من 360 إلى 120 يوماً.. الجزائر تسرّع دورة العملة الصعبة: كيف ولماذا؟
قرار بنك الجزائر لا يختصر آجال إعادة عائدات الصادرات فقط، بل يستهدف تقصير المسافة بين التصدير والتحصيل وإعادة توظيف العملة الصعبة في دورة إنتاج جديدة
.
الجزائر الآن – قد يبدو تقليص بنك الجزائر مهلة إعادة عائدات الصادرات خارج المحروقات من 360 يوماً إلى 120 يوماً مجرد تعديل في قواعد الصرف.
لكن القرار يحمل دلالة اقتصادية أوسع: الجزائر تحاول تقصير الزمن الذي تفصل فيه بين بيع المنتج في الخارج وعودة قيمته المالية إلى الاقتصاد المحلي.
وهذا الزمن مهم أكثر مما يبدو.
فالدولار الذي تحصله شركة جزائرية من صفقة تصدير لا تنتهي وظيفته عند دخوله حسابها.
يمكن أن يتحول إلى مواد أولية، أو معدات، أو تمويل لإنتاج جديد، أو توسع في مصنع قائم.
وكلما عادت الأموال إلى النظام المصرفي في وقت أقصر، زادت إمكانية استخدامها في دورة اقتصادية جديدة.
وهنا تكمن أهمية الانتقال من 360 إلى 120 يوماً.
الدكتور هواري تيغرسي، الخبير الاقتصادي والمحاضر بكلية الاقتصاد بجامعة الجزائر، يرى في تصريح لـ« الجزائر الآن» أن المسألة تتعلق بـ «تسريع دورة العملة الصعبة داخل الاقتصاد الوطني» ، موضحاً أن كل دولار يعود إلى الجزائر يمكن أن يؤدي أكثر من وظيفة، من تمويل مدخلات الإنتاج والتجهيزات إلى تمويل عمليات تصدير جديدة.
لكن سرعة الأموال لا تكفي وحدها.
فالسيولة لا تتحول إلى نمو إلا عندما تجد قدرة إنتاجية تستوعبها.
ولذلك فإن القيمة الحقيقية للقرار ستظهر في المرحلة التي تلي عودة العائدات: هل ستذهب الأموال إلى الاستثمار ورفع الطاقة الإنتاجية، أم ستبقى مجرد أرصدة مصرفية؟
تيغرسي يضع هذا الشرط بوضوح.
فزيادة سرعة تداول الأموال لا تعني تلقائياً زيادة الناتج المحلي؛ الأثر الحقيقي يبدأ عندما تتحول السيولة إلى آلات وتكنولوجيا ومواد أولية وإنتاج جديد.
وهذا يجعل القرار جزءاً من معادلة أكبر من مجرد الرقابة على الصادرات.
بنك الجزائر يتحرك في الاتجاهين
في جويلية الماضي، ألزم بنك الجزائر البنوك بتوطين عمليات تصدير السلع والخدمات خلال أجل أقصاه 48 ساعة من استلام ملف كامل، مع إعطاء الأولوية لملفات المصدرين.
اللافت هنا أن السلطات تشدد في نهاية دورة التصدير، عند إعادة الأموال، بينما تحاول تسريع بدايتها، عند معالجة الملفات المصرفية.
هذه ليست مفارقة بالضرورة.
فالسياسة الجديدة تبدو أقرب إلى محاولة جعل الدورة التجارية كلها أسرع وأكثر قابلية للمتابعة: إجراءات أسرع قبل التصدير، وتحصل أسرع بعده.
ويرى تيغرسي أن هذا يفرض تغييراً في دور البنوك نفسها.
فالبنك، وفق قراءته، يحتاج إلى الانتقال من التعامل مع المصدر باعتباره ملفاً إدارياً إلى اعتباره عميلاً يحتاج إلى تمويل ما قبل التصدير، وضمانات، وتأمين ضد مخاطر عدم الدفع، وتمويل للتوسع في الأسواق الخارجية.
وهذه ربما تكون النقطة الأكثر أهمية بالنسبة إلى الشركات الجزائرية.
القرار قد يضغط على المصدر.. لكنه قد يدفعه إلى الاحتراف
تقليص الأجل قد يسبب ضغطاً على الشركات التي تعتمد على زبائن أجانب يدفعون بعد فترات طويلة.
لكن النظام الجديد أبقى على البيع بالائتمان، وسمح بتمديد أجل التسوية إلى 180 يوماً في حالات محددة مع تأمين ائتمان التصدير.
هذا يعني أن الدولة لا تلغي الائتمان التجاري، وإنما تدفع المصدر إلى إدارة مخاطره بصورة أكثر احترافية.
المصدر الذي يمنح عميلاً أجلاً طويلاً يحتاج إلى معرفة قدرته على الدفع، وتأمين الصفقة، وحساب تكلفة التمويل.
ومع نمو الصادرات الجزائرية، ستصبح هذه الأدوات جزءاً من البنية الأساسية للتجارة الخارجية، مثلها مثل الموانئ والنقل واللوجستيك.
المقياس الحقيقي ليس 120 يوماً
سيكون من السهل قياس نجاح القرار بعدد الشركات التي أعادت أموالها في الموعد المحدد.
لكن ذلك سيكون مؤشراً إدارياً أكثر منه اقتصادياً.
السؤال الأهم هو: ماذا فعلت الشركات بالأموال بعد عودتها؟
هل اشترت معدات جديدة؟
هل رفعت إنتاجها؟
هل وظفت عمالاً؟
هل فتحت سوقاً جديدة؟
وهل أدت عائدات صفقة أولى إلى تمويل صفقة ثانية؟
يقترح تيغرسي معياراً أكثر دلالة: عدد «الدورات الإنتاجية الجديدة» التي مولتها عائدات التصدير.
وهذا يحول النقاش من حجم العملة الصعبة التي تعود إلى الجزائر إلى قدرتها على توليد عملة صعبة جديدة.
من التصدير إلى دورة متكررة
إذا نجحت المنظومة، يمكن أن تصبح العملية أكثر شبهاً بدائرة مغلقة:
إنتاج → تصدير → تحصيل → إعادة توطين → استثمار → إنتاج جديد → تصدير.
عند هذه النقطة يصبح تشديد قواعد إعادة العائدات جزءاً من سياسة أوسع لبناء اقتصاد تصديري قادر على تمويل نموه تدريجياً.
لكن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب أكثر من قواعد الصرف.
المنتج الجزائري يحتاج إلى سعر منافس، وجودة مستقرة، وشهادات مطابقة، وتمويل، وتأمين، وتسويق، وشبكات توزيع ولوجستيك قادرة على العمل في الأسواق الخارجية.
ولهذا فإن القرار لن يصنع وحده طفرة في الصادرات خارج المحروقات.
قيمته الحقيقية ستكون في قدرته على جعل الدولار الناتج عن التصدير أسرع حركة وأكثر إنتاجية داخل الاقتصاد الجزائري.
فإذا تحولت عائدات الصادرات إلى تمويل لإنتاج جديد، ثم إلى صادرات جديدة، فإن الانتقال من 360 إلى 120 يوماً سيكون أكثر من تشديد في قواعد الصرف.
سيكون محاولة لبناء دورة مالية وإنتاجية يستطيع فيها التصدير أن يمول التصدير التالي.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة