آخر الأخبار

الجزائر وليون الرابع عشر: زيارة تاريخية تُعيد رسم خارطة الحضارة المتوسطية

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

● الجزائر وليون الرابع عشر: زيارة تاريخية تُعيد رسم خارطة الحضارة المتوسطية

الجزائرالٱن _ في الفترة الممتدة بين الثالث عشر والخامس عشر من أفريل القادم، تستقبل الجزائر ضيفاً من نوع استثنائي في تاريخها المستقل. ليس زعيماً سياسياً ولا رئيساً لدولة بالمفهوم التقليدي، بل رجلاً يحمل في شخصه ثقل مليار وأربعمائة مليون كاثوليكي حول العالم، ويمثل إرثاً روحياً وحضارياً يمتد عشرين قرناً.

بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر يضع قدميه على أرض الجزائر، وهذه الخطوة وحدها تستحق أن تُقرأ بعمق وتُفهم في سياقها الكامل.

إنها ليست زيارة دبلوماسية عادية تُضاف إلى قائمة اللقاءات البروتوكولية. إنها محطة تاريخية بامتياز تتقاطع فيها خيوط الدين والحضارة والجغرافيا والسياسة، وتُعيد رسم صورة الجزائر في المشهد الدولي بألوان أعمق وأكثر ثراءً مما اعتاد عليه كثيرون.

وقد جاءت إثر لقاء جمع الرئيس عبد المجيد تبون بالبابا في الفاتيكان، حين وجّه إليه دعوة رسمية قبلها البابا بحرارة، معرباً عن تعلقه الروحي العميق بأرض الجزائر التي وصفها بأنها مهد أحد أعظم مفكري المسيحية على الإطلاق.

● من هو ليون الرابع عشر وما علاقته بالجزائر؟

انتُخب ليون الرابع عشر خلفاً للبابا الراحل فرنسيس على رأس الكنيسة الكاثوليكية في شهر ماي 2025، وغداة تنصيبه مباشرة أعرب عن تعلقه الروحي العميق بالقديس أوغسطين، واصفاً إياه بأنه أب ومعلم الكنيسة.

مصدر الصورة

وكان لافتاً أنه نقل هذه الرغبة في زيارة الجزائر إلى سفيرها لدى الفاتيكان في قداس التنصيب نفسه، ما يكشف أن الجزائر كانت حاضرة في ذهنه منذ اللحظة الأولى لتوليه المنصب.

والبابا الجديد لا يرتبط بأوغسطين ارتباطاً عاطفياً فحسب، بل ينتمي إلى الرهبانية الأوغسطينية التي تتخذ من تعاليمه وفكره منهجاً روحياً وفلسفياً.

وهذا ما يجعل زيارته للجزائر شيئاً أعمق من الدبلوماسية، إنها حج شخصي إلى منابع التراث الروحي الذي نشأ عليه وتشكّل وجدانه في كنفه.

● أوغسطين الجزائري: الجسر الروحي بين حضارتين

لا يمكن فهم هذه الزيارة دون استحضار القامة الفكرية العملاقة التي تربط الجزائر بالحضارة المسيحية الغربية ربطاً عضوياً لا انفصام له.

وُلد أوغسطين عام 354 ميلادية في مدينة طاغست، التي تعرف اليوم بسوق أهراس في أقصى الشرق الجزائري، من أم أمازيغية مسيحية اسمها مونيكا كان لها أثر عميق في توجيه مساره الروحي.

مصدر الصورة

وبعد سنوات من التجوال الفكري بين قرطاج وروما وميلانو، عاد ليستقر في مدينة هيبون الملكية، عنابة اليوم، حيث تولى أسقفيتها وأمضى فيها أكثر من ثلاثة وثلاثين عاماً حتى وفاته عام 430 ميلادية.

في تلك السنوات الطويلة على ضفاف البحر الجزائري، أنجز أوغسطين ما لم ينجزه كثيرون في تاريخ الفكر الإنساني.

كتب “الاعترافات” التي تُعد من أوائل السير الذاتية التحليلية في التاريخ البشري، وألّف “مدينة الله” الذي أعاد فيه تأسيس العلاقة بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية في الفكر الغربي.

وخلّف أكثر من ثلاثمائة وخمسين موعظة لا تزال تُدرَّس في أكبر الجامعات اللاهوتية في العالم. وهو ما يجعله ليس مجرد قديس في كتب التراجم، بل ركيزة فكرية لا غنى عنها في فهم الغرب لنفسه.

والأمر الأكثر إيحاءً هو أن هذا الرجل ذا الأثر الكوني في الفكر الغربي هو في نهاية المطاف ابن هذه الأرض الجزائرية بدمه وتربيته ولغته الأولى.

وهذا ما يجعل زيارة البابا إلى الجزائر اعترافاً صريحاً ورمزياً بأن الجزائر لم تكن على هامش الحضارة الغربية يوماً، بل كانت في صميم تشكّلها.

● عنابة .. حيث يلتقي الماضي بالحاضر

تكتسي مدينة عنابة مكانة خاصة ضمن هذه الزيارة تتجاوز كونها محطة ضمن برنامج رسمي.

فهذه المدينة التي تطل على البحر الأبيض المتوسط وتحمل في أحشائها آثار هيبون الرومانية، هي بالمعنى الحرفي المكان الذي نضجت فيه أكبر أفكار أوغسطين وأكثرها تأثيراً في التاريخ.

وحين يقف البابا على هذه الأرض ويزور كنيسة القديس أوغسطين التي تحمل اسمه وكنيسة السيدة الإفريقية التي تُطل على البحر، فهو لا يؤدي فعلاً بروتوكولياً بل يُغلق دائرة روحية بدأت منذ ستة عشر قرناً.

مصدر الصورة

زيارة عنابة هي اللحظة التي يلتقي فيها الحاضر المتوسطي بجذوره المشتركة، وهي إقرار بأن هذه الأرض ليست مجرد موقع جغرافي على خارطة العالم الإسلامي، بل هي فضاء حضاري تتراكم فيه طبقات الإنسانية وتتحاور عبر الزمن.

وفي عالم يتصاعد فيه خطاب القطيعة والصدام الحضاري، تحمل هذه الرمزية قيمة استثنائية لا تُقدَّر.

● الأبعاد الكاملة لحدث استثنائي

البعد الدبلوماسي: تأتي هذه الزيارة ثمرةً لدبلوماسية جزائرية هادئة وواثقة.

فالدعوة التي وجّهها الرئيس تبون للبابا وقُبلت بحفاوة تُرسّخ صورة الجزائر بوصفها فاعلاً دبلوماسياً ناضجاً قادراً على بناء جسور مع أكبر المرجعيات الروحية في العالم.

وفي وقت تتصاعد فيه التوترات حول قضايا الهوية والدين والهجرة في أوروبا، يأتي البابا إلى الجزائر ليقول بلغة الأفعال لا الأقوال إن الحوار ممكن وإن الاحترام المتبادل قيمة راسخة.

وهذا يمنح الجزائر رصيداً دبلوماسياً يصعب قياسه بالمعايير التقليدية لكنه حاضر وفاعل في تشكيل صورتها الدولية.

● البعد الجيوسياسي: تمثل هذه الزيارة أولى المحطات الإفريقية في الجولة الخارجية الكبرى للبابا ليون الرابع عشر، وهو اختيار لا يمكن أن يكون عشوائياً.

فإفريقيا هي القارة التي تشهد أسرع نمو للكنيسة الكاثوليكية في العالم، والجزائر التي تقع في قلب المثلث الاستراتيجي الجامع بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي تجد في هذا الاختيار تأكيداً لموقعها المحوري.

إنها ليست مجرد دولة من بين دول، بل نقطة توازن ومحور تتقاطع عندها خيوط جيوسياسية بالغة الأهمية في رسم ملامح عالم متغيّر.

● بعد القوة الناعمة: في عالم أصبحت فيه صورة الدولة رأسمالاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن ثرواتها المادية، تفتح هذه الزيارة أفقاً واسعاً للجزائر لتعزيز حضورها الثقافي والحضاري على الصعيد الدولي.

وهي في الوقت ذاته رد بليغ وفعّال على كل من يصف الجزائر بالعزلة الدولية أو يسعى إلى تقديمها في الخارج بصورة مشوهة.

فالجزائر التي تستقبل بابا الفاتيكان وتتحاور معه بثقة واحترام متبادل هي صورة تناقض تماماً كل تلك الادعاءات، وتكشف زيفها بأبلغ ما يمكن الرد به وهو الفعل.

● البعد الديني: أوضح رئيس أساقفة الجزائر أن البابا لا يسعى من خلال هذه الزيارة إلى أداء حج ديني بالمعنى الحرفي فحسب، بل يسعى بالدرجة الأولى إلى تعزيز جسور الحوار بين العالمين المسيحي والإسلامي.

وهذا التمييز الدقيق مهم لفهم طبيعة ما يجري، فالزيارة ليست مجرد تقدير لإرث روحي مشترك بل هي فعل حضاري يُجسّد قيمة الحوار بين الأديان في منطقة تحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى.

وتُعزّز هذه الزيارة العلاقات بين الجزائر والكرسي الرسولي وتُؤسس لشراكة روحية ودبلوماسية متجددة تخدم مصالح البلدين وتُسهم في استقرار المنطقة.

● البعد الحضاري: هذا هو الأعمق والأكثر أثراً في الزمن. فالزيارة تؤكد أن الجزائر ليست دولة حديثة الاستقلال فحسب، بل هي فضاء حضاري عميق تتراكم فيه طبقات التاريخ الإنساني وتتحاور.

أمازيغية في جذورها، رومانية في آثارها، إسلامية في روحها، متوسطية في انفتاحها. وهذا التعدد الحضاري ليس مصدر قلق أو إرباك بل هو مصدر ثراء استثنائي تُقدمه الدولة الجزائرية بوعي متنامٍ بوصفه قيمة مضافة لا عبئاً تاريخياً.

وهو ما يمكن البناء عليه ضمن رؤية استراتيجية طويلة المدى تُكرّس صورة الجزائر أرضاً للحوار والتعدد الحضاري.

● الجزائر الجديدة: الحضارة في خدمة الدولة

لا يمكن فصل هذا الحدث الاستثنائي عن السياق السياسي الأشمل الذي تنتهجه الجزائر في عهد الرئيس تبون.

فالجزائر التي بادرت إلى دعوة بابا الفاتيكان هي ذاتها التي تعمل على إعادة تموضعها في الساحة الدولية بخطاب سيادي واضح يجمع بين الانفتاح والاعتزاز بالهوية.

وزيارة ليون الرابع عشر تندرج في هذا الإطار الأشمل كرافد يُغذي مسار القوة الناعمة ويُكمله ويمنحه بُعداً حضارياً إضافياً.

كما أن التقاطع بين أجندة البابا الداعية إلى العدالة المناخية وحقوق الدول الفقيرة وبين التوجهات الجزائرية في القضايا الدولية يمنح الزيارة طبقة سياسية إضافية.

فالبابا الذي يطالب بعدالة مناخية وتعويضات للدول الإفريقية يلتقي في هذه القضايا مع موقف جزائري ثابت يدافع عن حقوق الجنوب في المحافل الدولية. وهذا الالتقاء يجعل من العلاقة بين الجزائر والفاتيكان أكثر من مجرد دبلوماسية رمزية.

● رسالة للتاريخ تكتب على أرض الجزائر

حين تطأ قدما بابا الفاتيكان ليون الرابع عشر أرض الجزائر في أفريل القادم متوجهاً نحو عنابة ليقف على التراب الذي أمضى فيه أوغسطين أعظم سنواته، سيحمل المشهد من الرمزية ما يفوق كل تصريح دبلوماسي وكل بيان رسمي.

إنه إقرار من أعلى سلطة روحية في العالم الكاثوليكي بأن هذه الأرض الجزائرية كانت في يوم من الأيام مصدر نور أضاء الغرب وشكّل وجدانه الروحي لقرون طويلة.

وعلى هذه الأرض التي أطلقت صرخة الاستقلال وأرست مبدأ السيادة في وجه الاستعمار، وعلى هذه الأرض التي صاغ فيها أوغسطين سؤاله الكبير عن الإنسان والله والمدينة، يلتقي بُعدان من أعمق أبعاد الإنسانية: الروح والحرية.

وهذا اللقاء في حد ذاته رسالة للتاريخ تقولها الجزائر بهدوء وثقة واعتزاز.

الجزائر أرض الحضارات لا تحتاج من يُعرّفها بنفسها، لكنها تُرحّب دائماً بمن يأتي ليُقرّ بما هي عليه.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا