آخر الأخبار

هندسة سيادية للتجارة الخارجية.. الجزائر تطلق معركة الذكاء الاقتصادي ضد "مافيا الفواتير"

شارك
بواسطة محمد بلقور
مصدر الصورة
الكاتب: محمد بلقور

هندسة سيادية للتجارة الخارجية.. الجزائر تطلق معركة الذكاء الاقتصادي ضد “مافيا الفواتير”

الجزائرالٱن _ في خطوة تعكس حزماً حكومياً غير مسبوق لحماية المقدرات المالية للدولة وتحصين الاقتصاد الوطني، تتجه الحكومة نحو إعادة هيكلة جذرية لآليات الرقابة على التجارة الخارجية.

وتأتي هذه الخطوة عبر المرسوم التنفيذي الجديد رقم 26-199، الذي وقعه الوزير الأول سيفي غريب، ليمنح وزارة التجارة الخارجية وترقية الصادرات صلاحيات واسعة النطاق، تنقلها من مربع تسيير المعاملات الإدارية إلى قيادة جبهة سيادية تحمي الخزينة العمومية وتكبح نزيف العملة الصعبة.

المرسوم الذي صدر في العدد الأخير من الجريدة الرسمية، لم يكن مجرد تعديل قانوني عابر، بل يمثل استجابة فورية لتوجيهات القيادة السياسية بضرورة سد الثغرات التي تكلف الاقتصاد الوطني مئات الملايين من الدولارات، وتأسيس بيئة تجارية شفافة وعادلة.

ترسانة قانونية جديدة لضبط المعابر ومحاربة الإغراق

بموجب المرسوم رقم 26-199 المؤرخ في 16 ماي 2026 (المتمم للمرسوم 25-97)، أضيفت المادة “6 مكرر” التي تمنح وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات مهام استراتيجية غير مسبوقة.

وتضع هذه الصلاحيات الوزير في قلب عملية الرقابة عبر السهر على تحديد السياسة الوطنية في مجال الرقابة على عمليات الاستيراد والتصدير بالتنسيق مع القطاعات المعنية.

مصدر الصورة

وتمتد ذراع الرقابة الجديدة لتشمل المعابر الحدودية البرية والجوية والموانئ والمناطق الحرة والمخازن تحت الجمركة، فضلاً عن متابعة استيراد وتصدير الخدمات، ووضع حيز التنفيذ رخص الاستيراد التلقائية.

ولم يغفل التشريع الجديد الجانب الحمائي، إذ أوكل للوزارة اتخاذ التدابير الصارمة لفرض احترام تأطير عمليات الاستيراد والتصدير، والتصدي الشرس للممارسات التجارية غير المشروعة، وعلى رأسها سياسات الإغراق والدعم الأجنبي وتزايد الواردات التي تهدد بقاء المؤسسات الوطنية.

مواجهة مفتوحة مع “عصابات الفواتير”

يأتي هذا التحرك الحكومي الاستراتيجي بعد أسابيع قليلة من التصريحات المكشوفة لرئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، والتي أزاحت الستار عن تجاوزات خطيرة تسببت في تكبيد خزينة الدولة نحو 350 مليون دولار جراء محاولات لتخفيض الفواتير.

الرئيس تبون أكد بنبرة حازمة أن الدولة التي نجحت في التخلص من عصابة تضخيم الفواتير، تقف اليوم بالمرصاد لشبكة جديدة تعتمد الأسلوب المعاكس، بهدف التهرب الضريبي والإضرار بالخزينة.

مصدر الصورة

هذا التلاعب المزدوج بالفوترة، سواء بالزيادة لتهريب العملة الصعبة أو بالتخفيض للتهرب الجمركي، استدعى تحركاً تشريعياً يضع مؤشرات المخاطر في قلب الرقابة التجارية.

انتقال من الرقابة الشكلية إلى إدارة المخاطر

في قراءة تحليلية معمقة لأبعاد هذا المرسوم، يرى الخبير الاقتصادي والدكتور المحاضر بجامعة الجزائر 3، هواري تيغرسي، في تصريحات خاصة لصحيفة “الجزائر الآن” الإلكترونية، أن النص الجديد يمثل “خطوة نوعية ومحورية” تنقل الدولة من منطق الرقابة الإدارية التقليدية القائمة على الوثائق الشكلية، إلى منطق حديث وحيوي يعتمد على “إدارة المخاطر الاقتصادية والتجارية”.

مصدر الصورة

ويوضح الدكتور تيغرسي أن هذا التوجه يمنح الوزارة الوصية قدرة التدخل الوقائي بناءً على مؤشرات استباقية وقواعد بيانات وطنية شاملة للأسعار، والبلدان، والمتعاملين.

ويشكل التنسيق المباشر مع مصالح الجمارك والمنظومة المصرفية لتتبع العمليات التجارية من التوطين البنكي وحتى وصول السلعة إلى الأسواق، حجر الزاوية في هذه الآلية الرقابية.

جبهة موحدة لكبح الإغراق السلعي واستنزاف الاحتياطيات

ويبرز الخبير الاقتصادي أهمية تمكين وزير التجارة الخارجية من اقتراح “مؤشرات مخاطر وطنية” ترصد التلاعب بالفوترة، معتبراً أن هذه المقاربة المزدوجة هي الرد الأمثل على تحايلات تضخيم وتخفيض الفواتير التي حذر منها رئيس الجمهورية.

ويحذر تيغرسي من أن هذه الممارسات لا تكتفي بضرب الخزينة العمومية وخلق اقتصاد موازٍ فحسب، بل تشكل ضغطاً مباشراً يستنزف احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي.

كما يؤكد أن تفعيل رخص الاستيراد التلقائية كآلية جديدة سيضمن تأطيراً شفافاً وعادلاً، يمكن الوزارة من اتخاذ تدابير ردعية تواجه الممارسات غير المشروعة، خاصة الإغراق السلعي الذي يتربص بالمنتج المحلي.

الرقمنة والتنسيق المؤسساتي .. رهانات النجاح

ورغم الإشادة بالترسانة القانونية المستحدثة، يرهن الدكتور تيغرسي نجاح هذه الإجراءات بالقدرة على بناء “ذكاء اقتصادي وتجاري مستدام”، مدعوم بربط إلكتروني شامل وتحيين فوري لقواعد البيانات العالمية.

ويشير إلى أن شبكات التحايل أضحت عابرة للحدود عبر شركات وسيطة وملاذات ضريبية، ما يستوجب أدوات استخباراتية وتقنية تتجاوز حدود النصوص الجامدة.

ولضمان الفعالية القصوى للمنظومة الجديدة، يحدد الخبير الاقتصادي تحديات حاسمة تتمثل في ضرورة فرض “تنسيق مؤسساتي صارم” وتبادل آني للمعلومات بين الجمارك، البنوك، وزارة التجارة، الضرائب، وهيئات مكافحة تبييض الأموال.

كما يشدد على حتمية “تأهيل العنصر البشري” مالياً ورقمياً، وتحقيق معادلة “المرونة والرقابة” لتفادي السقوط في فخ البيروقراطية وحماية المتعاملين النزهاء.

أداة سيادية تعيد صياغة قواعد اللعبة

في المحصلة، يبرز المرسوم التنفيذي 26-199 كأداة سيادية تعيد صياغة قواعد اللعبة في قطاع التجارة الخارجية. لم يعد الأمر مقتصراً على مجرد تتبع لحركة السلع، بل بات جبهة دفاع متقدمة لحماية الاقتصاد الوطني من نزيف مالي مستتر.

وإذا كانت النصوص القانونية قد أرست الأساس المتين، فإن التحدي الحقيقي يكمن في الميدان؛ حيث سيكون التنسيق المؤسساتي، والذكاء الرقمي، والصرامة في التنفيذ، هي المحددات الفعلية لنجاح الجزائر في طي صفحة “مافيا الفواتير” وتأسيس بيئة استثمارية شفافة وعادلة.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا