آخر الأخبار

دويلة الإمارات بعد الفضيحة: أموال مجمّدة، نفوذ مهتز وسمعة في الحضيض

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

● دويلة الإمارات بعد الفضيحة: أموال مجمّدة، نفوذ مهتز وسمعة في الحضيض

الجزائرالٱن _ في العادة، تنتهي حياة الأقوياء في الإمارات بهدوء. لا استقالات مدوّية، ولا مؤتمرات صحفية محرجة، ولا ضجيج يصل إلى الخارج. لكن هذا الأسبوع لم يكن أسبوعاً عادياً.

في غضون أيام متتالية، فقدت الإمارات شيئاً لا تستطيع شراءه بالمال ولا استعادته بالإقالات: ثقة العالم بها كشريك موثوق. بن سليم رحل. والعويس رحلت. والإقالات كانت صحيحة وضرورية. لكن الإمارات بقيت، وحدها، تتحمل كامل الفاتورة.

● الضربة الاقتصادية: الفاتورة التي تدفعها الإمارات

سلطان أحمد بن سليم لم يكن مجرد مديراً تنفيذياً. كان الرجل الذي بنى جبل علي من رصيف صحراوي إلى أحد أكبر عشرة موانئ في العالم.

مصدر الصورة

وكانت شركته DP World تتحكم في ما يقارب عشرة بالمئة من حركة التجارة العالمية، وتدير ما يزيد على ستين ميناءً في أكثر من ثمانين دولة. ولأربعة عقود، كان هذا الرجل وجه الإمارات الاقتصادي أمام العالم.

ثم جاءت وثائق وزارة العدل الأمريكية لتكشف ما ظل طيّ الكتمان: سنوات من التراسل بين بن سليم وجيفري إبستين، أشهر محكوم عليه بتهريب الأطفال وانتهاك الأطفال في التاريخ الأمريكي الحديث.

والأشد وطأة أن المراسلات لم تتوقف بعد إدانة إبستين عام 2008، بل استمرت حتى أسابيع قليلة قبل وفاته في زنزانته عام 2019.

● ما الذي كشفته الوثائق؟

البريد الإلكتروني الذي فجّر الأزمة كان قصيراً لا يتجاوز سطرين: كتب فيه إبستين لمستلم محجوب الهوية: “أين أنت؟ هل أنت بخير؟ أنا أحببت مقطع التعذيب”.

مصدر الصورة

أما الرد فكان: “أنا في الصين، سأكون في أمريكا في الأسبوع الثاني من ماي.” عضو الكونغرس توماس ماسي نشر هذه الرسالة ثم أعلن صراحة أن وزارة العدل اعترفت ضمنياً بأن سلطان بن سليم هو مُرسل مقطع التعذيب.

لكن هذه الرسالة الواحدة لم تكن إلا غيض من فيض. الوثائق تكشف أن إبستين كان يصف بن سليم بأنه “صديقه الشخصي الأقرب” و”أكثر أصدقائه الموثوقين”.

وتكشف أن بن سليم زار جزيرة إبستين الخاصة التي استخدمها المحكمة الأمريكية دليلاً في قضايا الاتجار بالبشر. وتكشف مراسلات فاضحة عن نساء ومقاطع إباحية أرسلها بن سليم من رحلة عائلية مع زوجته وأطفاله الثلاثة.

● الشركاء الدوليون يتوقفون

ردود الفعل المالية الدولية لم تنتظر التحقيق ولا المحاكمة. صندوق La Caisse الكندي، ثاني أكبر صندوق تقاعد في كندا ويدير ما يعادل ثلاثمئة وخمسين مليار دولار من أموال متقاعدي إقليم كيبيك، أعلن فوراً تجميد كل استثمارات جديدة مع الشركة.

هذا الصندوق كان قد ضخ منذ 2016 ما يزيد على ثلاثة مليارات وسبعمئة مليون دولار في مشاريع الشركة، ويمتلك خمسة وأربعين بالمئة من DP World كندا.

وفي 2022 وحدها كان قد استثمر ملياريْن وخمسمئة مليون دولار في ميناء جبل علي والمنطقة الحرة والمنطقة الصناعية الوطنية، ثلاثة من أكثر أصول الإمارات استراتيجية.

British International Investment البريطانية، المؤسسة الحكومية التي تدير ثلاثة عشر مليار دولار، أعلنت هي الأخرى تعليق كل استثمارات جديدة، وهي شريك لـDP World في أربعة موانئ إفريقية بالغة الأهمية.

هذه الأموال لم تكن موجودة في حسابات بن سليم الشخصية، كانت في البنية التحتية الإماراتية ذاتها.

● الإقالة السريعة… والسؤال الأبطأ

في غضون ثلاثة أيام من الكشف عن الاسم، أعلن مكتب دبي الإعلامي الحكومي تعيين عيسى كاظم، حاكم مركز دبي المالي الدولي، رئيساً للمجلس، ويوفراج ناراين رئيساً تنفيذياً، دون أن يذكر اسم بن سليم في البيان بكلمة واحدة.

مصدر الصورة

وبعد دقائق من الإعلان، أصدر صندوق La Caisse تصريحاً رحّب فيه بالقرار ووعد بإعادة النظر في الاستثمارات. وأعلنت British International Investment أنها ستستأنف حواراتها مع الشركة.

السرعة كانت صحيحة. لكنها لم تجب عن السؤال الذي صار يطرحه كل مستثمر أجنبي: كيف قاد هذا الشخص بهذا الملف أكبر شركة موانئ في العالم طوال أربعة عقود؟ ومن الذي يضمن أن ما بعده مختلف جوهرياً لا شكلياً فحسب؟

● الفاجعة الدبلوماسية: حارسة حقوق الإنسان في بيت العار

لو أن الضربة الأولى كانت اقتصادية، فإن الضربة الثانية كانت أشد قسوة لأنها طالت الصورة التي أنفقت الإمارات عقوداً في بنائها أمام العالم.

هند العويس لم تكن موظفة عادية في الجهاز الدبلوماسي. كانت المرأة التي تقف أمام لجان الأمم المتحدة في نيويورك وتتحدث باسم الإمارات عن حقوق الإنسان وكرامة المرأة وحماية الطفل. كانت أول إماراتية تُعيَّن مستشارة أممية رفيعة عام 2015.

مصدر الصورة

وكانت مديرة اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في الإمارات، الواجهة الرسمية لبلادها في الملف الأكثر حساسية أمام الرأي العام الغربي.

● ماذا كشفت الوثائق؟

ملفات وزارة العدل الأمريكية تضمنت اسمها في ما يزيد على أربعمئة وتسعة وستين رسالة إلكترونية تعود للعامين 2011 و2012.

المراسلات تكشف تواصلاً منتظماً مع إبستين يتضمن ترتيب لقاءات وتنسيق مواعيد. وفي جانفي 2012 كتبت العويس لإبستين: “تجهيز فتاة واحدة صعب كفاية، أما فتاتان فيمكنك بالتأكيد أن تسمّيه تحدياً”. وفي رسالة أخرى: “أنا متحمسة جداً لرؤيتك وتعريفك بأختي .. هي أجمل مني”.

هذه المراسلات سبقت صعودها الوظيفي السريع إلى المناصب الأممية الرفيعة بثلاث سنوات فحسب. التساؤل الذي لا يمكن لأحد الإجابة عنه حتى الآن: هل كان لهذه العلاقة دور في ذلك الصعود؟

● التناقض الصارخ

المفارقة هنا مؤلمة بشكل استثنائي. المرأة التي كانت تخطب في مؤتمرات الأمم المتحدة عن حماية المرأة والطفل وكرامة الإنسان، كانت في الوقت ذاته تُنسّق لقاءات لرجل أثبتت المحاكم الأمريكية أنه بنى ثروته وشبكاته على الاتجار بالبشر وانتهاك الأطفال.

الإمارات دفعت ثمناً مضاعفاً: ثمن الفضيحة ذاتها، وثمن أن هذه الفضيحة تصب مباشرة في الواجهة الأكثر حساسية في علاقتها بالغرب.

الحكومة الإماراتية أعفتها من منصبها وأعادت تشكيل مجلس الأمناء. أما هي، فاختفت من المشهد العام وأغلقت حساباتها الرقمية. المسؤولون الإماراتيون لم يعلّقوا، والسفارة الإماراتية في واشنطن لم تصدر بياناً.

مصداقية الإمارات في محافل حقوق الإنسان الدولية تحتاج الآن إلى إعادة بناء من الصفر، وهذا لا يتحقق بإعادة تشكيل مجلس أمناء.

● ما وراء الفضيحتين: إبستين في صميم السياسة الإماراتية

لو أن القصة كانت تقتصر على مراسلات فاضحة وعلاقات شخصية مشبوهة، لكانت الأزمة قابلة للاحتواء. لكن وثائق إبستين تكشف ما هو أعمق وأخطر: أن إبستين لم يكن مجرد “صديق” لمسؤولين إماراتيين، بل كان يؤدي أدواراً في صميم السياسة الخارجية للإمارات نفسها.

● إبستين وسيطاً في السياسة الإماراتية

الوثائق تُظهر بوضوح أن إبستين استخدم علاقته ببن سليم للوصول إلى رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق إيهود باراك، وأنه عرض عليه فرصة الاستحواذ على ميناء إسرائيلي يُطرح للخصخصة من خلال DP World.

وفي 2014 توسط إبستين لضم بيتر ماندلسون، المسؤول البريطاني الرفيع، إلى مجلس إدارة بن سليم، وهو ذاته المسؤول الذي استقال لاحقاً بسبب علاقته بإبستين. وفي 2018 نظّم إبستين جولة خليجية لستيف بانون، مستراتيغ ترامب الأول.

بمعنى آخر: الرجل الذي ثبتت إدانته بتهريب الأطفال كان يعمل وسيطاً فعلياً في ترتيب اتصالات دولية على أعلى المستويات بما يخدم المصالح الإماراتية.

وهذا يطرح سؤالاً لا تريد أبوظبي الاقتراب منه: هل كانت تعلم بشبكته الإجرامية وتتعامل معه رغم ذلك؟ أم كانت لا تعلم، مما يعني أن مسؤوليها كانوا يُحرَّكون دون أن يدروا؟

● كلا الاحتمالين كارثي. الأول يعني تواطؤاً أخلاقياً. والثاني يعني هشاشة مؤسسية.

● الأجواء تُغلق: الحصار الذي يضيق من الخارج

بينما تحاول الإمارات احتواء تداعيات الفضيحتين، تكتشف أن محيطها الإقليمي يضيق من حولها بصمت وتصميم.

● الصومال: نهاية الشراكة الاستراتيجية

مقديشو ألغت جميع اتفاقياتها مع الإمارات وأنهت الوجود العسكري الإماراتي في موانئها الاستراتيجية على الممر الرابط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي.

السبب المباشر كان نقل الإمارات زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي اليمني عيدروس الزبيدي عبر الأراضي الصومالية دون إخطار السلطات. أما السبب الأعمق فكان تسهيل الإمارات اعتراف الكيان الصهيوني بأرض الصومال كدولة مستقلة، في خطوة اعتبرتها مقديشو طعنة في ظهر وحدتها الإقليمية.

● السعودية: الشقيق الأكبر يقطع الطريق

الرياض أوقفت السماح للطائرات العسكرية الإماراتية بالعبور في أجوائها، في إشارة واضحة إلى أعمق شرخ في العلاقة بين البلدين منذ عقود. الاتهام السعودي كان محدداً: الإمارات كانت تستخدم تلك المسارات لنقل أسلحة إلى قوات الدعم السريع في السودان عبر ليبيا وتشاد، في تحدٍّ مباشر للموقف السعودي في الحرب السودانية.

● الجزائر: اتفاقية الطيران تُلغى

الجزائر بدأت الإجراءات الرسمية لإنهاء اتفاقية الخدمات الجوية الثنائية مع الإمارات، متهمةً أبوظبي بدعم الأطراف الانفصالية في ليبيا واليمن والسودان. هذا يعني أن رحلات طيران الإمارات المنتظمة إلى الجزائر باتت مهددة بالانقطاع الكامل.

● ما الذي يجمع هذه الجبهات؟

كل هذه الجبهات لها قاسم مشترك: الإمارات توسّعت في إفريقيا والمنطقة العربية بمنطق اقتصادي وعسكري لم يأخذ بالحسبان التكلفة السياسية.

موانئ القرن الإفريقي وقواعده العسكرية وشبكات النفوذ التي بنتها أبوظبي بعيداً عن الأضواء بدأت تُنتج أعداء بدلاً من شركاء. والمحيط الذي كانت تتحرك فيه بحرية بات يضيق من كل الجهات في الوقت ذاته.

التجارة تحتاج إلى مسارات جوية مفتوحة، والمسارات تُغلق واحدة تلو الأخرى، وكل إغلاق يرفع تكلفة كل رحلة وكل شحنة تمر عبر دبي.

● الفاتورة الإجمالية: ما لا تحله الإقالات

حين تجمع هذه الضربات الثلاث معاً في أيام معدودة، تبدأ الصورة الحقيقية بالتشكّل. ليست الأزمة في الأشخاص الذين رحلوا. الأزمة في ما يكشفه هؤلاء الأشخاص عن طبيعة المنظومة التي أنتجتهم.

رجل احتل قمة المؤسسة الاقتصادية الإماراتية الأكثر تأثيراً في التجارة العالمية، وامرأة احتلت قمة الواجهة الحقوقية الإماراتية في المحافل الأممية، كلاهما وجدا في إبستين مدخلاً لتوسيع نفوذهما وعلاقاتهما.

وكلاهما ظلا في مواقعهما سنوات طويلة بعد أن كانت هذه العلاقة قد نسجت خيوطها. هذا يطرح سؤالاً لا يتعلق بهما شخصياً، بل بالمنظومة التي أبقتهما فيها دون أن تعلم أو دون أن تكترث.

● الخسائر غير القابلة للجبر

خسارة الإمارات الأكبر ليست في الأموال المجمّدة، ولا في الرحلات الجوية المقيّدة، ولا في الإقالات المؤلمة. خسارتها الأكبر هي في المصداقية، ذلك الرصيد غير الملموس الذي يقرر أين تضع الشركات الكبرى استثماراتها، وأين يختار المديرون التنفيذيون أن يوقّعوا صفقاتهم، وأي الدول تختار الأمم المتحدة عضوية مجالسها الحقوقية.

وكالة “رويترز” وصفت الأزمة بجملة لافتة في تقرير نشرته الأسبوع الماضي: “إذا اختارت الإمارات تجاهل الانتقادات، فستدمر ما بنته على مدى عقود من مصداقية في الحوكمة المؤسسية، وهي المصداقية التي تستقطب بها الاستثمار الأجنبي.”

● الإجابة السريعة لم تكن كافية

الإمارات أثبتت هذا الأسبوع أنها تعرف كيف تُدير الأزمات. الإقالات جاءت سريعة وحاسمة. وبعض الشركاء الدوليين رحّبوا بالقرارات فور إعلانها. لكن السرعة في احتواء الأزمة لا تُجيب عن الأسئلة الأعمق التي باتت معلّقة في أذهان كل من يتعامل مع الإمارات:

من يضمن أن هذه المنظومة ستُنتج قيادات مختلفة في المرة القادمة؟ وكيف يُقدِّر المستثمر الأجنبي المخاطر حين يعرف أن رجلاً بهذا الملف أدار عشرة بالمئة من تجارة العالم لأربعة عقود دون أن يُسأل؟

إبستين مات في 2019. لكن ملفاته تتوالى في 2026، والتوقعات تشير إلى أسماء جديدة لم تُكشف بعد. الإمارات في انتظار موجة قادمة لا تعرف حجمها.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا