آخر الأخبار

الدكتور السوري نبيل الخوري لـ"الجزائر الآن": الجزائر لم تعد مجرد مُصدّر للغاز... بل أصبحت ركيزة أمن الطاقة الأوروبي وبوابة إفريقيا نحو الأسواق العالمية

شارك
بواسطة بلقور محمد
مصدر الصورة
الكاتب: بلقور محمد

●الدكتور السوري نبيل الخوري لـ”الجزائر الآن”: الجزائر لم تعد مجرد مُصدّر للغاز… بل أصبحت ركيزة أمن الطاقة الأوروبي وبوابة إفريقيا نحو الأسواق العالمية

الجزائر الآن – تشهد أسواق الطاقة العالمية مرحلة غير مسبوقة من التحولات الاستراتيجية، فرضتها التوترات الجيوسياسية، وتسارع التحول في موازين الإمداد، واشتداد المنافسة بين القوى الاقتصادية الكبرى على مصادر الطاقة الآمنة والمستقرة.

وفي ظل استعداد أوروبا لاستقبال شتاء جديد وسط تراجع مخزونات الغاز وارتفاع الأسعار، تبرز الجزائر اليوم كأحد أهم الفاعلين في معادلة أمن الطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وبنيتها التحتية المتطورة، وموثوقيتها كشريك طاقوي يحظى بثقة الأسواق الأوروبية.

ولم يعد الدور الجزائري يقتصر على تأمين إمدادات الغاز الطبيعي، بل امتد ليشمل رسم ملامح خريطة الطاقة الجديدة في حوض المتوسط وإفريقيا

من خلال مشاريع استراتيجية كبرى، وفي مقدمتها مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، فضلاً عن انخراطها في مسار الانتقال الطاقوي ومشاريع الهيدروجين الأخضر، بما يعزز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة في مستقبل الطاقة العالمي.

مصدر الصورة

وفي هذا السياق، أجرت “الجزائر الآن” هذا الحوار الخاص مع الدكتور السوري نبيل الخوري، أستاذ الاقتصاد ومدير مجموعة الدار لدراسات الجدوى الاقتصادية والتحليل المالي، الذي يقدم قراءة استراتيجية لمستقبل سوق الغاز، ويحلل المكانة المتصاعدة للجزائر في معادلة أمن الطاقة الأوروبي، والفرص التي تتيحها التحولات الدولية لترسيخ دورها كمحور طاقوي وجيوسياسي لا غنى عنه خلال السنوات المقبلة.

●”الجزائر أصبحت صمام الأمان الطاقوي لأوروبا في مرحلة تتسم بأعلى درجات عدم اليقين”

●الجزائر الآن: تستعد أوروبا لاستقبال فصل الشتاء وسط تراجع المخزونات وارتفاع الأسعار، إلى أي مدى يمكن أن تتطور هذه المؤشرات إلى أزمة طاقة جديدة خلال الأشهر المقبلة؟

●الدكتور نبيل الخوري: أعتقد أن أوروبا تقف اليوم أمام اختبار جديد لأمنها الطاقوي، ورغم أن المشهد لا يرقى حتى الآن إلى مستوى أزمة شاملة كتلك التي شهدناها عام 2022، فإن المؤشرات الحالية تستدعي قدراً كبيراً من الحذر.

فالقارة الأوروبية تستعد لدخول موسم التدفئة بمخزونات من الغاز الطبيعي تعد من بين الأدنى خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعلها أكثر حساسية لأي اضطراب في الإمدادات أو أي موجة برد استثنائية.

وتبرز هنا مجموعة من العوامل التي تزيد من هشاشة السوق الأوروبية، في مقدمتها بطء وتيرة إعادة ملء المخازن بعد الشتاء الماضي، والارتفاع المستمر في أسعار الغاز والكهرباء.

فضلاً عن استمرار التوترات الجيوسياسية في عدد من الممرات البحرية الحيوية التي تمر عبرها شحنات الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يزيد من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية.

كما أن أوروبا تواصل تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى تقليص الاعتماد على الغاز الروسي، وهو تحول استراتيجي يفرض عليها البحث عن بدائل مستقرة وموثوقة، لكنه في الوقت نفسه يرفع من حجم المنافسة العالمية على شحنات الغاز، خاصة مع الأسواق الآسيوية التي تمتلك قدرة شرائية كبيرة خلال فترات الذروة.

وفي تقديري، فإن الأشهر المقبلة ستتوقف على عاملين رئيسيين؛ أولهما الظروف المناخية خلال الشتاء، وثانيهما استقرار الإمدادات العالمية.

فإذا جاء الشتاء قارساً، بالتزامن مع أي اضطرابات جديدة في حركة التجارة الدولية أو ارتفاع الطلب الآسيوي، فقد نشهد موجة جديدة من الارتفاعات الحادة في الأسعار، وربما ضغوطاً على بعض القطاعات الصناعية الأوروبية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

مصدر الصورة

أما إذا سادت ظروف مناخية معتدلة، واستقرت الإمدادات القادمة من الموردين الرئيسيين، فإن أوروبا قد تنجح في تجاوز الشتاء دون أزمة فعلية، لكنها ستظل تواجه أسعاراً مرتفعة وتحديات مستمرة في الحفاظ على أمنها الطاقوي.

ومن هنا تحديداً تتجلى أهمية الشركاء الموثوقين، وفي مقدمتهم الجزائر، التي أصبحت اليوم أحد أهم ركائز استقرار سوق الغاز في الضفة الشمالية للمتوسط، بفضل قدرتها على توفير إمدادات مستقرة عبر خطوط الأنابيب بعيداً عن تقلبات الأسواق الفورية والأزمات البحرية.

●”الجزائر انتقلت من خيار لتنويع الإمدادات إلى شريك استراتيجي لا يمكن الاستغناء عنه”

●الجزائر الآن: ما الذي يجعل الجزائر اليوم شريكًا استراتيجيًا أكثر أهمية بالنسبة لأوروبا مقارنة بموردي الغاز الآخرين، خاصة في ظل المتغيرات الجيوسياسية الحالية؟

شهدت السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في النظرة الأوروبية إلى الجزائر. ففي السابق كانت تُصنف ضمن قائمة موردي الغاز التقليديين، أما اليوم فقد أصبحت تمثل أحد أهم أعمدة أمن الطاقة الأوروبي.

مصدر الصورة

ليس فقط بفضل حجم احتياطاتها، وإنما أيضاً بسبب عامل الاستقرار والموثوقية اللذين أصبحا من أهم عناصر سوق الطاقة العالمية.

وتتمتع الجزائر بميزة جيوسياسية يصعب أن تنافسها فيها معظم الدول المصدرة للغاز، فهي تقع على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، وترتبط مباشرة بأوروبا عبر شبكة أنابيب استراتيجية.

وهو الأمر الذي يجعل إمداداتها بعيدة عن كثير من المخاطر التي تواجه شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من مناطق تشهد توترات أمنية أو تمر عبر ممرات بحرية حساسة.

كما أن الجزائر تعتمد بصورة كبيرة على عقود طويلة الأجل، وهو ما يمنح المستورد الأوروبي استقراراً في الإمدادات والأسعار ، بعكس سوق الغاز الطبيعي المسال الذي يخضع في كثير من الأحيان للمنافسة الفورية، حيث تتجه الشحنات نحو الأسواق التي تقدم أعلى الأسعار، خاصة في فترات الذروة.

ولا ينبغي إغفال أن الجزائر تمتلك أيضاً رؤية مستقبلية لتعزيز مكانتها، من خلال تطوير حقول جديدة، واستقطاب استثمارات كبرى في قطاع الاستكشاف والإنتاج، إلى جانب مشاريع الربط الإقليمي التي ستجعلها منصة لتصدير الغاز الإفريقي نحو أوروبا.

لهذه الأسباب أرى أن الجزائر لم تعد بالنسبة للأوروبيين مجرد بديل عن الغاز الروسي، بل أصبحت شريكاً استراتيجياً طويل الأمد، يساهم بصورة مباشرة في تعزيز أمن الطاقة واستقرار الأسواق الأوروبية.

مصدر الصورة

●”ميدغاز وترانسميد يمثلان البنية الصلبة لأمن الطاقة الأوروبي”

الجزائر الآن: كيف تقيمون أهمية خطوط الأنابيب الجزائرية، وعلى رأسها “ميدغاز” و”ترانسميد”، في تعزيز أمن الطاقة الأوروبي مقارنة بالاعتماد على الغاز الطبيعي المسال؟

إذا أردنا الحديث عن أمن الطاقة من منظور استراتيجي، فإن خطوط الأنابيب تبقى الوسيلة الأكثر استقراراً وأقل تعرضاً للمخاطر مقارنة بالاعتماد الكامل على الغاز الطبيعي المسال.

ومن هذا المنطلق، يشكل خطا ميدغاز وترانسميد ركيزة أساسية في منظومة الطاقة الأوروبية.

فخط ترانسميد، الذي يربط الجزائر بإيطاليا عبر تونس، لا يقتصر دوره على تلبية احتياجات السوق الإيطالية، بل أصبح ممراً رئيسياً لإعادة توزيع الغاز نحو عدد من دول وسط أوروبا، وهو ما عزز مكانة إيطاليا كمحور إقليمي للطاقة.

أما ميدغاز، الذي يربط الجزائر مباشرة بإسبانيا عبر البحر الأبيض المتوسط، فيتميز بكونه خطاً مباشراً لا يعتمد على دول عبور، وهو ما يمنحه مستوى عالياً من الاستقرار والموثوقية، ويسهم في ضمان استقرار إمدادات الطاقة لشبه الجزيرة الإيبيرية.

وفي المقابل، فإن الغاز الطبيعي المسال يمنح أوروبا مرونة في تنويع الموردين، لكنه يبقى أكثر تعرضاً لتقلبات الأسواق العالمية.

وارتفاع تكاليف النقل والإسالة وإعادة التغويز، إضافة إلى تأثره بالأزمات الجيوسياسية والمنافسة مع الأسواق الآسيوية على الشحنات الفورية.

لذلك أرى أن مستقبل أمن الطاقة الأوروبي لن يقوم على الغاز الطبيعي المسال وحده، وإنما على مزيج متوازن، تكون فيه الأنابيب الجزائرية العمود الفقري للإمدادات المستقرة، بينما يشكل الغاز المسال أداة مرنة لسد الاحتياجات الطارئة ومواجهة التقلبات الموسمية.

وباختصار، فإن ميدغاز وترانسميد ليسا مجرد خطي نقل للغاز، بل يمثلان استثماراً استراتيجياً في استقرار الاقتصاد الأوروبي، ويكرسان مكانة الجزائر كأحد أهم الضامنين لأمن الطاقة في منطقة البحر الأبيض المتوسط.

●”أنبوب الغاز العابر للصحراء مشروع سيغيّر موازين الطاقة بين إفريقيا وأوروبا”

●الجزائر الآن: يحظى مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء (TSGP) باهتمام متزايد، برأيكم كيف يمكن لهذا المشروع أن يعيد رسم خريطة تدفقات الغاز بين إفريقيا وأوروبا خلال السنوات المقبلة؟

لا أبالغ إذا قلت إن مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء يمثل أحد أكبر المشاريع الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها القارة الإفريقية خلال العقود الأخيرة.

فنحن لا نتحدث عن مجرد أنبوب لنقل الغاز، وإنما عن مشروع استراتيجي قادر على إعادة تشكيل خريطة تدفقات الطاقة بين إفريقيا وأوروبا، وإعادة توزيع مراكز النفوذ في سوق الغاز العالمي.

وتكمن أهمية المشروع في أنه سيربط الاحتياطات الضخمة لنيجيريا بالبنية التحتية المتطورة التي تمتلكها الجزائر، والتي تشمل خطوط الأنابيب الممتدة نحو الأسواق الأوروبية، وهو ما يمنح القارة الأوروبية منفذاً جديداً ومستقراً للإمدادات بعيداً عن كثير من المخاطر التي تحيط بالأسواق العالمية.

كما أن المشروع سيمنح الجزائر مكانة جديدة تتجاوز صفتها كدولة منتجة ومصدرة للغاز، لتصبح منصة إقليمية لتجميع وتوزيع الغاز الإفريقي نحو أوروبا.

وهو تحول ستكون له انعكاسات اقتصادية وسياسية كبيرة، ليس على الجزائر فحسب، بل على مجمل منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

ومن زاوية أخرى، فإن المشروع يوفر بديلاً أكثر واقعية من بعض المشاريع المنافسة، بالنظر إلى قصر مساره النسبي، واستفادته من البنية التحتية الجزائرية القائمة، الأمر الذي يعزز فرص تنفيذه متى توفرت الظروف الأمنية والتمويل اللازم.

وعلى المدى البعيد، لا أستبعد أن يتحول هذا الممر الطاقوي إلى ممر لنقل الهيدروجين الأخضر أيضاً، وهو ما ينسجم مع التوجهات الأوروبية نحو الطاقات النظيفة، ويمنح المشروع بعداً استراتيجياً يتجاوز الغاز الطبيعي ليواكب التحول العالمي في منظومة الطاقة.

●”الجزائر تمتلك فرصة تاريخية لترسيخ ريادتها… لكن النجاح يتطلب تسريع الاستثمار والابتكار”

●الجزائر الآن: في ظل المنافسة العالمية المتزايدة على الغاز الطبيعي، ما أبرز التحديات والفرص التي تنتظر الجزائر للحفاظ على مكانتها وتعزيز حضورها في سوق الطاقة الأوروبية؟

أعتقد أن الجزائر تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية تحمل في الوقت نفسه تحديات حقيقية وفرصاً استثنائية.

فالتحولات التي يعرفها سوق الطاقة العالمي فتحت أمامها آفاقاً واسعة لتعزيز حضورها، لكنها تتطلب في المقابل مواصلة الإصلاحات والاستثمار في تطوير القطاع.

ومن أبرز التحديات التي أراها، الارتفاع المتواصل للاستهلاك المحلي للطاقة، وهو ما يفرض العمل على توسيع الإنتاج للحفاظ على مستويات التصدير.

إلى جانب ضرورة تطوير الحقول الجديدة، وتحسين كفاءة الاستغلال، ومواصلة تحديث البنية التحتية بما ينسجم مع المعايير البيئية الدولية، خاصة فيما يتعلق بخفض انبعاثات الميثان والكربون.

كما أن المنافسة ستكون أكثر شراسة خلال السنوات المقبلة مع دخول مشاريع ضخمة للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة وقطر.

وهو ما يفرض على الجزائر تعزيز تنافسيتها بالاعتماد على عنصر الموثوقية، وقربها الجغرافي من أوروبا، وانخفاض تكاليف النقل عبر شبكة الأنابيب.

وفي المقابل، تمتلك الجزائر فرصاً استراتيجية يصعب تجاهلها، فهي تملك بنية تحتية قوية، واحتياطات معتبرة، وشراكات متنامية مع كبريات الشركات العالمية.

إضافة إلى موقعها الجغرافي الذي يؤهلها لتكون مركزاً إقليمياً لتوزيع الطاقة الإفريقية نحو أوروبا.

وأرى أيضاً أن الاستثمار في الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر سيكون عاملاً حاسماً في الحفاظ على المكانة الجزائرية مستقبلاً.

لأن التحول الطاقوي العالمي لا يعني نهاية دور الغاز، بل يعني أن الدول التي ستنجح هي تلك التي تجمع بين الطاقة التقليدية والطاقة النظيفة ضمن رؤية استراتيجية متكاملة.

وفي تقديري، تمتلك الجزائر كل المقومات لتكون أحد أبرز الفاعلين في سوق الطاقة العالمية خلال العقود المقبلة، شريطة مواصلة الاستثمار، وتسريع تطوير المشاريع الكبرى، وتعزيز الشراكات الدولية، بما يحولها من دولة مصدرة للطاقة إلى قوة طاقوية وجيوسياسية مؤثرة في رسم ملامح أمن الطاقة الإقليمي والدولي.

●الجزائر الآن: في ختام هذا الحوار، كيف تلخصون مستقبل الجزائر في معادلة الطاقة العالمية؟

أستطيع القول بثقة إن الجزائر لم تعد مجرد دولة منتجة للغاز، بل أصبحت رقماً صعباً في معادلة أمن الطاقة العالمية.

ومع استمرار التحولات الجيوسياسية، وتزايد الحاجة الأوروبية إلى مصادر موثوقة ومستقرة، فإن أهمية الجزائر مرشحة لمزيد من النمو خلال السنوات المقبلة.

وإذا واصلت تطوير قدراتها الإنتاجية، والاستثمار في البنية التحتية والطاقات الجديدة، فإنها لن تكون فقط شريكاً استراتيجياً لأوروبا، بل أحد أبرز صناع مستقبل الطاقة في حوض المتوسط والقارة الإفريقية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا