الجزائر وتركيا تُطلقان عهداً جديداً: من الزيارات المتبادلة إلى الشراكة الاستراتيجية
الجزائرالٱن _ ليست المرة الأولى التي يلتقي فيها الرئيسان تبون وأردوغان، لكنها المرة التي يختلف فيها المآل. فمنذ مساء الأربعاء 6 ماي حين استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نظيره الجزائري عبد المجيد تبون في مطار إيسنبوغا الدولي بأنقرة، وأنقرة تُعلن رسمياً عبر دائرة الاتصال بالرئاسة أن ما يجري ليس زيارة عادية، بل هو إطلاق لمرحلة استراتيجية جديدة في علاقة البلدين.
سبع سنوات من التراكم الدبلوماسي والاقتصادي بلغت يوم الخميس ذروتها بانعقاد الدورة الأولى لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، وهي آلية لم تعرفها العلاقة الجزائرية التركية من قبل.
ثلاث زيارات رسمية في سبع سنوات: مسار لم يتوقف
الزيارة الحالية هي الثالثة للرئيس الجزائري إلى تركيا منذ توليه الرئاسة في نهاية 2019. الأولى كانت في ماي 2022 .
وشهدت توقيع اتفاقيات في الطاقة والمناجم والصناعة، والثانية في جويلية 2023 ذات الطابع الاقتصادي التشغيلي، أما هذه فهي الأعمق صياغةً والأوسع أثراً.
في المقابل زار أردوغان الجزائر مرتين، الأولى في جانفي 2020 حين كان أول رئيس يلتقي الرئيس تبون بعد انتخابه، والثانية في نوفمبر 2023. هذا الإيقاع المتواصل من الزيارات المتبادلة على مستوى القمة يكشف أن البلدين يتعاملان مع علاقتهما كأولوية استراتيجية وليس مجرد دبلوماسية روتينية.
وقد أعلنت دائرة الاتصال بالرئاسة التركية على لسان رئيسها برهان الدين دوران، في تدوينة نقلتها وكالة الأناضول يوم الثلاثاء، أن الزيارة الممتدة من 6 إلى 8 ماي ستُتوَّج بانعقاد الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى الخميس بمشاركة وزراء من الجانبين.
وأن المجلس سيُخصَّص لتقييم العلاقات الثنائية في كل أبعادها وتبادل وجهات النظر حول التطورات الإقليمية والدولية، مع توقيع اتفاقيات متعددة تُعزز الإطار التعاقدي للعلاقة.
مجلس استراتيجي من طراز مختلف
يمنح انعقاد مجلس التعاون الاستراتيجي مع الجزائر دلالة أعمق حين يُقرأ في سياقه الإقليمي. فقد أطلقت تركيا آلية مماثلة مع مصر في سبتمبر 2024، وعقدت دورتها الثانية في القاهرة في فيفري 2026، وتضمنت تلك التجربة إعلاناً مشتركاً موسعاً تناول الملفات الثنائية والإقليمية بالتفصيل.
وها هي أنقرة تستنسخ النموذج مع الجزائر في توقيت يشي بأن تركيا تبني منظومة من الشراكات الاستراتيجية المؤسسية في محيطها العربي والإفريقي.
لا يعني ذلك أن المسارين متطابقان، فلكل شراكة خصوصيتها، غير أن المنطق التركي في التعامل مع الجزائر واضح؛ تحويل العلاقة من دينامية القمم إلى هيكل منتظم للتشاور والمتابعة.
اتفاقيات تعكس عمق الشراكة وتنوعها
من المتوقع أن تسفر الزيارة عن حزمة اتفاقيات تعكس في تنوعها أن ما يُبنى بين الجزائر وتركيا يتجاوز المصالح الاقتصادية الضيقة.
في مقدمة هذه الاتفاقيات مذكرة تعاون بين وكالة الفضاء الجزائرية ووكالة الفضاء التركية، وهو مجال استراتيجي رفيع بامتياز.
ثم اتفاق بين سوناطراك وشركة بوتاش التركية لأنابيب البترول يتعلق بشراء وبيع الغاز الطبيعي المميع، يُكرِّس الجزائر موردًا طاقوياً لا غنى عنه لتركيا.
وامتدت الاتفاقيات لتشمل التعاون في مجالات الصحة بين المؤسسة الاستشفائية للحروق بزرالدة ومستشفى باشاك شهير التركي، والأرشيف، وحماية المستهلك، والبيئة، والإنتاج السينمائي المشترك، والتعليم العالي والمنح الدراسية، فضلاً عن اتفاق بين المكتبتين الوطنيتين لكلا البلدين.
ولعل أهم ما وُقِّع في باب المستقبل هو إعلان النية لإبرام اتفاق التجارة التفاضلي بين الجزائر وتركيا، الذي سيُعيد رسم قواعد التبادل التجاري بين البلدين على أسس مغايرة.
الاقتصاد: أرقام تتحدث عن إرادة مشتركة
خلف هذه الاتفاقيات واقع اقتصادي ضخم تراكم خلال سنوات. أشار سفير تركيا في الجزائر محمد مجاهد كوتشوك يلماز إلى أن نحو 1600 شركة تركية تنشط حالياً على الأرض الجزائرية باستثمارات تجاوزت 7.7 مليارات دولار، وأن حجم التبادل التجاري يناهز 6.5 مليارات دولار مع هدف مشترك أعلنه الجانبان لرفعه إلى 10 مليارات دولار بحلول 2030. وارتفع عدد الرحلات الجوية الأسبوعية بين البلدين من 35 إلى 80 رحلة، وافتتح بنك الزراعة التركي فرعه الأول في الجزائر مطلع 2025، ودُشِّنت قنصلية عامة تركية في وهران.
ويسعى الرئيس تبون خلال هذه الزيارة إلى إشراك تركيا في مشاريع استراتيجية كبرى، في مقدمتها مشروع قطارات الجنوب نحو الحدود مع مالي والنيجر، ومشروع توسيع استثمارات مجمع توسيالي في صناعة الحديد، خاصة مع انطلاق استغلال منجم غارا جبيلات المصنَّف بين أكبر احتياطات الحديد في العالم.
توقيت الزيارة: قراءة في المحيط الإقليمي والدولي
لا تأتي هذه الزيارة في فراغ. فهي تنعقد في خضم مشهد دولي متقلب تتصاعد فيه وتيرة التنافس على محاور النفوذ، وفي سياق جزائري داخلي يُعيد فيه الرئيس تبون رسم خريطة شراكات بلاده بنَفَس طويل.
فقبل أيام قليلة من السفر إلى أنقرة، ترأس اجتماع مجلس الوزراء الذي تناول اتفاقيات التعاون الثنائي مع النيجر وتشاد، ووجّه بتسريع إنجاز محطة إنتاج الطاقة في النيجر خلال ثلاثة أشهر،
وهو مؤشر على أن الجزائر تبني في الوقت ذاته ثلاثة مسارات متوازية؛ شمالاً نحو أوروبا، شرقاً نحو تركيا وآسيا، وجنوباً نحو العمق الإفريقي. وفي هذا الإطار تكتسب الزيارة إلى أنقرة معناها الكامل؛ إنها ليست مجرد تعزيز علاقة ثنائية، بل تجسيد لخيار استراتيجي أشمل يقوم على تنويع الشراكات وتجنب الاصطفاف في محاور جاهزة.
أردوغان والجزائر: رهان مزدوج على الغاز والجوار الإفريقي
من الجانب التركي، ليس الاهتمام بالجزائر وليد اليوم. فقد أكد أردوغان منذ زيارته الأولى للجزائر عام 2020 أن تركيا لا تفصل أمن الجزائر واستقرارها عن أمنها واستقرارها هي، وهو توصيف نادراً ما يستخدمه الرئيس التركي مع دول أخرى.
ويُفسِّر هذا التوجه اهتمامَ أنقرة الاستراتيجي المتنامي بالجزائر على ثلاثة مستويات؛ أولها الطاقة، إذ باتت الجزائر شريكاً لا يُستغنى عنه في تأمين احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي.
وثانيها السوق الاقتصادية الواسعة والمتنامية التي تُمثِّلها الجزائر مع اقتصاد متجاوز 300 مليار دولار. وثالثها البوابة الجغرافية نحو إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تسعى تركيا منذ سنوات إلى تعزيز حضورها في القارة.
ملف مالي في قلب النقاشات: توافق الأهداف وتباين الأدوار
لا يمكن اختزال هذه الزيارة في أبعادها الاقتصادية دون استحضار ما ينتظر الرئيسين من ملفات إقليمية شائكة.
وفي مقدمتها الأزمة المالية التي تضع الجزائر وتركيا أمام امتحان حقيقي لدبلوماسيتهما المشتركة. فتركيا حليف للسلطة الانتقالية في باماكو تُمدّها بالطائرات المسيّرة، فيما تُعلن الجزائر على لسان الرئيس تبون اقتناعها بقدرة الشعب المالي على تجاوز أزمته، وتؤكد استعدادها لتقديم المساعدة متى طُلبت.
هذا التناقض الظاهر بين دعم أنقرة العسكري لباماكو وموقف الجزائر الداعي إلى الحوار يجعل ملف مالي من أكثر النقاشات حساسية في هذه القمة. والجزائر تأمل في استثمار ثقلها مع تركيا للضغط نحو تهدئة تُعيد مسار التسوية السياسية إلى الواجهة. أما ليبيا فتظل ملفاً مشتركاً يجمع البلدين في ضرورة الحل السياسي، وإن تباينت مواقعهما من الأطراف المختلفة.
ما الذي تغيَره فعلاً بعد هذه الزيارة؟
الإجابة المختصرة؛ تغيرت البنية لا فقط المحتوى. فإطلاق مجلس التعاون الاستراتيجي يعني أن البلدين أنشآ آلية تجعل العلاقة أقل اعتماداً على الإرادات الشخصية وأكثر ارتكازاً على هياكل مؤسسية منتظمة.
بيد أن التجارب المقارنة تُظهر أن قيمة هذه المجالس مرهونة بما تُنتجه من قرارات قابلة للتنفيذ لا بما تصدره من بيانات.
والاختبار الحقيقي سيكون في العام القادم: هل يُترجَم اتفاق التجارة التفاضلي إلى نص موقَّع؟ هل تُطلق مشاريع الجنوب؟ هل يُنتج التنسيق في الملفات الإقليمية نتائج ملموسة؟ هذه الأسئلة وحدها ستُحدد إن كانت أنقرة 2026 محطةً تأسيسية فعلاً، أم مجرد حلقة جديدة في مسلسل زيارات لم يتوقف.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة