
وبالنسبة إلى الذاكرة الجزائرية، لا يمكن فصل قضية الحركى عن السياق الاستعماري الذي امتد لأكثر من 130 عامًا، وعن حرب تحرير قدّم خلالها الجزائريون تضحيات كبيرة وجسامًا من أجل استعادة السيادة الوطنية. ولذلك، فإن تحويل الحركى إلى رموز بطولية دون وضع قصتهم في سياقها التاريخي الكامل يثير جدلًا بشأن طريقة قراءة الماضي الاستعماري.
كما تكشف مراسم بار لو دوك أن ملف الحركى لا يزال حاضرًا بقوة في الذاكرة الفرنسية. فقد شارك في المناسبة المدعو عبد القادر كناني، رئيس جمعية الحركى والمساعدين والعائدين في إقليم الميز، ووضع إكليلًا تخليدًا لمن تصفهم فرنسا بأنهم ماتوا من أجلها.
وفي المقابل، تؤكد الذاكرة الوطنية الجزائرية أن استقلال البلاد لم يكن منحة من فرنسا، بل ثمرة ثورة شعبية وحرب تحرير طويلة انتهت باسترجاع السيادة الوطنية سنة 1962. ومن هذا المنظور، يبقى موقف الحركى جزءًا من تاريخ الحرب، لكنه لا يمكن أن يطمس حقيقة أن المعركة الأساسية كانت معركة شعب من أجل إنهاء الاستعمار وبناء دولة مستقلة.
ومن اللافت أن السلطات الفرنسية تواصل تنظيم مراسم خاصة بالحركى في مدن مختلفة، في إطار سياسة رسمية للحفاظ على ذاكرتهم وتعويض بعض الأضرار التي لحقت بهم بعد نهاية الحرب. وقد أكدت جهات رسمية فرنسية أن ملفات التعويض الخاصة بالحركى وعائلاتهم تتابع عبر المكتب الوطني للمقاتلين وضحايا الحرب.
وهكذا، فإن إحياء هذه الذكرى في فرنسا يفتح من جديد نقاشًا تاريخيًا لم يُغلق بعد، بين ذاكرة فرنسية تركز على مصير الحركى، وذاكرة جزائرية تضع في مقدمة المشهد تضحيات ملايين الجزائريين في سبيل التحرر من الاستعمار.
@ آلاء عمري