مقال رأي: نهائي رقصة الديك المذبوح
الجزائرالٱن _ ما حدث مساء الجمعة في ملعب “ستاد دو فرانس” تجاوز حدود الرياضة بكثير. لم يكن نهائي كأس فرنسا مجرد مناسبة كروية، بل تحوّل إلى منصة ذات طابع سياسي استُخدمت لتوجيه رسائل ضغط نحو الجزائر في قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز.
قبل انطلاق المباراة، وُزعت وشاحات تحمل شعارا يطلب الحرية لغليز على الحاضرين، وظهر والداه في لحظة مشحونة بالعاطفة داخل الملعب، وهما يعطيان إشارة انطلاق المقابلة، فيما تولّى المعلّق الرسمي تذكير المشاهدين بعدد أيام احتجازه، وكل ذلك كان تحت أنظار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الحاضر في المدرجات.
بدا المشهد أقرب إلى إخراج مُسبق الترتيب، لا إلى مبادرة عفوية داخل حدث رياضي يفترض أن يبقى بعيدًا عن الرسائل السياسية المباشرة.
وتزداد دلالة هذا المشهد حين يُقارن بالسلوك الدبلوماسي الفرنسي نفسه، إذ تتحرك باريس في الوقت ذاته عبر القنوات الرسمية وغير الرسمية بحثًا عن تسوية مع الجزائر.
هذا التناقض بين خطاب هادئ خلف الأبواب المغلقة واستعراض جماهيري داخل ملعب مكتظ يكشف ارتباكًا أكثر مما يعكس قوة، ويطرح تساؤلًا حول جدوى خلط السياسة بالرياضة بهذا الشكل.
بدا المشهد، بكل تفاصيله، أشبه بـ”رقصة الديك المذبوح”؛ فالديك، رمز الكرة الفرنسية، نزل هذه المرة من شعارات الملاعب إلى ساحة الضغط السياسي، في استعراض صاخب حاول تعويض ما عجزت عنه الدبلوماسية الفرنسية بعيدًا عن المدرجات.
ومن هنا تحديدًا، تبدو باريس وكأنها لا تُدرك حساسية المقاربة الجزائرية لهذه الملفات.
فالجزائر لا تتعامل مع هذه التحركات بوصفها تضامنًا مع حرية الصحافة، بل تراها محاولة ضغط على مسار قضائي داخلي، ونقلًا للقضية إلى ساحة الرأي العام.
وفي هذه الحالة، يتحول ما يُقدَّم كرسالة إنسانية إلى عنصر توتر إضافي بدل أن يكون مدخلًا للحل.
وتبرز المفارقة أكثر حين تُستحضر الشعارات التي رفعتها أطراف فرنسية، من قبيل الحرية والكرامة والدفاع عن الصحافيين، والتي فقدت جزءًا من ثقلها حين أُدرجت داخل مشهد جماهيري في مباراة نهائية.
فهذه القيم، مهما كانت نبيلة في أصلها، لا تكتسب معناها الحقيقي حين تتحول إلى أدوات استعراض، بل حين تُمارَس عبر مؤسساتها ومساراتها الهادئة.
في المحصلة، لم يُظهر ما جرى في “ستاد دو فرانس” قوة فرنسية بقدر ما عكس حدود هذا النمط من التوظيف الرمزي.
فحين تُستدعى كرة القدم لتقوم بدور الدبلوماسية، لا يبدو المشهد تعبيرًا عن نفوذ، بل أقرب إلى “رقصة ديك”؛ ضجيج كبير، حركة مكثفة، وإيقاع عاطفي مرتفع… لكنه في النهاية لا يغيّر اتجاه النتيجة، بل يكشف ارتباك اللحظة أكثر مما يصنع تأثيرًا حقيقيًا.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة