باريس تلعب بالنار.. ازدواجية الخطاب الفرنسي تُجهض مساعي التطبيع مع الجزائر
الجزائرالٱن _ لم تكد حقيبة وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان تُغلق بعد عودته من الجزائر، حتى فتح وزير الخارجية جون نويل بارو النار من الرباط على كل ما أُنجز من مساعٍ دبلوماسية بشق الأنفس.
ففي تصريحات بثّها عبر الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الفرنسية، على هامش “المؤتمر الوزاري الثاني حول حفظ السلام في الفضاء الفرانكفوني”، لم يتردد بارو في تبنّي الموقف المغربي من قضية الصحراء الغربية بصورة سافرة ومستفزة، قائلًا: “بالعودة إلى الصحراء التي أعلم أنها مسألة وجودية بالنسبة للمغرب، ولكنها أيضًا ذات أهمية استراتيجية لفرنسا والمنطقة.
كما تعلمون موقف فرنسا، كما قال رئيس الجمهورية، فإن حاضر هذه المنطقة ومستقبلها يقعان ضمن إطار السيادة المغربية”.
ولم يكتفِ بذلك، بل ذهب أبعد حين أكد أن “خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب هي الأساس الوحيد لحل سياسي عادل ودائم وقابل للتفاوض”، متباهيًا بما قدمته فرنسا من دعم ميداني لمغربة الصحراء.
إذ قال: “كما أعلنتُ في عام 2024، فقد عززنا وجودنا القنصلي وأنشطتنا الثقافية، بافتتاح مركز لتقديم طلبات التأشيرة وإنشاء مركز التحالف الفرنسي في العيون.
وقد افتتحنا للتو مدرسة جديدة هناك، وتستثمر شركاتنا، وتدعمها الوكالة الفرنسية للتنمية وشركاؤنا، وهذه مجرد بداية”.
تصريحات وُصفت بأنها “طائشة وغير مسؤولة” من دبلوماسي يُفترض أن يدرك ثقل الكلمات وتداعياتها، لا سيما أنها صدرت بعد يومين فقط من زيارة دارمانان للجزائر، في مشهد يكشف بجلاء أن القرار الفرنسي لا يصدر عن مرجعية واحدة متسقة، بل هو ساحة تجاذب بين أكثر من مركز نفوذ.
صناعة القرار في باريس تعاني من أزمة هيكلية
في هذا السياق، لا يتردد الدكتور بلقاسم بوشوشة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قسنطينة، في وصف ما يجري بأنه “أزمة هيكلية في صنع القرار الفرنسي، لا مجرد تجاوز فردي من وزير متهور”.
ويقول لـ”الجزائر الآن”: “ما نشهده هو نتاج تعدد مراكز القرار في فرنسا؛ فبينما تسعى أطراف فرنسية إلى إعادة بناء جسور الثقة مع الجزائر، تعمل أطراف أخرى داخل المنظومة ذاتها على تخريب هذا المسار، إما لأسباب تتعلق بالعلاقة التاريخية مع المغرب، وإما لحسابات داخلية تجعل من الملف الجزائري ورقة ضغط لا قضية شراكة حقيقية”.
ويُضيف الدكتور بوشوشة أن “الجزائر لا يمكنها بناء علاقات استراتيجية ندّية مع دولة تتحدث بلسانين في آنٍ واحد. الثقة تُبنى بالأفعال لا بالزيارات، وما حدث في الرباط هو رسالة واضحة مفادها أن باريس لم تُفصح بعد عن نيتها الحقيقية في طبيعة العلاقة التي تريد إقامتها مع الجزائر”.
ويرى الأستاذ ذاته أن المقارنة مع الموقف الإسباني تكشف المستور، إذ أقلعت مدريد كليًا عن الخوض علنًا في ملف الصحراء الغربية عقب تغيير موقفها، في حين تواصل باريس استفزازاتها بصورة شبه منتظمة، “وهذا يُثبت أن ما تفعله إسبانيا ممكن، وأن الإصرار الفرنسي على هذا النهج هو خيار سياسي واعٍ لا ضرورة دبلوماسية”.
ملعب “ستاد دو فرانس”.. حين تتحول الرياضة إلى ضغط سياسي
لم تكن تصريحات بارو وحدها كافية لتصوير حجم الاستفزاز الفرنسي، فقد جاء نهائي كأس فرنسا لكرة القدم، مساء الجمعة، ليضيف بعدًا جديدًا وأكثر استفزازًا لهذا المشهد.
فعلى ملعب “ستاد دو فرانس” قرب باريس، الذي جمع نادي لانس بأولمبيك نيس، تحوّل الحدث الرياضي الكبير إلى منصة سياسية مكشوفة للمطالبة بالإفراج عن الصحفي كريستوف غليز المحكوم عليه بسبع سنوات سجنًا في الجزائر بتهمة “تمجيد الإرهاب”.
فبمبادرة مشتركة من منظمة “مراسلون بلا حدود” والاتحاد الفرنسي لكرة القدم، وُزِّع أكثر من 800 وشاح تحمل عبارة “الحرية لكريستوف غليز” على الحاضرين في المنصة الرسمية والصحفيين، وأعطى والدا الصحفي المحتجز إشارة انطلاق المباراة بشكل رمزي.
فيما حرص معلق المقابلة على القنوات الفرنسية، وبشكل مسبق التنظيم، على الإشارة إلى عدد أيام احتجاز غليز خلال التغطية، وكل هذا جرى تحت أنظار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحاضر في المدرجات.
وقال تيبو بروتان، المدير العام لمنظمة مراسلون بلا حدود، إن “نهائي كأس فرنسا تحوّل إلى منصة لتوعية عامة الناس بقضية الصحفي المحتجز”، فيما صرّح رئيس الاتحاد الفرنسي لكرة القدم فيليب ديالو بأن الاتحاد “مرتبط ارتباطًا عميقًا بقيم الحرية والكرامة”، داعيًا إلى الإفراج عن غليز “في أسرع وقت ممكن”.
توظيف الرياضة.. ورقة ضغط فاقدة للحكمة
يصف الدكتور بوشوشة هذا التوظيف السياسي للحدث الرياضي بأنه “خطأ استراتيجي فادح يكشف قِصَر النظر لدى صانع القرار الفرنسي”.
ويوضح لـ”الجزائر الآن”: “في الوقت الذي تلجأ فيه باريس إلى المسؤولين الجزائريين طالبةً العفو عن غليز بالقنوات الدبلوماسية، تُحوّل في الوقت ذاته ملعب كرة القدم إلى ساحة استعراض إعلامي ضد الجزائر أمام الرأي العام الفرنسي والدولي.
هذا النهج لا يُساعد على إطلاق سراح أي صحفي، بل يُعقّد المشهد ويُضيّق هامش المناورة الدبلوماسي”.
ويضيف: “الجزائر دولة ذات سيادة، وقضاؤها أصدر حكمًا مرّ بمرحلة الاستئناف وأُكِّد. فرنسا بدلًا من احترام المسارات الدبلوماسية الهادئة، تختار التصعيد الإعلامي، وهذا يُفسَّر في الجزائر على أنه تدخل سافر في الشأن القضائي الداخلي، لا دفاعًا عن حرية الصحافة”.
تأجيل زيارة سعيود.. مؤشر لا يمكن تجاهله
في هذا المناخ المشحون، أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز تأجيل زيارة نظيره الجزائري سعيد سعيود إلى باريس، وإن تذرّع بانشغالات في أجندته الحكومية.
غير أن المتابعين للشأن الجزائري الفرنسي يرون في هذا التأجيل مؤشرًا يصعب عزله عن سياقه، لا سيما أن التصريحات الاستفزازية لوزير العدل دارمانان عقب عودته من الجزائر سبقت هذا الإعلان مباشرة، وقد تكون أسهمت في تبريد زخم التقارب الذي حُقق بجهود حثيثة، كان للمسؤولة الفرنسية سيغولين روايال، رئيسة جمعية فرنسا الجزائر، الفضل الأكبر في تحقيقه.
ويختم الدكتور بوشوشة بقوله: “فرنسا أمام خيار حقيقي؛ إما أن تُعيد هيكلة خطابها وتوحّده خلف مرجعية واحدة تعترف بالجزائر شريكًا ندّيًا يستحق الاحترام، وإما أن تواصل هذا النهج الازدواجي الذي لن يُفضي إلى تطبيع حقيقي، بل إلى إدارة مستمرة لأزمة متجددة. والكلمة الأخيرة في ذلك للجزائر التي أثبتت تاريخيًا أنها لا تُساوم على كرامتها”.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة