●الجزائر تعيد تثبيت ثقلها الجيوطاقاوي الإستراتيجي
الجزائر الآن – أعلنت سوناطراك عن إطلاق برنامج استكشاف واسع يمتد إلى غاية 2030، في خطوة يقرأها مختصون في الشأن الطاقوي باعتبارها إعادة تموقع استراتيجية داخل معادلة طاقوية عالمية تتغير بوتيرة متسارعة.
فالمعادلة لم تعد محصورة في الحفاظ على مستويات التصدير، بل باتت ترتكز على تجديد قاعدة الاحتياطات، ورفع القدرة الإنتاجية، وضمان استمرارية الجزائر كمورّد موثوق في سوق يتشابك فيه الأمن الطاقوي مع تقلبات الأسعار وتنافسية الإمدادات ، خاصة في محيط المتوسط الذي يشهد طلبًا متزايدًا على الغاز.
وفي ذات الخصوص يرى المراقبين للشأن الاستراتيجي إلى أن مجمع سوناطراك يمضي بخطى ثابتة ضمن مسار استراتيجي واسع الطموح، يستند إلى رؤية بعيدة المدى لإعادة بناء معادلة الاستكشاف والإنتاج والتثمين .
وهي الرؤية التي كشف معالمها الرئيس المدير العام للمجمع نور الدين داودي، بمناسبة إحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأميم المحروقات، المصادفة ليوم 24 فيفري، في دلالة رمزية تعكس استمرارية الخيار السيادي الجزائري في التحكم في موارده الطاقوية وتوظيفها كرافعة للأمن الاقتصادي والحضور الجيوطاقوي إقليميًا ودوليًا.
●معركة الاحتياطات: من الحفاظ على المكتسبات إلى توسيع القاعدة الجيولوجية
يرى خبراء الطاقة أن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في تعزيز رصيد الاحتياطات القابلة للاستغلال تجاريًا، باعتبارها الضامن الأول لاستدامة الإنتاج والإنتاج وهو البرنامج ذاته الذي تصفه الشركة الوطنية سونطراك بـ “المعركة الاستكشافية” يقوم على استثمارات معتبرة موجهة لاكتشاف مكامن جديدة عبر عدة أحواض داخل التراب الوطني، مع توسيع النشاط نحو المناطق البحرية (أوفشور).
هذا التوجه يعكس انتقالًا من منطق استغلال الحقول التقليدية إلى منطق توسيع الجبهة الجيولوجية بحثًا عن اكتشافات نوعية تعيد شحن رصيد الاحتياطات.
فكل اكتشاف جديد، بحسب المختصين، لا يضيف فقط أرقامًا إلى الميزان الطاقوي، بل يمنح المنظومة الإنتاجية هامش أمان أطول ويقلّص مخاطر التراجع الطبيعي للإنتاج الذي تفرضه شيخوخة بعض الحقول.
●سوناطراك تعيد رسم خريطة الاستكشاف الطاقوي إلى غاية 2030
أعلنت سوناطراك إطلاق برنامج استكشاف واسع يمتد إلى غاية 2030، في خطوة تُقرأ كإعادة تموقع مدروسة ضمن معادلة طاقوية دولية تشهد تحولات متسارعة.
فالرهان لم يعد محصورًا في الحفاظ على مستويات التصدير، بل بات مرتبطًا مباشرة بتعزيز قاعدة الاحتياطات ورفع القدرات الإنتاجية.
بما يضمن استمرارية الجزائر كمورّد موثوق في أسواق تتداخل فيها اعتبارات الأمن الطاقوي مع تقلبات الأسعار وتنامي الطلب على الغاز، خصوصًا في حوض المتوسط.
● توسيع الجبهة الجيولوجية… من اليابسة إلى “الأوفشور”
يرى المختصين للشأن الطاقوي بأن البرنامج، الذي يصفه مجمع سونطراك بـ “المعركة الاستكشافية”، يقوم على استثمارات معتبرة تستهدف اكتشاف مكامن جديدة للنفط والغاز عبر عدة أحواض داخل التراب الوطني ،مع توسيع نطاق الاستكشاف ليشمل المناطق البحرية.
ويُعد هذا التوجه تحولًا دلاليًا مهمًا، يعكس انتقال سوناطراك من منطق استغلال الأحواض التقليدية إلى توسيع الجبهة الجيولوجية بحثًا عن اكتشافات تجارية قادرة على تجديد الاحتياطات ومنح المنظومة الإنتاجية هامش أمان على المديين المتوسط والبعيد.
● التكنولوجيا كأداة سيادة اقتصادية و في قلب المعادلة الاستكشافية الجديدة
يرى المختصين وفي ذات الشأن بأنه وضمن هذه المقاربة، فإن مجمع سوناطراك يراهن على رفع وتيرة حفر الآبار، وتسريع المسوحات الزلزالية، والاعتماد على تقنيات متقدمة في النمذجة وتحليل البيانات الجيولوجية.
ويؤكد مختصون أن الاكتشاف لم يعد رهين الصدفة، بل نتيجة مباشرة لجودة المعطيات ودقة القراءة الجيوفيزيائية.
كما أن الاستثمار في التكنولوجيا هنا -بحسبهم -لا يُفهم كخيار تقني فقط، بل كقرار اقتصادي سيادي.
فكل تحسن في كفاءة الاستكشاف يختصر الزمن، ويقلّص المخاطر، ويخفض كلفة البرميل المكتشف.
كما أن تجديد الموارد القابلة للتسويق يظل عنصرًا أساسيًا في حماية الإيرادات الخارجية، التي تبقى مرتبطة بصورة وثيقة بأداء القطاع الطاقوي.
● حماية الإنتاج والإيرادات من أثر نضج الحقول
فيما يشير الخبراء إلى أن توسيع النشاط الاستكشافي يحمل بعدًا وقائيًا واضحًا، يتمثل في تعزيز قدرة الجزائر على تعويض التراجع الطبيعي للإنتاج في بعض الحقول الناضجة.
فالاكتشافات الجديدة تمثل صمام أمان لحماية مستويات الإنتاج، وضمان استقرار الإيرادات الخارجية التي يظل جزء معتبر منها مرتبطًا بالقطاع الطاقوي، في سياق دولي يتسم بعدم اليقين.
●من الاستخراج إلى التثمين… منطق القيمة المضافة
الأكثر أهمية في هندسة هذا البرنامج أنه لا يضع الاستكشاف كغاية مستقلة، بل يربطه بمنطق القيمة المضافة، من خلال توجيه جزء متزايد من الموارد المكتشفة نحو مشاريع الصناعة التحويلية والبتروكيمياء ومشتقات الغاز.
ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع رهان الدولة على بناء قطب طاقوي متكامل يزاوج بين تعزيز الاحتياطات والقدرات الإنتاجية، وبين التحويل الصناعي والاندماج في سلاسل القيمة.
اقتصاديًا، يملك كل برميل مكافئ أو متر مكعب من الغاز يتم تثمينه صناعيًا قدرة أعلى على توليد العائدات، وخلق فرص عمل صناعية، وتعزيز تنافسية الصادرات خارج إطار المواد الخام.
● من تصدير الخام إلى هندسة القيمة المضافة
الأهمية الاستراتيجية للبرنامج لا تتوقف عند حدود الاكتشاف، بل تمتد إلى ربط الاستكشاف بمنطق التثمين الصناعي.
فالمقاربة الجديدة، كما يشرح خبراء الاقتصاد الطاقوي، تقوم على تحويل أكبر قدر ممكن من المحروقات إلى منتجات ذات قيمة مضافة عبر مشاريع البتروكيمياء والصناعات التحويلية ومشتقات الغاز.
اقتصاديًا، كل متر مكعب من الغاز أو برميل مكافئ يُحوَّل صناعيًا يملك قدرة أعلى على توليد العائدات مقارنة بتصديره كمادة خام. كما يخلق شبكة أوسع من فرص العمل، ويعزز اندماج الجزائر في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية، ويمنح الميزان التجاري دعامة أكثر صلابة في مواجهة تقلبات الأسواق.
● معادلة الداخل والخارج: ضمان الفائض الاستراتيجي
من زاوية السيادة الطاقوية، يحمل البرنامج رسالة واضحة: تأمين الطلب الداخلي المتنامي دون التفريط في الحصة التصديرية.
فالطلب المحلي على الكهرباء والغاز في ارتفاع مستمر، مدفوعًا بالنمو السكاني ومتطلبات التنمية الصناعية.
ويرى المختصون أن ربط الاستكشاف بزيادة القدرة الإنتاجية يهدف إلى خلق فائض مرن يمكن توجيهه بين السوق الداخلية والتصدير وفقًا لمعادلة توازن دقيقة.
هذه المعادلة تحمي الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وفي الوقت نفسه تحافظ على صورة الجزائر كمورّد يعتمد عليه في منطقة المتوسط وإفريقيا.
● الشراكات الدولية: تقاسم المخاطر وتعزيز الجاذبية
وفي سياق مغاير يرى الخبراء في الشأن الإقتصادي بأنه لا يغيب عن هذا المسار البعد الإستراتيجي للعقود الدولية والشراكات المتعددة الأطراف، إذ تعوّل سوناطراك على شراكات دولية لتعبئة التمويل والخبرة والتكنولوجيا.
خاصة في المشاريع ذات الكلفة المرتفعة أو التعقيد الجيولوجي، مثل الاستكشاف البحري.
ويعتبر الخبراء أن نجاح هذه الشراكات سيعزز جاذبية القطاع الطاقوي الجزائري، ويفتح المجال أمام توسيع الحضور الأجنبي ليس فقط في أنشطة المنبع،
بل كذلك في مشاريع التحويل والتثمين التي تضمن عوائد أكثر استقرارًا وتُسهم في بناء نسيج صناعي محلي متكامل.
● رؤية 2030: تثبيت الجزائر كفاعل طاقوي في سوق بترولية متحوّلة
بهذا المعنى، لا يُنظر إلى برنامج 2030 كخطة تقنية معزولة، بل كخيار اقتصادي–استراتيجي متكامل يرمي إلى تحصين المورد الطاقوي وتثبيت القدرة التنافسية للجزائر في سوق عالمية سريعة التحول.
المعادلة التي يطرحها المختصون واضحة:
● زيادة الاحتياطات تعني إطالة عمر الإنتاج.
● رفع الإنتاج يعزز الحصة السوقية.
● أما التثمين الصناعي فيحمي العائدات ويعمّق الأثر الاقتصادي داخليًا.
وبين هذه الحلقات تتبلور رؤية تسعى إلى تحويل الثروة الجيولوجية من مجرد مورد للتصدير إلى رافعة تنموية وطنية مستدامة.
تضمن للجزائر موقعًا محوريًا في المتوسط وإفريقيا، ليس بحجم الموارد فقط، بل بقدرتها على إدارتها بذكاء اقتصادي واستشراف استراتيجي طويل المدى.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة