آخر الأخبار

الصناعة العسكرية الجزائرية قاطرة للصناعة الوطنية

شارك

أكد الخبير الاقتصادي، عبد النور قاشي، أن الصناعة العسكرية الجزائرية لم تعد مجرد نشاط مرتبط بتلبية الاحتياجات الدفاعية للجيش الوطني الشعبي، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أبرز التجارب الصناعية الوطنية التي تستحق الدراسة والتعميم، بالنظر إلى ما حققته من تقدم في مجال الإنتاج والإدماج المحلي ونقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات وتنشيط المناولة.

وأوضح قاشي في تصريح خص به “الإخبارية”، أن هذه الصناعة أصبحت، وفق التصريحات الرسمية، نموذجا يقتدى به وقاطرة للصناعة الوطنية، خصوصاً بعدما تمكنت المؤسسات والوحدات الإنتاجية التابعة للجيش من الانتقال تدريجياً من مجرد استعمال التكنولوجيا إلى استيعابها وتوطين جزء متزايد منها، مع توسيع قاعدة الإنتاج لتشمل الصناعات الميكانيكية والإلكترونية والنسيجية والبحرية والجوية، إلى جانب المركبات والتجهيزات وقطع الغيار.

نسبة إدماج تقترب من 50 بالمائة

وكشف الخبير الاقتصادي أن من أبرز الأرقام التي تعكس هذا التطور بلوغ نسبة الإدماج في بعض العربات العسكرية حوالي 50 بالمائة، وهي نسبة تعكس أن نصف القيمة الصناعية تقريباً في بعض المنتجات أصبح مرتبطاً بمكونات وإمكانات إنتاجية محلية، في وقت أصبح فيه الهدف المعلن هو رفع هذه النسبة إلى حدود 50 أو 60 بالمائة في مختلف المجالات التي تسمح بذلك.

وشدد قاشي على أن أهمية هذا الرقم لا تكمن فقط في زيادة عدد القطع المصنعة محلياً، وإنما في بناء منظومة كاملة من المؤسسات والمناولين والمهندسين والتقنيين ومراكز الصيانة والتجديد، بما يسمح ببقاء جزء أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

ترشيد فاتورة الاستيراد عبر قطع الغيار

وأضاف المتحدث أن الصناعة العسكرية لم تتجه فقط نحو تصنيع المنتجات النهائية، وإنما عملت على استكمال الحلقات الناقصة في سلسلة الإنتاج، خاصة في مجال قطع الغيار والمكونات الميكانيكية، وهو قطاع له أهمية كبيرة في ترشيد فاتورة الاستيراد، لأن الاقتصاد لا يخسر العملة الصعبة عند استيراد المركبة أو الآلة فقط، وإنما يستمر في إنفاق العملة الصعبة طوال فترة استعمالها من خلال قطع الغيار والصيانة والتجديد.

وأكد قاشي أن تصنيع قطعة غيار واحدة محلياً قد تكون له قيمة اقتصادية أكبر مما يبدو في الظاهر، لأنه لا يوفر قيمة القطعة فقط، بل يوفر أيضاً تكاليف النقل والتأمين والوساطة والعملة الصعبة، ويخلق في المقابل نشاطاً لمؤسسة جزائرية ويمنحها خبرة يمكن تطويرها مستقبلاً.

فلسفة التجديد والإصلاح بدل الاستهلاك

وأشار الخبير إلى أن فلسفة الصناعة العسكرية تقوم على التجديد والإصلاح والتصنيع المحلي، فبدلاً من التعامل مع المعدات على أساس أنها منتجات تنتهي صلاحيتها بمجرد تعرضها للأعطال أو التقادم، يتم تطوير قدرات محلية لإعادة تأهيلها وتجديدها وإطالة عمرها التشغيلي، وهو ما يمثل في حد ذاته شكلاً من أشكال الاقتصاد في الإنفاق.

وبين قاشي أن جوهر التجربة لا يكمن في عدد المنتجات المصنعة، وإنما في منهجية العمل، موضحاً أنه كلما ارتفعت نسبة الإدماج انخفضت الحاجة إلى استيراد المكونات، وكلما توسعت شبكة المناولة المحلية انتقلت القيمة المضافة من الخارج إلى الداخل، وكلما تطورت الكفاءات الوطنية تراجعت الحاجة إلى استيراد الخبرة التقنية.

من اقتصاد مستهلك إلى اقتصاد منتج

وأوضح المتحدث أن الترشيد الحقيقي لفاتورة الاستيراد لا يعني إغلاق باب الاستيراد، ولا منع المؤسسات من الحصول على التكنولوجيا والمواد التي لا تنتج محلياً، وإنما يعني أن يتحول الاستيراد تدريجياً من استيراد المنتجات الجاهزة إلى استيراد التكنولوجيا والتجهيزات والمدخلات التي تساعد الجزائر على بناء قدراتها الإنتاجية، وهذا هو الفرق بين اقتصاد مستهلك يستورد الآلة والقطعة والمنتج النهائي، واقتصاد منتج يستورد التكنولوجيا والمعدات الضرورية ثم يعمل على إنتاج أكبر قدر ممكن من المكونات محلياً.

المناولة الصناعية وربط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

وأكد قاشي أن حضور المؤسسات العسكرية في معارض المناولة الصناعية يعكس توجهاً نحو بناء علاقات أوسع مع المؤسسات الجزائرية، خصوصاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، لافتا إلى أن المصنع الكبير لا يمكن أن يصبح قاطرة حقيقية إذا بقي معزولاً عن محيطه الاقتصادي.

وأضاف أن أفضل سيناريو للاقتصاد الوطني هو أن يتحول جزء من احتياجات المؤسسات الصناعية الكبرى إلى طلبات توجه إلى شركات جزائرية متخصصة، وهنا تتحول المؤسسة الكبرى إلى سوق للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتتحول المناولة إلى وسيلة لنقل التكنولوجيا والخبرة، ويصبح الاستثمار الصناعي أكثر انتشاراً في مختلف الولايات.

رفع الإدماج بطريقة اقتصادية ومستدامة

وشدد الخبير على أن كل زيادة بعشر نقاط مئوية في نسبة الإدماج، في حال كانت قابلة للتحقق اقتصادياً وتقنياً، تعني إحلال جزء إضافي من المكونات المستوردة بمنتجات وطنية، والاحتفاظ بجزء أكبر من القيمة داخل الاقتصاد الجزائري، مشدداً في المقابل على أن الرهان لا ينبغي أن يكون على رفع النسبة حسابياً فقط، بل بطريقة اقتصادية ومستدامة، بحيث يكون الهدف إنتاج منتج بجودة مقبولة وتكلفة تنافسية قادر على منافسة المستورد.

أهمية التكنولوجيا والاستثمار في العنصر البشري

وأوضح قاشي أن الصناعة التي لا تطور التكنولوجيا الخاصة بها ستبقى في حاجة مستمرة إلى الخارج حتى وإن ارتفعت نسبة الإدماج، في حين أن الصناعة التي تستثمر في البحث والتطوير والتكوين ونقل التكنولوجيا تستطيع الانتقال تدريجياً من مرحلة تقليد أو تصنيع المكونات إلى مرحلة تطوير منتجات وحلول جزائرية.

وأضاف أن الاستثمار في العنصر البشري يمثل أحد أهم جوانب هذه التجربة، موضحاً أن وراء كل منتج صناعي يوجد مهندس وتقني وعامل ومراقب جودة وخبير صيانة ومصمم ومختص في اللوجستيك، وكلما ارتفعت خبرة هؤلاء ارتفعت قدرة المؤسسة على حل مشاكلها داخلياً وتقلص اعتمادها على الخبرة المستوردة.

مدرسة للسياسة الصناعية الوطنية

وختم عبد النور قاشي تصريحه بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي أمام الجزائر هو تحويل تجربة الإدماج العسكري إلى ثقافة صناعية عامة، بحيث يصبح كل مصنع جزائري كبير مرتبطاً بشبكة من المناولين المحليين، وكل مؤسسة صغيرة قادرة على تصنيع جزء من منتج صناعي أكبر، معتبراً أن الصناعة العسكرية يمكن أن تكون أكثر من مجرد قطاع منتج، بل مدرسة للسياسة الصناعية الجزائرية، وقاطرة لتطوير المناولة، وأداة لترشيد فاتورة الاستيراد، ونموذجاً لبناء اقتصاد يقوم على الإنتاج والقيمة المضافة بدلاً من الاستهلاك والاستيراد.

الإخبارية المصدر: الإخبارية
شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران مصر السعودية

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا