رشحت الجزائر كأحد أبرز اللاعبين الرئيسيين في مجال الهيدروجين الأخضر مستفيدة من مواردها الشمسية الضخمة ومساحات الأراضي الواسعة القابلة للتطوير، في وقت يتسارع فيه الطلب الأوروبي على الطاقة النظيفة والبدائل منخفضة الكربون.
وتؤكد دراسة حديثة في المجلة العلمية الدولية “Applied Energy” المتخصصة في أبحاث الطاقة، أنجزها باحثون من مؤسسات علمية دولية وجزائرية تحت عنوان “الأطلس الوطني المتقدم وآفاق تصدير الهيدروجين الأخضر – دراسة حالة الجزائر”، أن الجزائر تمتلك ميزة تنافسية واضحة في مجال إنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير مشاريع واسعة النطاق لإنتاج الهيدروجين الأخضر. ويُعد هذا التوجه جزءًا من تحول عالمي متزايد نحو استخدام الهيدروجين كحل أساسي في القطاعات التي يصعب خفض انبعاثاتها الكربونية، مثل الصناعات الثقيلة والنقل البحري والجوي وإنتاج المواد الكيميائية.
على الصعيد المؤسسي، بدأت الجزائر في بناء إطار حوكمة خاص بقطاع الهيدروجين، حيث أصدرت الهيئة الوطنية للطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة (CEREFE) الاستراتيجية الوطنية لتطوير الهيدروجين في فبراير 2024، في خطوة تهدف إلى تنظيم هذا القطاع الناشئ وتوجيه الاستثمارات نحوه. كما تم إطلاق تعاون ثنائي مع ألمانيا يتضمن إنشاء فريق عمل مشترك، إضافة إلى مشاريع تجريبية لإنتاج الهيدروجين الأخضر.
وفي موازاة ذلك، يدعم برنامج TaqatHy+، الممول من الاتحاد الأوروبي وألمانيا، جهود الجزائر في تسريع نشر الطاقات المتجددة وتطوير سلسلة القيمة الخاصة بالهيدروجين، إلى جانب تعزيز كفاءة الطاقة. ويعكس هذا التعاون الدولي اهتمامًا متزايدًا بربط شمال إفريقيا بسلاسل الإمداد الأوروبية للطاقة النظيفة.
كما يبرز الطلب الأوروبي كعامل حاسم في دفع هذا القطاع، إذ يهدف برنامج REPowerEU إلى إنتاج واستيراد كميات كبيرة من الهيدروجين المتجدد بحلول عام 2030، ما يفتح آفاقًا واسعة أمام الدول المنتجة في جنوب المتوسط. وفي السياق ذاته، تعمل أوروبا على تطوير أدوات تمويل مثل “البنك الأوروبي للهيدروجين” لتقليص فجوة التكلفة وتحفيز الاستثمارات المبكرة.
وتتزامن هذه التطورات مع مشاريع بنية تحتية كبرى، أبرزها ممر SoutH2 الذي يهدف إلى نقل الهيدروجين من شمال إفريقيا نحو أوروبا عبر شبكة خطوط أنابيب تربط عدة دول، ما يعزز فرص الجزائر لتصبح مركزًا إقليميًا لتصدير الطاقة النظيفة.
وتقوم الرؤية الطاقوية الحديثة على مبدأ “الكهربة أولًا، ثم استخدام الهيدروجين عند الحاجة”، حيث يُنظر إلى الطاقة الشمسية باعتبارها أساسًا لخفض الانبعاثات في قطاع الكهرباء، بينما يُستخدم الهيدروجين في القطاعات التي لا يمكن كهربتها بسهولة. كما يفتح هذا التوجه المجال أمام تطبيقات “تحويل الطاقة إلى منتجات” مثل إنتاج الأمونيا والوقود الاصطناعي.
وفي هذا الإطار، تعمل الجزائر على تطوير نماذج تخطيط مكاني تربط بين مواقع إنتاج الطاقة الشمسية ومواقع إنتاج الهيدروجين وخيارات التصدير، مع مراعاة عوامل البنية التحتية والمياه والجدوى الاقتصادية. ويهدف هذا النهج إلى تحديد المناطق الأكثر كفاءة واستدامة للاستثمار.
وبحسب تقديرات أولية، يمكن للجزائر إنتاج كميات ضخمة من الهيدروجين الأخضر اعتمادًا على مناطقها الجنوبية ذات الإشعاع الشمسي العالي، ما يجعلها مرشحًا قويًا لتلبية جزء مهم من الطلب الأوروبي المستقبلي. ومع استمرار تطور السياسات والشراكات الدولية، تبدو الجزائر في موقع يسمح لها بالتحول من دولة مصدرة للطاقة التقليدية إلى فاعل رئيسي في سوق الطاقة النظيفة العالمية.
المصدر:
الإخبارية