●من لجنة القدس إلى سفارات إسرائيل.. اتفاق التطبيع المغربي يهدد فلسطين ويفتح أبواب الاختراق الأمني الإسرائيلي للمغرب العربي
الجزائر الآن – يفتح انتقال العلاقات المغربية الإسرائيلية من مكاتب الاتصال إلى مستوى السفارات وتبادل السفراء مرحلة جديدة في مسار بدأ منذ استئناف العلاقات بين الرباط وتل أبيب عاصمة الاحتلال .
ويضع هذا التطور العلاقة أمام أسئلة تتجاوز التمثيل الدبلوماسي إلى الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا وموقع إسرائيل في شمال أفريقيا.
وتأتي الخطوة في سياق إقليمي شديد الحساسية، مع استمرار العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين وتداعياته السياسية في العالم العربي والإسلامي.
ويكتسب الموقف المغربي حساسية إضافية بحكم رئاسة العاهل المغربي لجنة القدس التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي.
ولفهم أبعاد المرحلة الجديدة، تحدثت «الجزائر الآن» إلى ثلاثة مختصين قدم كل منهم قراءة من زاوية مختلفة: القضية الفلسطينية والقدس، التنافس على النفوذ في أفريقيا، ثم الأمن والتكنولوجيا.
●محمود الصالح: السفارات تكشف طبيعة العلاقة
يرى المختص الجيواستراتيجي السوري محمود الصالح أن الانتقال إلى مستوى السفارات لا يمثل بداية العلاقة المغربية الإسرائيلية، وإنما يكشف بصورة أوضح طبيعتها واتجاهها.
ويقول الصالح لـ «الجزائر الآن» إن الانتقال من «شكل التطبيع إلى تبادل السفراء» يمثل «إظهاراً لحقيقة العلاقة»، معتبراً أن مسارها يتجاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية.
ويركز الصالح على الحضور الإسرائيلي في شمال أفريقيا، قائلاً إن إسرائيل تسعى إلى تثبيت «دور وموطئ قدم للكيان الصهيوني في شمال أفريقيا، في التحولات التي تجري في هذه المنطقة والتحولات الأساسية والاستراتيجية».
ويضع رئاسة المغرب للجنة القدس في قلب قراءته، معتبراً أن تطوير العلاقات مع إسرائيل يطرح سؤالاً سياسياً حول موقع الرباط من القضية الفلسطينية.
ويتساءل: «ماذا سيقول للمقدسيين؟ ماذا سيقول لحجارة القدس؟».
ويرى الصالح أن الجمع بين رئاسة لجنة القدس وتطوير العلاقات مع إسرائيل يمثل إشكالية سياسية وأخلاقية.
داعياً القوى الفلسطينية إلى المطالبة بإنهاء رئاسة المغرب للجنة، ومؤكداً: «لا يجوز ومن غير المقبول أخلاقياً ودينياً وإنسانياً أن يسمى رئيس لجنة القدس».
●عزالدين نميري: أفريقيا جزء من الحسابات
يقرأ المحلل السياسي الدكتور عزالدين نميري الخطوة من زاوية التنافس على النفوذ داخل أفريقيا.
ويقول لـ «الجزائر الآن» إن رفع مستوى العلاقات يمكن أن يخدم، وفق تقديره، محاولة «تلميع صورة الكيان الصهيوني» في مرحلة تضررت فيها صورته الدولية بسبب العدوان على غزة، بالتزامن مع اتساع الاعترافات الدولية بدولة فلسطين.
ويرى نميري أن المغرب يساهم من خلال علاقاته مع إسرائيل في تعزيز حضورها داخل أفريقيا، معتبراً أن الرباط تعمل على بناء شراكات متعددة المجالات، وأن هذا المسار قد تكون له انعكاسات على توازنات المغرب العربي.
ويربط نميري كذلك العلاقة بملف الصحراء الغربية، حيث يرى أن الدعم الإسرائيلي للموقف المغربي يمثل أحد العناصر التي ينبغي إدخالها في قراءة تطور العلاقات بين الطرفين.
وبهذه الزاوية، تصبح السفارات جزءاً من شبكة أوسع من العلاقات والتحالفات التي تعمل الرباط على بنائها في محيطها الإقليمي والقاري.
●ساعد لكحل: الشق الأمني هو الأكثر حساسية
أما المختص في الأمن الاستراتيجي والسياسي ساعد لكحل، فيركز على ما يمكن أن يأتي بعد رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي.
ويقول لـ «الجزائر الآن» إن الانتقال من مكاتب الاتصال إلى السفارات «لا يمكن اختزاله في إجراء بروتوكولي»، لأن السفارة تجعل العلاقة «أكثر رسوخاً واستمرارية، وقابلة للتوسع في ملفات سياسية واقتصادية وأمنية وتكنولوجية».
ويشير لكحل إلى أن التعاون المغربي الإسرائيلي قائم أصلاً في عدد من المجالات، وبالتالي فإن السفارات تأتي فوق «بنية تعاون موجودة أصلاً».
ومن وجهة نظره، السؤال الذي يهم الجزائر لا يرتبط فقط بسبب رفع الرباط مستوى التمثيل، وإنما بالمسار الذي يمكن أن تسلكه هذه الشراكة مستقبلاً.
ويحذر من توسع التعاون في مجالات حساسة، بينها التكنولوجيا العسكرية، والأمن السيبراني، وأنظمة المراقبة، وتبادل المعلومات والخبرات الأمنية.
ويرى أن التطور المحتمل لا يرتبط بالضرورة بسباق تسلح مباشر، وإنما بإمكانية تشكل بيئة أمنية جديدة في المغرب العربي، إذا تحول الحضور الإسرائيلي إلى وجود أمني وتكنولوجي دائم ومؤسساتي.
●ما الذي ستبنيه السفارات؟
تكشف القراءات الثلاث عن ثلاثة مستويات مختلفة لفهم المرحلة.
بالنسبة إلى محمود الصالح، القضية ترتبط بالقدس وفلسطين وبالحضور الإسرائيلي في شمال أفريقيا. أما عزالدين نميري فيضعها ضمن التنافس على النفوذ في أفريقيا، مع حضور ملف الصحراء الغربية في الحسابات المغربية.
ويركز ساعد لكحل على الجانب الأمني والتكنولوجي وتأثيره المحتمل في البيئة الاستراتيجية للمغرب العربي.
لكن القاسم المشترك بين هذه القراءات يتعلق بما سيحدث بعد تثبيت التمثيل الدبلوماسي.
فالسفارة في حد ذاتها لا تحدد طبيعة العلاقة. المؤشر الأهم سيكون حجم التعاون الذي سيُبنى حولها: هل يظل في الإطار السياسي والدبلوماسي والاقتصادي، أم يتوسع إلى الأمن والتكنولوجيا والدفاع وتبادل المعلومات؟
كما ستبقى القضية الفلسطينية عاملاً مؤثراً في صورة العلاقة، خصوصاً في ظل استمرار الحرب على غزة والجدل داخل المغرب حول مسار التطبيع.
●اختبار المرحلة الجديدة
رفع مستوى العلاقات بين المغرب وإسرائيل يفتح صفحة جديدة، لكن طبيعة هذه الصفحة ستتحدد بالاتفاقات والمشاريع التي ستظهر خلال المرحلة المقبلة.
وسيكون تطور التعاون الأمني والعسكري والتكنولوجي، إلى جانب حجم العلاقات الاقتصادية والسياسية، من أبرز المؤشرات التي تسمح بقراءة اتجاه العلاقة.
وفي المقابل، يضع هذا المسار المغرب أمام سؤال آخر يتعلق بدوره في القضية الفلسطينية ورئاسته للجنة القدس، وهي مسألة تكتسب أهمية أكبر كلما توسعت العلاقات الرسمية مع إسرائيل.
لهذا، فإن الانتقال من مكاتب الاتصال إلى السفارات لا يمثل فقط تغييراً في مستوى التمثيل الدبلوماسي. إنه خطوة تفتح نقاشاً أوسع حول مستقبل العلاقة المغربية الإسرائيلية، وحجم الدور الذي يمكن أن تلعبه إسرائيل في شمال أفريقيا، وانعكاسات ذلك على التوازنات المغاربية.
والإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من أسماء المؤسسات الدبلوماسية وحدها، وإنما من طبيعة الاتفاقات التي ستُبرم، والقطاعات التي ستتوسع فيها الشراكة، والموقع الذي ستحتله القضية الفلسطينية في السياسة المغربية خلال المرحلة المقبلة.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة