جامعة الجيل الرابع تنطلق من بوابة البكالوريا.. إصلاحات غير مسبوقة في التوجيه والتسجيل الجامعي
الجزائرالٱن _ أطلقت وزارة التعليم العالي واحدة من أكبر عمليات تحديث منظومة التوجيه والتسجيل الجامعي منذ اعتماد الرقمنة في الجامعة الجزائرية، لفائدة حاملي شهادة البكالوريا دورة 2026.
مرفقة بإصلاحات رقمية وبيداغوجية غير مسبوقة، ترتكز على الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والمنصات التفاعلية، واستحداث تخصصات جديدة مرتبطة بمهن المستقبل.
وذلك في إطار رؤية شاملة تستهدف بناء جامعة أكثر انفتاحًا ومرونة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي تعرفها الجزائر.
خلال ندوة صحفية خصصت للإعلان عن مستجدات المنشور الوزاري للتوجيه والتسجيلات الجامعية.
أوضح اوزير القطاع كمال بداري، أن قطاع التعليم العالي لم يقتصر هذه السنة على تحيين رزنامة التسجيلات أو إضافة بعض التخصصات.
بل أعاد تصميم منظومة التوجيه الجامعي بأكملها، لتتحول من إجراءات تقليدية تعتمد على وثائق ثابتة إلى منظومة رقمية ذكية تضع الطالب في قلب العملية.
ترافقه منذ لحظة حصوله على شهادة البكالوريا إلى غاية تثبيت تسجيله النهائي.
أكد بداري أن عملية التوجيه والتسجيل الجامعي ستنطلق رسميًا ابتداءً من 15 جويلية 2026.
ستتم بالكامل عبر الخط بنسبة مائة بالمائة، دون أي ملفات أو وثائق ورقية، في خطوة تعكس التحول النهائي نحو الإدارة الجامعية الرقمية، حيث أصبحت مختلف الخدمات تقدم إلكترونيًا وعلى مدار الساعة.
منشور وزاري يتحول من وثيقة جامدة إلى منصة ذكية
لم يعد المنشور الوزاري، حسب الوزير، مجرد دليل ورقي يطلع عليه الطالب لاختيار تخصصه.
بل أصبح منصة رقمية تفاعلية وديناميكية صممت لتكون فضاءً متكاملاً يجمع كل المعلومات والخدمات المتعلقة بالتوجيه الجامعي.
يأتي هذا التحول في إطار المشروع الذي يعمل عليه القطاع لتجسيد مفهوم “الجامعة الرقمية”.
وهي الجامعة التي وصفها بداري بأنها جامعة متفتحة وصانعة للثروة والكفاءات، وقادرة على مواكبة اقتصاد المعرفة والاقتصاد الرقمي.
بما ينسجم مع الرؤية الاستراتيجية للدولة وبرنامج رئيس الجمهورية للفترة الرئاسية 2024-2029، الذي يولي أهمية خاصة لتعزيز الدور الاقتصادي للجامعة والاستثمار في المورد البشري.
يعكس هذا التوجه، بحسب الوزير، انتقال الجامعة الجزائرية من مجرد مؤسسة للتكوين الأكاديمي إلى فاعل اقتصادي يساهم في إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والكفاءات التي تحتاجها البلاد خلال السنوات المقبلة.
الذكاء الاصطناعي لأول مرة في خدمة الطالب الجامعي
أبرز ما حمله الدليل التوجيهي الجديد يتمثل في إدماج الذكاء الاصطناعي داخل منظومة التسجيلات الجامعية، في تجربة تعد الأولى من نوعها على مستوى القطاع.
أوضح بداري أن المنصة الجديدة تعتمد على النموذج اللغوي الكبير (Large Language Model – LLM)، الذي يشكل عقلًا رقمياً قادراً على التفاعل المباشر مع الطلبة وأوليائهم.
يتيح هذا النظام لأي طالب طرح مختلف الأسئلة المتعلقة بالتخصصات، وشروط الالتحاق، والحياة الجامعية، والخدمات البيداغوجية والإقامات الجامعية.
ليتلقى إجابات فورية ومخصصة، دون الحاجة إلى انتظار الردود التقليدية أو التنقل إلى المؤسسات الجامعية.
أشار الوزير إلى أن هذا المساعد الذكي يعمل على مدار أربع وعشرين ساعة يوميًا وطيلة أيام الأسبوع، بما يسمح للطالب بالحصول على المعلومة في أي وقت، ويضمن مرافقة مستمرة خلال مختلف مراحل التسجيل.
لتحقيق هذه الدقة، كشف الوزير أن النظام خضع لعملية تدريب واسعة اعتمادًا على قاعدة بيانات ضخمة تضم مختلف المعلومات الخاصة بالتوجيه الجامعي والتخصصات وشروط الالتحاق والخدمات الجامعية.
ما جعله قادرًا على قراءة البيانات وتحليلها وفهم اللغة الطبيعية والإجابة عنها بطريقة قريبة جدًا من أسلوب الحوار البشري.
توجيه ذكي يقلل أخطاء الاختيار ونسب الرسوب
ولم يتوقف إدماج الذكاء الاصطناعي عند حدود الإجابة عن الأسئلة، بل امتد إلى مرافقة الطالب في اختيار تخصصه.
فبحسب الوزير، أصبح المنشور الرقمي يوظف تقنيات حديثة تعتمد على ChatGPT لتحليل اختيارات الطالب ونتائجه الدراسية، ثم اقتراح التخصصات الأكثر توافقًا مع مستواه الأكاديمي، بما يساعده على اتخاذ قرار أكثر دقة ويزيد من فرص نجاحه في مساره الجامعي.
كما كشف بداري عن اعتماد تقنية تنقيب البيانات (Data Mining) داخل المنصة الرقمية، وهي تقنية تقوم بتحليل كميات ضخمة من البيانات بهدف تقديم توجيه أكثر دقة وفاعلية، وتقليص نسب الرسوب الناتجة عن سوء اختيار التخصصات.
يعد هذا التوجه نقلة نوعية في فلسفة التوجيه الجامعي، إذ لم يعد الطالب يعتمد فقط على معدله ورغباته الشخصية.
بل أصبح يستفيد من تحليل رقمي يعتمد على البيانات والخوارزميات لمساعدته على اتخاذ القرار الأنسب.
رفع عدد الرغبات إلى 12 وتطبيق جديد للمعدل الموزون
من بين أهم المستجدات التي أعلن عنها الوزير أيضًا، رفع عدد الرغبات التي يمكن للطالب إدراجها أثناء عملية التوجيه من عشر رغبات إلى اثنتي عشرة رغبة.
يرى القطاع أن هذا الإجراء يمنح الطالب هامشًا أوسع لاختيار التخصصات التي يرغب فيها، ويرفع من فرص حصوله على أحد اختياراته، خاصة في الشعب التي تعرف إقبالًا كبيرًا.
كما تقرر إطلاق تطبيق رقمي جديد لحساب المعدل الموزون بصورة آنية ودقيقة، بما يسمح للطالب بمعرفة إمكانية قبوله في مختلف التخصصات قبل تثبيت اختياراته.
وهو ما يسهل عليه عملية اتخاذ القرار ويحد من الأخطاء التي كانت تقع في السنوات السابقة بسبب الحسابات اليدوية أو نقص المعلومات.
إلى جانب ذلك، أصبح المنشور الوزاري متاحًا بالكامل عبر منصة رقمية تفاعلية مخصصة، يمكن للطلبة الولوج إليها للاطلاع على كل المعلومات الخاصة بالتوجيه والتسجيل بطريقة مبسطة وسريعة.
جامعة الجيل الرابع… إدارة رقمية وخدمات بلا ورق
اعتبر وزير التعليم العالي أن هذه الإصلاحات تمثل خطوة عملية نحو الانتقال إلى جامعة الجيل الرابع، وهي الجامعة التي تعتمد على الرقمنة والذكاء الاصطناعي والخدمات الإلكترونية، بدل النماذج الإدارية التقليدية.
أوضح أن الإدارة الجامعية أصبحت هيكلًا مرنًا وغير مادي، يقدم خدماته عن بعد، ويضع الطالب في صلب اهتماماته، بما يسمح بإنجاز مختلف الإجراءات في أي وقت ومن أي مكان، دون الحاجة إلى التنقل أو التعامل مع الملفات الورقية.
أضاف أن الجامعة الجزائرية تسير تدريجيًا نحو التحول إلى منصة رقمية متكاملة تستجيب لمتطلبات العصر، وتواكب احتياجات الاقتصاد الوطني، وتوفر بيئة تعليمية أكثر كفاءة ومرونة.
35 ألف منصب مضمون بالمدارس العليا للأساتذة.. تخصصات غير مسبوقة لإعداد كفاءات الاقتصاد الجديد
لم تقتصر الإصلاحات التي أعلن عنها وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، على رقمنة عمليات التوجيه والتسجيل.
بل امتدت إلى مراجعة الخريطة الوطنية للتكوين الجامعي، من خلال إدراج عروض بيداغوجية جديدة تستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.
ننسجم مع احتياجات مختلف القطاعات الوزارية، في خطوة تستهدف تكوين كفاءات مؤهلة لمهن المستقبل وربط الجامعة بصورة مباشرة بسوق العمل.
أوضح الوزير أن المنشور الوزاري الجديد تضمن تأهيلات حديثة ومسارات عصرية أعدت وفق رؤية تستشرف احتياجات الجزائر خلال السنوات المقبلة.
مؤكداً أن الجامعة لم تعد مطالبة فقط بتخريج الطلبة، وإنما بإعداد كفاءات قادرة على قيادة التحول الرقمي والتكنولوجي ودعم التنمية الاقتصادية.
30 ألف مهندس في الذكاء الاصطناعي بحلول 2030
في مقدمة التخصصات الجديدة، أعلن بداري عن إطلاق مسار مهندس دولة في الذكاء الاصطناعي.
ضمن برنامج وطني وضعه قطاع التعليم العالي يستهدف تكوين 30 ألف مهندس دولة في هذا المجال مع حلول سنة 2030.
أكد الوزير أن هذا التوجه يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات.
ما يستوجب إعداد موارد بشرية عالية التأهيل قادرة على مواكبة الثورة التكنولوجية وتطوير الحلول الرقمية التي تحتاجها الجزائر.
يعد هذا المسار من أبرز الرهانات التي يعول عليها القطاع لإعداد جيل جديد من المهندسين المتخصصين في واحدة من أكثر التخصصات طلباً على المستوى العالمي.
الإعلام الآلي الكمي والتكنولوجيا الكمية تدخل الجامعة الجزائرية
ضمن مساعي مواكبة العلوم الدقيقة، كشف الوزير عن استحداث مسار جديد في الإعلام الآلي الكمي والتكنولوجيا الكمية.
موضحاً أن هذا التخصص يعد من المجالات العلمية التي ستلعب دوراً محورياً في مستقبل التكنولوجيا والبحث العلمي.
يأتي إدراج هذا التكوين ضمن سياسة استباقية تهدف إلى تمكين الجامعة الجزائرية من مواكبة التطورات العالمية في المجالات ذات القيمة العلمية العالية.
إعداد كفاءات قادرة على مواصلة البحث والتطوير في هذا التخصص الواعد.
التشغيل البيئي… تخصص جديد يواكب الاقتصاد الأخضر
كما أعلن الوزير عن فتح مسار جديد في التشغيل البيئي، مؤكداً أن هذا العرض البيداغوجي يستجيب للاحتياجات التي فرضها التحول نحو الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا الرقمية الحديثة.
أوضح أن هذا التخصص يأتي لمرافقة المشاريع الوطنية المرتبطة بالتنمية المستدامة وحماية البيئة، وإعداد إطارات جامعية تمتلك المهارات اللازمة للعمل في المجالات البيئية الحديثة.
ميكانيك الأنظمة الفضائية بطلب من الوكالة الجزائرية للفضاء
في إطار توسيع التكوين في المجالات الاستراتيجية، كشف بداري عن فتح تخصص جديد في ميكانيك الأنظمة الفضائية، وذلك بطلب من الوكالة الجزائرية للفضاء.
أكد أن استحداث هذا التكوين يندرج ضمن مساعي دعم البرامج الفضائية الوطنية، وتوفير كفاءات متخصصة قادرة على مرافقة المشاريع المستقبلية في هذا المجال الذي يشهد تطوراً متسارعاً.
تخصصات صحية جديدة استجابة لاحتياجات وزارة الصحة
لم تغب المنظومة الصحية عن الإصلاحات الجديدة، حيث أعلن وزير التعليم العالي عن فتح تخصصات طبية وصحية جديدة.
تم إعدادها استجابة للاحتياجات التي عبرت عنها وزارة الصحة.
أوضح أن الهدف من هذه العروض هو ضمان تكوين موارد بشرية مؤهلة تستجيب لمتطلبات المنظومة الصحية الوطنية وتدعم جهود تحسين الخدمات الصحية.
شهادات مزدوجة و6 عروض جديدة في إطار الشراكات الدولية
أكد بداري أن الإصلاحات الجديدة تضمنت أيضاً إطلاق عروض للحصول على شهادات مزدوجة وكفاءات مزدوجة بين جامعات مختلفة، بما يسمح للطلبة بالاستفادة من تكوين أكاديمي متنوع يوسع من فرصهم العلمية والمهنية.
كما أعلن عن اعتماد ستة عروض تكوين جديدة في إطار التوأمة والشراكات الدولية، بما يعزز انفتاح الجامعة الجزائرية على التجارب الأكاديمية العالمية، ويرفع جودة التكوين وفق المعايير الدولية.
35 ألف طالب جديد بالمدارس العليا للأساتذة بعقود تشغيل مضمونة
من بين أهم القرارات التي أعلن عنها الوزير، تخصيص 35 ألف مقعد بيداغوجي لفائدة الناجحين الجدد في شهادة البكالوريا داخل المدارس العليا للأساتذة.
وأوضح أن هؤلاء الطلبة سيلتحقون بهذه المدارس بعقود تشغيل مضمونة، تجسيداً لاحتياجات وزارة التربية الوطنية، وتجسيداً أيضاً للتوجه الجديد الذي يربط التكوين الجامعي مباشرة بالتوظيف، بما يسمح بتوفير الكفاءات التي تحتاجها المؤسسات التربوية خلال السنوات المقبلة.
ويمثل هذا الإجراء، بحسب الوزير، أحد أهم مكاسب الدخول الجامعي الجديد، لأنه يمنح الطالب رؤية واضحة لمساره المهني منذ بداية تكوينه الجامعي.
مادتان جديدتان داخل البرامج الجامعية
وفي سياق مراجعة المضامين البيداغوجية، أعلن بداري عن إدراج مادتين جديدتين ضمن البرامج التعليمية، وتتمثل المادة الأولى في المؤسسات الناشئة، التي تهدف إلى ترسيخ ثقافة الابتكار وريادة الأعمال، وتعزيز الدور الاقتصادي للجامعة في خلق الثروة ومرافقة المشاريع الناشئة.
أما المادة الثانية فتخص تاريخ الجزائر الوطنية والمواطنة، والتي تهدف إلى تكوين طلبة أكثر ارتباطاً بتاريخ بلادهم، وأكثر معرفة بقوانينها، مع تعزيز قيم المواطنة والانتماء الوطني.
50 ألف مختص في الإعلام الآلي وأول دفعة باللغة الإنجليزية
واستعرض الوزير حصيلة السنة الجامعية 2025-2026، معلناً تخرج 50 ألف حامل شهادة في الإعلام الآلي بين ليسانس وماستر ومهندس دولة، في تجسيد للبرنامج الوطني الذي أطلقه القطاع بين سنتي 2022 و2026 لتكوين كفاءات متخصصة في المجال الرقمي.
كما أعلن عن تخرج أول دفعة من طلبة الليسانس الذين تابعوا تكوينهم باللغة الإنجليزية، معتبراً ذلك محطة مفصلية في مسار تحديث الجامعة الجزائرية وتعزيز انفتاحها على الفضاء الأكاديمي الدولي.
تحول يتجاوز التسجيلات نحو إعادة صياغة الجامعة الجزائرية
وتكشف مختلف الإجراءات التي أعلن عنها وزير التعليم العالي أن الدخول الجامعي 2026-2027 لا يقتصر على إطلاق حملة تسجيلات جديدة، بل يمثل مرحلة جديدة في إعادة بناء منظومة التعليم العالي، من خلال الانتقال إلى إدارة جامعية رقمية بالكامل، وتوجيه أكثر دقة بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي، وتوسيع العروض البيداغوجية نحو تخصصات المستقبل، وربط التكوين بالتوظيف، والانفتاح على الشراكات الدولية.
وبهذه الإصلاحات، تراهن وزارة التعليم العالي على بناء جامعة أكثر مرونة وذكاءً، تكون قادرة على إعداد كفاءات تستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتدعم مسار التنمية، بما يجعل الجامعة الجزائرية شريكاً فعلياً في بناء اقتصاد المعرفة وصناعة مهن المستقبل.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة