آخر الأخبار

مالي تنهار… والجزائر تدير معركة إستراتيجية صامتة على حدودها

شارك
بواسطة بلقور محمد
مصدر الصورة
الكاتب: بلقور محمد

●مالي تنهار… والجزائر تدير معركة إستراتيجية صامتة على حدودها

الجزائر الآن – ثمة لحظات في تاريخ الدول تنكسر فيها كل الحسابات دفعةً واحدة،ما شهدته مالي يوم الخامس والعشرين من أفريل 2026 كان من هذا الصنف النادر.

في اليوم ذاته، انفجرت عبوات ناسفة في باماكو وكاتي وسيفاري، وسقطت كيدال في يد جبهة تحرير أزواد، وأُعلن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا.

ثلاثة أحداث في جغرافيات متباعدة، في ساعات متقاربة، لا يمكن أن تكون مصادفة.

إنها رسالة عسكرية مكثّفة مفادها أن الدولة المالية لم تعد تسيطر على ترابها، ولا على أمن عاصمتها، ولا على قيادتها العسكرية في آنٍ واحد.

مصدر الصورة

الدكتورة جميلة محمدي، الخبيرة في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، رصدت لـ “الجزائر الآن” أبعاد هذا الانهيار وما يعنيه للجزائر التي تتشارك مع مالي أكثر من ألفَي كيلومتر من الحدود المفتوحة على الفوضى .

●يوم غيّر كل شيء

لفهم حجم ما جرى، تضع محمدي الأحداث في سياقها الكامل.

●كيدال ليست مجرد مدينة شمالية.

إنها في الذاكرة السياسية المالية رمز السيادة المسترجعة، المدينة التي استعادتها قوات باماكو عام 2023 بدعم مكثف من المرتزقة الروس بعد سنوات من الغياب.

مصدر الصورة

سقوطها اليوم يعني أن هذا الاسترداد كان وهماً عسكرياً لا إعادة بناء حقيقية للدولة.

أما مقتل وزير الدفاع، فيُحدث ما هو أخطر من الفراغ القيادي، إذ يكشف أن المسلحين باتوا يطالون رأس المنظومة الأمنية ذاتها، في إشارة إلى اختراق يتجاوز حدود المعارك الميدانية.

وفي الجنوب، تُظهر الهجمات المتزامنة على العاصمة والمدن المحيطة بها أن ما يسمى بتحالف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وفصائل الطوارق تجاوز مرحلة الكمون وبات يشتغل بمنطق الحرب الشاملة المنسّقة .

●الجزائر تحرّك قطعها بصمت

أمام هذا المشهد، لا تقف الجزائر مكتوفة اليدين. غير أن محمدي تُميّز بدقة بين نوعين من الحضور؛ الحضور الصاخب الذي يستنزف ويُعقّد، والحضور الفاعل الذي يحمي ويؤثر.

●الجزائر اختارت الثاني

فبدلاً من الانجرار إلى تنسيق ميداني مع حكومة انتقالية لا تتوقف عن إحراق الجسور، تبنّت ما وصفته محمدي بعقيدة “الصمود النشط”، وهي مقاربة أمنية تقوم على ثلاثة أركان متوازية.

اليقظة الحدودية التقنية المتقدمة، والنفَس الدبلوماسي الطويل، وتفعيل قنوات خلفية عبر وسطاء يحتفظون بخيوط التواصل مع مختلف أطراف الأزمة المالية .

مصدر الصورة

●التقنية تعوّض ما أغلقته السياسة

التوتر الدبلوماسي الحاد بين الجزائر وباماكو، الذي بلغ ذروته بإغلاق المجال الجوي أمام الطيران المالي منذ أكثر من عام، لم يُفضِ إلى انكفاء جزائري.

بالعكس، كشفت محمدي أن الجزائر عوّضت غياب التنسيق المباشر بالاستثمار في منظومة رقابة تقنية متطورة.

تشمل الرصد الفضائي لتحركات الجماعات المسلحة على طول الشريط الحدودي، وتفعيل المركز الوطني لمنظومة الطائرات بدون طيار لفرض سيادة جوية فعلية على مناطق لا تستطيع قوات برية الوصول إليها.

مصدر الصورة

وذهبت الجزائر أبعد من ذلك بإلزام كل من يتعامل بالطائرات المسيّرة على أراضيها بالتصريح عنها قبل نهاية أفريل الجاري.

في خطوة تهدف صراحةً إلى تجفيف قناة يستخدمها المهرّبون وشبكات تمويل الإرهاب.

إنها حرب أخرى تُخاض بأدوات أخرى، بعيداً عن الضجيج .

●ورقتا الجزائر اللتان لا تُقارَعان

تمتلك الجزائر في ملف مالي ما لا تمتلكه أي قوة إقليمية أخرى.

●السياسي أولاً: علاقات متجذّرة مع الأطراف السياسية والعسكرية في الشمال المالي، بنيت على مدى عقود من الوساطة الصبورة ومعرفة التضاريس الإنسانية لمنطقة الطوارق.

والاقتصادي ثانياً: استثمارات سوناطراك في حوض تاودني، ذلك النطاق الجيولوجي الواعد الممتد عبر الأراضي المالية، يجعل من الجزائر شريكاً لا تستطيع مالي تجاهله مهما بلغت حدة التوترات، لأن مستقبلها النفطي مرتبط جغرافياً بالعلاقة مع الجار الشمالي.

هذان الثقلان، السياسي والاقتصادي، يجعلان من الجزائر، بحسب محمدي، اللاعب الذي تعود إليه باماكو في نهاية كل أزمة مهما أوغلت في القطيعة .

●عندما يثبت التاريخ أن الجزائر كانت محقة

الخارجية الجزائرية أعربت بوضوح عن أسفها لقرار السلطات الانتقالية في باماكو التنصّل الأحادي من “اتفاق السلم والمصالحة” المنبثق عن مسار الجزائر.

لكن ما كان يبدو موقفاً دبلوماسياً عاطفياً تحوّل اليوم إلى نبوءة ميدانية.

فالتدهور الأمني المتسارع الذي تعيشه مالي منذ تخلّيها عن ذلك الاتفاق يُثبت أن الإطار التفاوضي الذي رعته الجزائر لم يكن ترفاً دبلوماسياً، بل كان الصمام الذي يمنع الانفجار.

وزير الخارجية أحمد عطاف أكد رغم كل ذلك أن الجزائر لن تسحب يدها الممدودة، وأن الدولة الوطنية المتماسكة تبقى الرادع الوحيد الحقيقي للإرهاب.

موقف يبدو في ظاهره مبدئياً، لكنه في عمقه استراتيجي، إذ تدرك الجزائر أن مالي المنهارة على حدودها أخطر بكثير من مالي الغاضبة .

●حين لا يكفي أن تكون محقاً

ما يجري في مالي أفريل 2026 ليس أزمة أمنية عابرة تُحلّ بتعزيز الدوريات وتبادل المعلومات الاستخباراتية.

إنه اختبار وجودي لدولة تسير بخطى متسارعة نحو الانهيار، فيما تجد الجزائر نفسها في الموقف الأصعب أن تكون الأكثر قدرةً على إنقاذ جارتها، والأقل قدرةً على فرض الإنقاذ عليها.

الخبيرة جميلة محمدي لا تخفي أن ما يحدث يضع المقاربة الجزائرية أمام امتحان حقيقي، فـ”الصمود النشط” عقيدة فاعلة حين يكون الطرف الآخر مستعداً للاستماع.

لكن حين تنهار الدولة بسرعة تفوق قدرة الدبلوماسية على اللحاق بها، تصبح اليد الممدودة وحدها غير كافية. الجزائر تعرف ذلك.

وهذا بالضبط ما يجعل ما تفعله الآن أكثر خطورةً وأكثر أهميةً في آنٍ واحد.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا