كشفت صحيفة واشنطن بوست أن هجمات غامضة على قوارب صيد إكوادورية قرب جزر غالاباغوس التابعة للإكوادور، خلال العام الجاري، نُفذت في إطار برنامج سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ( سي آي إيه)، في تطور يضيف بعدا خفيا إلى حملة إدارة الرئيس دونالد ترمب المعلنة ضد مهربي المخدرات في البحر.
وبحسب الصحيفة، أفاد شخص مطلع على القضية بأن الهجمات كانت جزءا من "برنامج عمل سري"، وهو نوع من العمليات الخارجية التي يوافق عليها الرئيس الأمريكي من دون الاعتراف علنا بدور الحكومة الأمريكية فيها.
ولم تتضح جميع تفاصيل مشاركة الوكالة، فيما رفضت السي آي إيه التعليق، كما امتنع عدد من أعضاء لجان الاستخبارات في الكونغرس عن الإدلاء بمواقف.
وتشمل الوقائع اختفاء قارب صيد يُسمى "فيوريلا" في يناير/كانون الثاني وعلى متنه 8 إكوادوريين، إضافة إلى هجومين وقعا في مارس/آذار على قاربي "نيغرا فرانسيسكا دوارتي الثاني" و"دون ماكا"، نجا منهما أفراد الطاقمين.
وتقول الصحيفة إن خيطا مهمًا في التحقيق يتمثل في طائرة رجال أعمال متطورة من طراز "سيسنا سايتيشن لونغيتيود"، مزودة بتكنولوجيا متخصصة للمراقبة. فقد أظهرت بيانات تتبع الرحلات والسفن أن الطائرة، التي حملت الرمز "فينيكس 701″، كانت تغادر السلفادور باتجاه مواقع قوارب الصيد في أيام الهجمات والأيام السابقة لها. كما وصلت الطائرة إلى السلفادور قادمة من ولاية تينيسي الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني، وكان على متنها طاقم من 6 أفراد.
وأثارت الطائرة مزيدا من علامات الاستفهام؛ إذ كانت تحمل رقم تسجيل أمريكيا، لكنّ إدارة الطيران الفدرالية لم تجد طائرة مسجلة بهذا الرقم في سجلاتها المتاحة. كما أظهرت الصور أنها مزودة بمعدات مراقبة، بينها غطاء سفلي يحمي أجهزة رادار. والأكثر إثارة أن الطائرة كانت تعمل من مطار إيلوبانغو الدولي في السلفادور، وهو مطار ارتبط تاريخيا بعمليات أمريكية سرية في المنطقة، إذ استُخدم في ثمانينيات القرن الماضي مركزا لدعم عمليات الكونترا في نيكاراغوا.
وتربط بيانات الرحلات بين الطائرة واختفاء "فيوريلا" في 20 يناير/كانون الثاني. فقد اتجهت "فينيكس 701" نحو موقع القارب في 17 و18 و20 من نفس الشهر، وفي الرحلة الأخيرة قطعت نحو 1207 كيلومترات قبل أن تختفي من أنظمة التتبع العامة، ثم عادت للظهور قبل وصولها إلى إيلوبانغو. وبعد نحو ساعتين ونصف، بث القارب "فيوريلا" آخر إشارة معروفة لموقعه. وقال أحد الناجين إن أفراد الطاقم كانوا قد لاحظوا طائرات مسيرة وطائرة تحلق فوقهم في الأيام التي سبقت الاختفاء.
أما الهجوم على "دون ماكا" في مارس/آذار، فكان أكثر وضوحا بالنسبة للناجين. فقد شاهد أفراد الطاقم طائرات مسيرة قبل تعرض القارب لانفجارين أديا إلى تحطم نوافذه وتعطيل محركه. وقال أحد الصيادين إن طائرة مسيرة أسقطت جسما أسود صغيرا قبل الانفجار الأول، ثم وقع انفجار ثان من طائرة مسيرة أخرى. وبعد توقف القارب، وصلت سفينة زرقاء على متنها مسلحون قاموا بتقييد الصيادين وتغطية وجوههم، قبل أن تنقلهم لاحقا سفينة تابعة للبحرية السلفادورية إلى البلاد.
وتختلف هذه الهجمات، بحسب واشنطن بوست، بصورة واضحة عن الحملة العسكرية التي ينفذها البنتاغون ضد قوارب يُشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات. فقد استهدفت تلك الحملة، التي بدأت في الخريف الماضي، زوارق سريعة وغواصات شبه غاطسة، ونُفذت علنا باستخدام طائرات مسيرة وطائرات مأهولة وقنابل وصواريخ موجهة. أما العمليات قرب غالاباغوس فتبدو أكثر غموضا، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها، فيما قالت وزارة الحرب الأمريكية إنها لا تعرف شيئا عنها.
ويأتي الكشف عنها في وقت منح فيه ترمب السي آي إيه صلاحيات جديدة لمواجهة شبكات تهريب المخدرات والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود، بما في ذلك استخدام القوة القاتلة، وفقا لما أوردته الصحيفة.
كما وسعت الوكالة عملياتها ومواردها في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي. لكنّ عدم ظهور أدلة علنية على تورط الصيادين المستهدفين في تهريب المخدرات يزيد الغموض المحيط بالهجمات، إذ أكد الناجون أنهم كانوا يمارسون الصيد فقط.
وتقول واشنطن بوست إن الهجمات أثارت قلق منظمات حقوق الإنسان، ودفعت مدعيا في الإكوادور إلى فتح تحقيق، فيما طالب نواب ديمقراطيون في واشنطن بإجابات.
ورغم أن المنطقة أصبحت ممرا مهما لتهريب المخدرات، تقول واشنطن بوست إن استخدام عملية سرية تستهدف قوارب صيد مدنية، إذا تأكدت تفاصيلها، يثير أسئلة قانونية وسياسية خطيرة حول طبيعة العمليات الأمريكية في المياه الإقليمية والدولية، وحدود سلطة الأجهزة الاستخباراتية، ومدى شفافية إدارة ترمب بشأن حملتها ضد المخدرات في أمريكا اللاتينية.
كما أن اختيار مطار إيلوبانغو مركزا للطائرة يضيف بعدا تاريخيا إلى القضية. فالمطار الذي ارتبط بعمليات سرية أمريكية في نيكاراغوا خلال الحرب الباردة عاد ليظهر في سياق عملية غامضة تستخدم طائرة مراقبة متطورة وتتحرك بالتزامن مع هجمات بحرية لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها.
وبالنسبة إلى مسؤولين أمريكيين سابقين نقلت عنهم الصحيفة، فإن طبيعة العملية ومكان إدارتها يثيران سؤالا أساسيا: إذا كانت واشنطن تنفذ حملة معلنة ضد تهريب المخدرات، فلماذا تحتاج إلى عملية سرية منفصلة، وما الغرض من إبقائها بعيدا عن أعين الجمهور والكونغرس؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة