آخر الأخبار

سؤال عميق يؤرق اليهود الأمريكيين اليوم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

يمر المجتمع اليهودي في الولايات المتحدة الأمريكية بأزمة هوية جماعية غير مسبوقة، أثارتها التطورات العاصفة التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 والحروب التي شنتها إسرائيل لاحقاً.

ورد ذلك في مقال بصحيفة نيويورك تايمز للكاتب نيكولاس ليمان، العميد السابق لكلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أفاد فيه بأن هذه الأزمة أعادت إلى السطح أسئلة تاريخية معقدة حول طبيعة الوجود اليهودي في الغرب، ومدى إمكانية الجمع بين الخصوصية الدينية والاندماج الكامل في المجتمعات الحديثة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 نهاية سيادة القانون.. كيف دفع قرار بشأن البث التلفزيوني إسرائيل نحو أزمة دستورية؟
* list 2 of 2 ماذا قالت الصحف الروسية عن قمة الناتو في أنقرة؟ end of list

يستعرض ليمان -وهو مؤلف كتاب "العودة: بحث عن الوطن عبر ثلاثة قرون"- في مقاله هذا التحول الجذري في الوجدان اليهودي الأمريكي، مستنداً إلى تجربته العائلية وتاريخ ممتد من السجالات الفكرية والسياسية.

جذور التباين وسردية "وثيقة بيتسبرغ"

يستهل ليمان قراءته بالعودة إلى رسالة قديمة كتبها والده قبل ستة عقود إلى الحاخام في معبد "تمبل سيناي" بمدينة نيو أورليانز، حيث كانت عائلته المهاجرة من ألمانيا عام 1836 تمثل جزءاً من النخبة اليهودية المحلية.

في تلك الرسالة، اعترض الأب بشدة على مجلة للأطفال اتهمها بنشر "دعاية صهيونية قوية" وانتقاد السياسة الأمريكية في فيتنام. ويوضح الكاتب أن والده كان ينتمي فكرياً إلى "وثيقة بيتسبرغ" لعام 1885، وهي الوثيقة التأسيسية لليهودية الإصلاحية الأمريكية، والتي نصت صراحة على أن اليهود جماعة دينية وليسوا أمة، وبالتالي لا يتطلعون للعودة إلى فلسطين أو إقامة دولة سياسية.

ويشير ليمان إلى أن هذا الموقف الذي تبناه اليهود الألمان الميسورون لم يحظَ بقبول واسع لدى موجات الهجرة اللاحقة من أوروبا الشرقية، والذين سرعان ما شكلوا غالبية اليهود الأمريكيين.

ومع صعود النازية في الثلاثينيات، تخلت الحركة الإصلاحية عن معارضتها للصهيونية بعدما اتضح أن مستقبل اليهود في أوروبا بات مظلماً، لتتحول الصهيونية بمرور الوقت إلى ركيزة أساسية في الوعي الجماعي لليهود الأمريكيين، الذين اعتبروا تأييد إسرائيل آنذاك موقفاً ليبرالياً يدعم دولة ديمقراطية ناشئة للاجئين.

نيكولاس ليمان:
لم يعد السياسيون في الحزبين الديمقراطي والجمهوري بمعزل عن الضغوط الجماهيرية المناهضة للسياسات الإسرائيلية، مما خلق وضعاً صادماً لم يعد فيه ممكناً لليهودي أن يكون مرتاحاً لهويته، وصهيونياً، وليبرالياً، ومقبولاً تماماً خارج النطاق اليهودي في آن واحد.

انهيار منطقة الراحة وتصاعد العزلة

ويرى الكاتب أن العقود الأخيرة من القرن العشرين شهدت طفرة في اندماج اليهود في المجتمع الأمريكي؛ إذ تهاوت الحواجر التقليدية التي حددت أماكن سكنهم وعملهم ودراستهم. ولأكثر من نصف قرن، بدا أنهم قادرون على العيش في صيغة تدمج بين النجاح المهني، والهوية الثقافية اليهودية، والتوجه الصهيوني، والفكر الليبرالي الديمقراطي، دون الحاجة لالتزام ديني صارم.

إعلان

إلا أن هذه القناعات الراسخة تلاشت فجأة في الوقت الراهن؛ حيث يوضح الكاتب أن إسرائيل باتت تواجه انتقادات دولية واسعة، وأصبحت كلمة "صهيوني" وصمة أو نعتاً سلبياً في الأوساط التقدمية الأمريكية. ولم يعد السياسيون في الحزبين الديمقراطي والجمهوري بمعزل عن الضغوط الجماهيرية المناهضة للسياسات الإسرائيلية، مما خلق وضعاً صادماً لم يعد فيه ممكناً لليهودي أن يكون مرتاحاً لهويته، وصهيونياً، وليبرالياً، ومقبولاً تماماً خارج النطاق اليهودي في آن واحد.

استحالة الانفصال النفسي عن إسرائيل

ورغم الانتقادات الحادة التي يوجهها الجيل الشاب أو الأوساط التقدمية للصهيونية السياسية، يرى ليمان أن فكرة إمكانية حدوث "انفصال نفسي" كامل عن إسرائيل هي ضرب من الخيال بالنسبة لغالبية اليهود الأمريكيين.

وينقل الكاتب سياقاً إحصائياً نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في استطلاع للرأي، أظهر أن ثلاثة أرباع اليهود الأمريكيين يتفقون على أن إسرائيل "حيوية لمستقبل الشعب اليهودي على المدى الطويل"، على الرغم من توجيههم انتقادات لاذعة لحكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة التي تولت السلطة عام 2022.

ويُرجع ليمان هذا الارتباط الوثيق إلى تفاصيل الحياة اليومية والمعاشة؛ فنصف اليهود تقريباً يعيشون هناك، والعديد من العائلات الأمريكية تملك أقارب وأصدقاء في إسرائيل، فضلاً عن المنظومة التعليمية والمخيمات الصيفية التي نشأوا عليها.

ويؤكد أن السردية التاريخية والدينية المتمحورة حول التوق إلى القدس وإعادة بناء الهيكل تجعل من الصعب فصل الصهيونية كفكرة حمائية وتطلع جماعي عن أرواحهم، معتبراً أن المطالبة بهذا الفصل تعني التخلي عن جزء جوهري من الهوية.

إعادة تعريف التوقعات

في خضم البيئة الراهنة التي تتسم بتصاعد الهجمات على المؤسسات اليهودية وانتشار خطابات المؤامرة، يقدم ليمان نصيحة ورؤية ذاتية لليهود الأمريكيين الليبراليين الذين يعيشون حالة من الحيرة والارتباك.

ويوضح الكاتب من واقع تجربته الشخصية -حيث تحول من مغادرة المعبد الإصلاحي في طفولته إلى العيش كعضو فاعل في جماعة دينية تتبع التيار المحافظ في نيويورك- أن الحل يكمن في تعديل التوقعات والتخلي عن وهم إمكانية انسجام اليهودية بسلاسة تامة مع المثل العالمية الشاملة.

وينصح ليمان بضرورة المشاركة الفاعلة في الحياة الدينية للمجتمع والانكباب على دراسة التوراة والنصوص الجوهرية. ويرى أن فهم التاريخ والنصوص يمنح منظوراً أفضل لتأمل وضع إسرائيل والوجود اليهودي اليوم، بعيداً عن الخضوع لاختبارات الولاء السياسي.

ويختتم الكاتب قراءته بالإشارة إلى أنه، ومثل والده، يعيش في منطقة وسطى وحالة "بينية" تقترب من الانتماء الكامل للمجتمع دون أن تبلغه تماماً، معتبراً أن وضع "الغريب" أو الدخيل تاريخياً هو قدر جماعي لا مفر من قبوله والتعايش معه عبر التمسك بالخصوصية الطقسية والتضامن الجماعي.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا