في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
برلين تفرش السجادة الحمراء للرئيس تبون: الجزائر تتقدّم إلى قلب المعادلة الطاقوية الأوروبية
الجزائرالٱن _ في لحظة تاريخية بالغة الحساسية تشهد فيها القارة الأوروبية إعادة تشكيل راديكالية لخارطتها الطاقوية وسلاسل إمدادها الصناعية.
يشرع الرئيس عبد المجيد تبون في زيارة رسمية بالغة الأهمية إلى العاصمة الألمانية برلين.
برلين تفرش السجادة الحمراء للرئيس تبون: الجزائر تتقدّم إلى قلب المعادلة الطاقوية الأوروبية
هذه المحطة الدبلوماسية الرفيعة لا يمكن تصنيفها في خانة الزيارات البروتوكولية العابرة، بل هي قمة استراتيجية بامتياز تؤسس لتحالف اقتصادي وسياسي جديد يربط بين كبرى قلاع الصناعة في القارة العجوز وأكبر قوة جغرافية وطاقوية في شمال إفريقيا.
وتأتي هذه الخطوة لتكرس توجهاً جزائرياً صريحاً نحو تنويع الشركاء الدوليين وصياغة علاقات ندية مبنية على المصالح المشتركة والبراغماتية، مستغلةً في ذلك حاجة برلين الملحة لتأمين بدائل طاقة مستدامة وموثوقة بعيداً عن تقلبات السياسة الدولية ومخلفات الأزمات العالمية الأخيرة.
زيارة دولة من الدرجة الأولى
صنّفت الرئاسة الألمانية هذه المحطة ضمن “زيارات الدولة من الدرجة الأولى”، وهي أعلى مراتب الاستقبال التي لا تحظى بها سوى فئة قليلة من القادة كل عام، وتشمل مراسم عسكرية كاملة في “فيلا بورسيك” ببرلين، تعقبها محادثات موسعة بين الرئيس تبون ونظيره الألماني فرانك-فالتر شتاينماير.
والدعوة نفسها لم تكن وليدة اللحظة، بل نضجت عبر سلسلة اتصالات هاتفية جدّد خلالها شتاينماير دعوته مرتين على الأقل خلال العام المنصرم، قبل أن يُحسم موعدها النهائي مطلع الصيف الجاري.
لفتة إنسانية حملت رسائل سياسية بين الجزائر وألمانيا
لا يمكن فهم الزخم الذي يسبق هذه الزيارة بمعزل عن محطة مفصلية أسهمت، قبل أشهر قليلة، في إضفاء زخم جديد على العلاقات الجزائرية-الألمانية، وكشفت عن مستوى الثقة والاحترام المتبادل بين قيادتي البلدين.
برلين تفرش السجادة الحمراء للرئيس تبون: الجزائر تتقدّم إلى قلب المعادلة الطاقوية الأوروبية
فقد قرر الرئيس عبد المجيد تبون، في منتصف نوفمبر الماضي، منح عفو رئاسي للكاتب الفرانكفوني بوعلام صنصال، الذي كان يقضي عقوبة سجنية على خلفية تصريحات اعتُبرت مساساً بالوحدة الوطنية، مع السماح بنقله إلى ألمانيا لتلقي العلاج على نفقة الدولة الألمانية.
واكتسب القرار أهمية خاصة لكونه جاء استجابة لطلب شخصي تقدم به الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، في خطوة عكست متانة قنوات التواصل بين الرئيسين وحرصهما على إضفاء بعد إنساني على علاقات البلدين.
وبينما وصفت الرئاسة الألمانية الاستجابة الجزائرية بأنها “لفتة إنسانية” تراعي الوضع الصحي المتدهور لصنصال وتقدمه في السن، أكدت الرئاسة الجزائرية أن قرار العفو اتُّخذ في إطار الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية وبعد استشارة قانونية.
شراكة تجارية تتسارع وإن ظلت دون سقفها الممكن
على الصعيد الاقتصادي، تكشف الأرقام الأحدث عن ديناميكية تصاعدية لافتة في التبادل التجاري بين البلدين، وإن كانت لا تزال بعيدة عن استنفاد الإمكانات الكامنة في هذه الشراكة.
فقد بلغت الصادرات الألمانية نحو الجزائر نحو 2.1 مليار أورو خلال العام الماضي، ما يجعل ألمانيا سادس أكبر مورّد للسوق الجزائرية، مدفوعة بشكل خاص بقفزة في مبيعات الآلات والمعدات بنسبة تجاوزت العشرين في المائة، فيما تراجعت صادرات المركبات وقطع الغيار بفعل التنظيمات الجديدة التي تحكم استيراد السيارات في الجزائر.
وفي المقابل، سجّلت الصادرات الجزائرية نحو ألمانيا ارتفاعاً بنسبة أحد عشر في المائة لتصل إلى 1.4 مليار أورو، قبل أن تتسارع وتيرة نموها إلى عشرين في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، وتتشكل هذه الصادرات في معظمها من المحروقات الخام ومشتقاتها.
أما على المستوى الأوسع الذي يشمل الاتحاد الأوروبي برمّته، فيقدّر سفير المفوضية الأوروبية بالجزائر حجم التبادل التجاري الإجمالي بنحو اثني عشر إلى ثلاثة عشر مليار أورو سنوياً منذ عام 2024، في وقت يتوسع فيه حضور أكثر من مئتي شركة ألمانية فوق التراب الجزائري، في قطاعات تمتد من البناء إلى الصناعات الكيميائية.
الطاقة في قلب المعادلة: من الغاز التقليدي إلى رهان الهيدروجين الأخضر
يبقى الملف الطاقوي جوهر هذه الشراكة الثنائية، حاضراً ومستقبلاً على حد سواء.
فقد ارتقت الجزائر إلى المرتبة الثانية بين أكبر موردي الغاز عبر الأنابيب للاتحاد الأوروبي خلال العام الماضي، في خضم سعي أوروبي متسارع لتنويع مصادر الطاقة بعد توقف واردات الغاز الروسي إثر الحرب في أوكرانيا، بينما يبلغ إنتاج الجزائر من الغاز الطبيعي نحو 106 مليارات متر مكعب سنوياً بحسب بيانات مجمع سوناطراك.
وقد شهد شهر فيفري من العام الماضي توقيع اتفاق يحمل رمزية خاصة، إذ أصبحت شركة “في.إن.جي” الألمانية أول شركة ألمانية تشتري الغاز الطبيعي الجزائري مباشرة عبر خط الأنابيب، في عقد أُبرم مع مجمع سوناطراك.
تزامناً مع استثمارات أوروبية موازية تدعم هذا التموضع، من بينها استثمارات ناهزت ثمانية مليارات أورو ضختها شركة “إيني” الإيطالية في قطاع المحروقات الجزائري.
رهان الهيدروجين الأخضر والممر الجنوبي
لكن ما يمنح هذه الشراكة بعدها الاستراتيجي الأعمق هو ملف الهيدروجين الأخضر، الذي بات يتصدر أولويات التعاون بين الجانبين.
فخلال زيارة سابقة إلى الجزائر، وقّع وزير الاقتصاد الألماني السابق روبرت هابيك إعلان نوايا لتوريد شحنات هيدروجين جزائرية إلى ألمانيا مستقبلاً، بحضور ممثلين عن المفوضية الأوروبية وإيطاليا والنمسا وتونس، في إطار ما بات يُعرف بمشروع “الممر الجنوبي للهيدروجين”، الذي يستهدف تحويل وتوسيع خط أنابيب الغاز القائم لنقل الهيدروجين المتجدد من الجزائر عبر تونس وإيطاليا والنمسا وصولاً إلى جنوب ألمانيا.
وتطمح الجزائر، وفق هذه الخطة، إلى تغطية عُشر احتياجات الاتحاد الأوروبي من الهيدروجين الأخضر بحلول عام 2040، وهو طموح ترافقه خطوات ملموسة على الأرض، من افتتاح جامعة البليدة للتكنولوجيا ماستراً متخصصاً في طاقة الهيدروجين، إلى الارتفاع الملحوظ الذي سجّلته زيارات الوفود الاقتصادية الألمانية نهاية العام الماضي، بحسب ما تفيد به الغرفة الجزائرية الألمانية للصناعة والتجارة.
غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع أن سوق الهيدروجين الأخضر الأوروبية لم تتبلور بعد تجارياً بشكل كامل، فيما لا يزال الجانب الجزائري ينتظر إشارة طلب واضحة وطويلة الأجل من برلين تترجم النوايا إلى عقود صلبة.
مباحثات برلين تدفع التعاون الطاقوي نحو مرحلة تنفيذية
في هذا السياق بالذات، أجرى وفد جزائري رفيع المستوى، ضم مسؤولين من سوناطراك وسونلغاز، مباحثات مكثفة في برلين نهاية العام الماضي لدفع هذا التعاون قدماً.
كما استقبل وزير الطاقة والمناجم الجزائري لاحقاً رئيس مجلس إدارة “في.إن.جي” في لقاء تناول الغاز الطبيعي والهيدروجين الأخضر والأمونياك الأخضر وخفض انبعاثات الميثان، أشاد خلاله الجانب الألماني بالجزائر بوصفها مورداً موثوقاً للطاقة وشريكاً استراتيجياً لأوروبا.
إعادة تموضع جزائرية في المعادلة الأوروبية الجديدة
يجمع كثير من المحللين على أن هذه الزيارة تخرج الدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية من موقع “المورّد التقليدي للطاقة” إلى موقع “الشريك البنيوي” في مشروع التحول الطاقوي الأوروبي، بالتزامن مع سعي ألمانيا، أكبر اقتصاد في القارة العجوز، إلى تأمين بدائل مستقرة وقريبة جغرافياً للغاز الذي فقدته من روسيا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
فتوقيت الزيارة، الذي يتقاطع مع تسليم أولى الشحنات الكبرى ضمن اتفاقيات الغاز الموقعة وبناء الأسس الأولى لمشروع الهيدروجين، يمنحها ما يوصف في أدبيات العلاقات الدولية بـ”الإشارة المكلفة”؛ تأكيد جزائري على التزام فعلي وموثوق تجاه شركائه الأوروبيين، يتجاوز حدود الخطاب الدبلوماسي المعتاد.
وبالنسبة لبرلين، فإن استقبال الرئيس تبون بمثل هذا المستوى البروتوكولي الرفيع يعكس بدوره تحولاً جوهرياً في النظرة الألمانية إلى الجزائر، من شريك طاقوي هامشي إلى ركيزة أساسية في استراتيجية أمن الطاقة الألمانية طويلة المدى، وبوابة جنوب-متوسطية لا غنى عنها لمشاريع الهيدروجين الأوروبية المستقبلية.
أهداف جزائرية متعددة الأبعاد
أما بالنسبة للجزائر، فإن الزيارة تخدم أهدافاً متشابكة تتجاوز البعد الطاقوي المباشر؛ إذ تسعى الجزائر من خلالها إلى تثبيت مكانتها كفاعل إقليمي وازن في شمال إفريقيا وحوض المتوسط، فضلاً عن رغبتها في تنويع شراكاتها الدولية بعيداً عن الاعتماد الحصري التاريخي على فرنسا، وجذب استثمارات صناعية وتكنولوجية ألمانية تخدم برنامج التنويع الاقتصادي الذي تنتهجه الحكومة الجزائرية سعياً للتحرر التدريجي من الريع النفطي.
برلين تفرش السجادة الحمراء للرئيس تبون: الجزائر تتقدّم إلى قلب المعادلة الطاقوية الأوروبية
الاختبار الحقيقي القادم
تختزل زيارة الرئيس تبون إلى برلين تتويجا لمسار اقتصادي وطاقوي تصاعدي يمتد من عقود الغاز التقليدي إلى رهان استراتيجي طويل الأمد على الهيدروجين الأخضر، قد يجعل من الجزائر ركيزة أساسية في معادلة أمن الطاقة الأوروبي لعقود مقبلة، شرط أن تتمكن برلين والجزائر من ترجمة هذه الرمزية البروتوكولية الاستثنائية إلى التزامات تعاقدية ملموسة تُخرج الجزائر نهائياً من خانة المورّد الظرفي إلى موقع الشريك البنيوي الدائم.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة