آخر الأخبار

إنجليزية البابا تُغضب اليمين المتطرف

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

إنجليزية البابا تُغضب اليمين المتطرف

الجزائرالٱن _ لم يكن اختيار البابا ليون الرابع عشر التحدث باللغة الإنجليزية في الجزائر خيارًا لغويًا عاديًا، بل كان مرآةً كاشفة عرت حالة الارتباك التي يعيشها اليمين الفرنسي أمام مشهد لم يعد قادرًا على استيعابه، فالجزائر في قلب الأحداث الكبرى، والفرنسية على الهامش.

صفعة بروتوكولية بمضمون سياسي

منذ أن أعلن الفاتيكان أن البابا لن يتحدث بالفرنسية في الجزائر، وبينما كان قد استخدمها في موناكو، انفجرت ردود فعل الأوساط الفرنسية التي تحن إلى فترة الاستعمار.

فالمسألة عندهم ليست لغوية بالمعنى الأكاديمي، بل هي انهيار رمزي لمنظومة فكرية كاملة كانت تُقنع نفسها بأن الجزائر لا تزال ملحقًا ثقافيًا لفرنسا، وأن الفرنسية هي الخيط الذي يربط البلدين مهما اشتدت التوترات، لكن البابا اختار قطع هذا الخيط بنفسه.

دريانكور.. مرآة الأزمة الفرنسية

أفصح السفير السابق كزافيي دريانكور عن مكنون هذا الخوف حين قال في برنامج “وجهات نظر” عبر قناة “لوفيغارو”: “في الجزائر، لن يتحدث البابا بالفرنسية، في حين أنه فعل ذلك في موناكو.

يبدو أن ليون الرابع عشر قد تبنّى، كما فعلت كنيسة الجزائر، الرواية الجزائرية.

حين زار الرئيس ماكرون الجزائر في أوت 2022، كان مكتوباً على منصته ‘The President of the French Republic’. كل ما يمكن أن يُبعد عن فرنسا وعن الفرنسية والفرنسيين المستعمرين السابقين يُعدّ مكسباً بالنسبة للجزائر.”

والغريب في تحليل دريانكور أنه يُقرّ بالمعطى السيادي الجزائري ثم يرفضه عاطفيًا في الجملة ذاتها.

فحين يستنكر أن “كل ما يبتعد عن فرنسا يُعدّ مكسبًا للجزائر”، هو لا ينتقد سياسةً جزائرية، بل يشكو من أن الجزائر تتصرف كدولة مستقلة ذات إرادة. وهذا بالضبط هو جوهر الأزمة الفرنسية، فبعض دوائرها لم تُسوِّ بعد مع فكرة أن الجزائر ليست امتدادًا لها.

أودول والاعتراف المُر

أما الناطق باسم حزب التجمع الوطني جوليان أودول، فقد ذهب أبعد حين أعلن صراحةً أن فرنسا “دولةً وحكومةً ترتجفان باستمرار” عندما تواجه الجزائر، مضيفًا أن الزيارة البابوية تجسّد المسار الجزائري الحازم نحو تنحية كل ما يربطها بالإرث الفرنسي.

وهنا يقع أودول في تناقض فاضح، فهو يُعلن إفلاس حكومته في التعامل مع الجزائر، ثم يستمر في مطالبتها بعقوبات وضغوط لم تُجدِ يومًا. رجل يُشخّص العجز ثم يقترح مزيدًا منه.

والحقيقة التي لا يقولها أودول هي أن الجزائر لا “تُسقط” الفرنسية بقرار سياسي انتقامي، بل تُوسّع أفقها اللغوي استجابةً لحاجة موضوعية.

فحين تتحول الإنجليزية إلى لغة العلم والتكنولوجيا والشراكات الاستراتيجية، يصبح اعتمادها في الجامعات والخطاب الرسمي قرارًا تنمويًا لا ثأريًا. أن يفهمه اليمين الفرنسي إهانةً موجّهة يكشف أنه لا يزال يرى في الجزائر مُلكيةً سابقة لا دولةً سيدة.

الفاتيكان يرى ما لا يريد الفرنسيون رؤيته

الأكثر إحراجًا للمتذمرين الفرنسيين هو أن الفاتيكان ليس طرفًا في أي صراع مع باريس، ومع ذلك توصّل إلى الخلاصة ذاتها التي وصلت إليها كل المستشفيات والجامعات والشركات الدولية التي تتعامل مع الجزائر، وهي أن الإنجليزية هي لغة التواصل الكوني اليوم، والفرنسية لم تعد أداةً مُحايدة في سياق جزائري مثقل بالذاكرة الاستعمارية.

قرار الفاتيكان إذن ليس موقفًا سياسيًا ضد فرنسا، بل هو انعكاس لواقع موضوعي تأخّر اليمين الفرنسي في الاعتراف به.

وقد جاءت كلمات البابا ذاتها أمام النصب التذكاري لشهداء الجزائر، حين أشاد بـ”تاريخ مؤلم عرفتم تجاوزه بشجاعة وصدق”، لتُضيف طبقةً أخرى من الإحراج لمن اعتقدوا أن الزيارة ستكون فرصةً لـ”تعديل” الرواية الجزائرية. الحبر الأعظم لم يُعدّل شيئًا، بل ثبّت ما كان.

الغضب شهادة

في نهاية المطاف، غضب دريانكور وأودول وأمثالهما هو في حد ذاته أبلغ شهادة على نجاح الاستراتيجية الجزائرية.

فالدول التي تمضي في طريقها بصمت لا يُغضب أحدًا. الدول التي تُغضب هذا الطيف الفرنسي تحديدًا هي الدول التي باتت تُقرأ قوةً لا يمكن تجاوزها، وصوتًا لا يمكن تجاهله.

شارك

الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا