بعد مرور 8 سنوات على انسحاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" مع إيران خلال ولايته الأولى، التي وُقّعت في عهد الرئيس باراك أوباما، تجد واشنطن نفسها مرة أخرى في خضم مفاوضات شاقة مع طهران بشأن مصير برنامجها النووي و الباليستي وملف العقوبات، لكن طاولة الحوار اليوم لا تشبه سابقتها، إذ تُجرى المفاوضات وسط ظروف إقليمية ومعادلات مغايرة تماما.
ولطالما شكّل الاتفاق النووي مع إيران عام 2015 مادة دسمة لانتقادات ترمب الهجومية ضد سلفه باراك أوباما، إذ لم يتوقف عن وصفه بأنه "أحد أكثر الاتفاقات فشلا على الإطلاق". فمنذ لحظة إبرامه، سارع ترمب إلى التعبير عن استيائه مغردا على منصة إكس "لقد خسرت الولايات المتحدة في كل نقطة تقريبا. لم نعد نفوز أبدا!"، وهو الموقف المتشدد الذي قاده لاحقا لتمزيق الاتفاق بالانسحاب منه.
وصرّح الرئيس الأمريكي مرارا وتكرارا بأنه قادر على إبرام صفقة مع إيران للحد من برنامجها النووي أفضل بكثير من اتفاق أوباما، وهو ما زعم أنه سيحدث عقب إطلاق الجيش الأمريكي بالتعاون مع إسرائيل عملية "الغضب الملحمي" في 28 فبراير/شباط الماضي.
وبعد نحو 4 أشهر من المواجهة العسكرية والاقتصادية المباشرة مع طهران، أعلن ترمب أمس الأربعاء توقيعه إلكترونيا مذكرة تفاهم مع إيران تمهد الطريق أمام مفاوضات لمدة 60 يوما بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الملفات الشائكة، بينها مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى العقوبات والأصول الإيرانية المجمدة.
وفيما يلي نرصد لكم مقارنة تُبرز أوجه التشابه والاختلاف بين اتفاق أوباما ومذكرة تفاهم ترمب الأخيرة.
أبرز أوجه التشابه بين اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" عام 2015 ومذكرة التفاهم بين ترمب وإيران:
يكمن أول أوجه التشابه بين الاتفاقين في الأطراف المعنية بالاتفاق، التي تشمل الولايات المتحدة وإيران لاعبين أساسيين على طاولة المفاوضات. فرغم اختلاف الظروف السياسية والإدارات الأمريكية، فيظل البلدان الطرفين الرئيسيين في أي اتفاق يهدف إلى معالجة القضية النووية الإيرانية.
يهدف كل من اتفاق أوباما ومذكرة تفاهم ترمب إلى إلزام إيران بعدم السعي إلى امتلاك أي سلاح نووي أو تطويره أو الحصول عليه مستقبلا.
رغم اختلاف القادة والتوقيت والصيغة، فإن الاتفاقين وُقعا في مدن أوروبية. فقد وقع وزير خارجية أوباما على اتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة" مع إيران في العاصمة النمساوية فيينا عام 2015، في حين وقع ترمب مذكرة التفاهم إلكترونيا في العاصمة الفرنسية باريس أمس الأربعاء.
وكشفت تسريبات صحفية أن العاصمة السويسرية جنيف كانت تستعد لاستضافة مراسم توقيع مذكرة التفاهم الثنائية بحضور الرئيس الأمريكي ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف غدا الجمعة، قبل أن يعلن مسؤول في البيت الأبيض لشبكة فوكس نيوز إلغاء التوقيع الرسمي هناك في أعقاب التوقيع الإلكتروني الذي شهده قصر فرساي.
ويخيم الغموض على مصير هذه المراسم، إذ لم يصدر حتى الآن أي تأكيد رسمي بشأن إلغاء التوقيع في جنيف تماما، أو عقده في موعد لاحق.
رغم أن ترمب يقدّم مذكرته الجديدة مع إيران بوصفها بديلا أكثر فاعلية من الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما، فإن المقارنة بين الوثيقتين تكشف عن اختلافات جوهرية تتجاوز مجرد التفاصيل الفنية، لتشمل طبيعة الاتفاق نفسه والأطراف المشاركة فيه والقضايا التي يعالجها.
يكمن الفارق الأول في طبيعة الوثيقتين. فقد جاءت اتفاقية أوباما مع إيران بصفتها اتفاقا نهائيا ومفصَّلا، يحدد بصورة دقيقة الالتزامات النووية الإيرانية وآليات الرقابة الدولية وجدول رفع العقوبات.
أما مذكرة ترمب الجديدة، فلا تزال إطارا مؤقتا يهدف إلى رسم مسار التفاوض نحو اتفاق أشمل خلال 60 يوما، مع إمكانية التمديد إذا اتفق الطرفان. ولذلك تفتقر المذكرة الحالية إلى كثير من التفاصيل الفنية التي تضمّنها اتفاق أوباما.
شمل الاتفاق الذي أُبرم في عهد أوباما كلا من الولايات المتحدة وإيران، إضافة إلى الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا وبريطانيا و الاتحاد الأوروبي (مجموعة "5+1″) أطرافا رئيسيين، في حين تقوم مذكرة ترمب الحالية بالأساس على تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران فقط.
ويعود ذلك إلى اختلاف البيئة السياسية التي وُلد فيها كل اتفاق. فقد جاء اتفاق أوباما في إطار جهود دبلوماسية متعددة الأطراف لمعالجة البرنامج النووي الإيراني، في حين جاءت مذكرة ترمب في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران المندلعة منذ نهاية فبراير/شباط الماضي، وتحمل في طياتها ترتيبات مرتبطة بوقف إطلاق النار وتداعيات الحرب.
شكّل البرنامج النووي الإيراني جوهر اتفاق 2015، الذي تضمّن قيودا واضحة ومحددة على أنشطة التخصيب ومخزون اليورانيوم، إلى جانب نظام رقابي موسع تقوده الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان أن يكون البرنامج خالصا لأغراض سلمية.
وكان اتفاق أوباما يتألف من 18 صفحة، مصحوبا بعشرات الصفحات من التفاصيل الإضافية بشأن عناصر محددة من البرنامج النووي والرصد ورفع العقوبات.
في المقابل، تكتفي مذكرة ترمب -المؤلفة من 14 فقرة فقط- بتأكيد التزام إيران بعدم امتلاك سلاح نووي أو تطويره، من دون تحديد الآليات العملية لتحقيق ذلك. وترجئ الوثيقة جميع القضايا الفنية المتعلقة بالتخصيب والرقابة ومصير المواد النووية إلى المفاوضات اللاحقة، مما يجعلها أقل تفصيلا بكثير من اتفاق أوباما.
ربطت خطة العمل الشاملة المشتركة رفع العقوبات عن إيران بأهداف محددة تتعلق ببرنامجها النووي. أما الاتفاق الحالي، فتلتزم الولايات المتحدة صراحة بإنهاء "جميع أنواع العقوبات" المفروضة على إيران، وفقا لـ"جدول زمني متفق عليه ضمن الاتفاق النهائي"، حسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز.
كما يبرز اختلاف آخر في آلية تخفيف العقوبات. فقد ربطت خطة العمل الشاملة المشتركة رفع العقوبات الدولية بخطوات محددة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وبعمليات تحقق تنفذها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في حين تنص مذكرة ترمب على التزام واشنطن بإنهاء مختلف أشكال العقوبات المفروضة على إيران وفقا لجدول زمني يتم الاتفاق عليه في إطار التسوية النهائية، مع منح إعفاءات فورية لصادرات النفط والمنتجات البترولية الإيرانية، وهو ما أثار جدلا داخل الأروقة السياسية الأمريكية بشأن حجم المكاسب المبكرة التي قد تحصل عليها طهران.
ومن أبرز البنود المستحدثة في مذكرة ترمب، إنشاء صندوق لا تقل قيمته عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار إيران وتنميتها الاقتصادية، بمشاركة الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين.
ويُعَد هذا البند سابقة لم تتضمنها مفاوضات عام 2015، إذ لم يكن الملف الاقتصادي أو إعادة الإعمار جزءا من الاتفاق النووي حينئذ. كما تنص المذكرة على تقديم التراخيص والإعفاءات اللازمة للمعاملات المرتبطة بهذا الصندوق. وصرّح مسؤولون في إدارة ترمب بأن إيران لن تحصل على هذه المزايا المالية وتخفيف العقوبات إلا إذا امتثلت لالتزاماتها بموجب الاتفاقات، لكنهم لم يحددوا بالضبط ما الذي يتعين عليها فعله لتكون مؤهلة للحصول على أموال إعادة الإعمار.
رغم تأكيد ترمب أن الاتفاق الجديد سيشكل "جدارا" يمنع إيران من تطوير أسلحة نووية، فإن الحكم على مدى صرامته مقارنة باتفاق أوباما ما زال سابقا لأوانه.
فالمذكرة الحالية ما زالت وثيقة مؤقتة لم تتحول بعد إلى اتفاق نهائي، كما أن كثيرا من القضايا الأساسية المتعلقة بالتخصيب والرقابة والعقوبات لم تُحسم بعد. وبينما يصر ترمب على أن اتفاقه يتجاوز ما حققته إدارة أوباما، يبقى تقييم نجاحه أو فشله مرهونا بما ستسفر عنه المفاوضات خلال الأسابيع المقبلة، ومدى إمكانية تحويل هذه المبادئ العامة إلى التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة