● «عيون المخزن» في لاهاي: التجسس المغربي يضع العلاقات مع هولندا على حافة أزمة سيادية
●جاسوس مغربي يواجه عقوبة السجن لمدة 15 سنة
الجزائر الآن -يرى المراقبين للشأن الأمني والإستراتيجي بأن العلاقات المغربية–الهولندية سوف تجد نفسها أمام اختبار أمني ودبلوماسي بالغ الحساسية، بعد فتح محاكمة جاسوس مغربي في هولندا يواجه عقوبة قد تصل إلى 15 عامًا سجنًا.
القضية، وفق قراءات أمنية متطابقة، لم تعد تُصنَّف كحادثة تجسس معزولة، بل تحوّلت إلى ملف سيادي يطال مؤسسات دولة أوروبية عضو في الاتحاد الأوروبي.
ويكشف طبيعة العقيدة الاستخباراتية لنظام المخزن في إدارة حضوره خارج الحدود.
كما يؤكد مختصون في الشأن الأمني إلى أن خطورة الملف لا تكمن في تفاصيله القضائية فقط، بل في تداعياته السياسية والاستراتيجية، وما يعكسه من خلل عميق في مقاربة الرباط لعلاقاتها مع شركائها الأوروبيين.
● من العمل السري إلى المساءلة القضائية: عندما يسقط الغطاء الاستخباراتي
يرى خبراء أمنيون أن محاكمة جاسوس مغربي أمام القضاء الهولندي تمثّل نقطة تحوّل نوعية، إذ تعكس انتقال الدولة الهولندية من مرحلة التحفّظ الدبلوماسي إلى منطق المواجهة القانونية الصريحة.
فالمحاكمة، بحسب مراقبين، تؤشر إلى أن لاهاي لم تعد تنظر إلى أنشطة الاستخبارات المغربية كتصرفات هامشية، بل كـاختراق منظم يهدد أمنها الداخلي.
ويشير مختصون في القانون الجنائي الدولي إلى أن العقوبة المحتملة (15 سنة) تعبّر عن خطورة التهم المرتبطة بتسريب معلومات حساسة والتعامل مع جهاز أجنبي.
● الاختراق الناعم: الجاليات كفضاء عمليات استخباراتية مخزنية
تفيد تحليلات مراكز بحث أوروبية بأن الاستخبارات المغربية تعتمد منذ سنوات استراتيجية الاختراق الناعم، التي تقوم على توظيف البنية الاجتماعية للجاليات في أوروبا كرافعة استخباراتية.
المساجد، الجمعيات الثقافية، وروابط الهجرة، تحوّلت – وفق هذه التحليلات – إلى فضاءات مراقبة وجمع معلومات، تُستخدم لرصد المعارضين السياسيين والتحكم في الخطاب العام داخل الجالية.
ويحذر مختصون في علم الاجتماع السياسي من أن هذا النمط يضرب أسس الاندماج، ويحوّل الجالية إلى ساحة صراع أمني عابر للحدود.
● الخط الأحمر: اختراق مؤسسات الدولة الهولندية
المنعطف الأخطر في هذا الملف، بحسب محللين أمنيين، هو انتقال الاختراق من الفضاء المجتمعي إلى مؤسسات الدولة نفسها.
قضية موظف جهاز مكافحة الإرهاب عبد الرحيم المنوزي وزميلته أنيسة (أكتوبر 2023) كشفت، وفق مصادر أمنية، عن تمرير معلومات مصنّفة لصالح جهاز أجنبي، ما شكّل صدمة داخل المؤسسة الأمنية الهولندية.
ويرى مختصون في شؤون الاستخبارات أن هذه الواقعة كسرت الخط الأحمر المتعلق بحصانة المؤسسات السيادية، وفرضت إعادة تقييم شاملة للتهديدات المرتبطة بالاستخبارات الأجنبية.
● تجسس متكرر أم عقيدة دولة؟
وإثر هذه الفضيحة المدوية في العمل الإستخباراتي لنظام المخزن المغربي ، يرى المتابعين بأنه قد حان الأوان لإعادة فتح أرشيف القضايا السابقة ما يعزز فرضية الطابع المنهجي للمخزن المغربي وإستهدافه للدولة الهولندية ومنها كل من
2008: إدانة الشرطي رضوان المهاولي بتسريب معطيات عن معارضين.
2011: الحكم على محمد (ر) بخمس سنوات سجنًا بتهمة التجسس على ناشطين حقوقيين.
2016: إدانة عميل مغربي بجمع معلومات أمنية حساسة لصالح الرباط.
ويؤكد خبراء في الدراسات الاستراتيجية أن تكرار هذه القضايا ينفي فرضية “التصرفات الفردية”، ويكرّس صورة عقيدة استخباراتية تعتبر الجاليات امتدادًا وظيفيًا للأجهزة الأمنية.
● الاستخبارات المخزنية في خدمة السياسة الخارجية
يرى محللون في العلاقات الدولية أن النظام المغربي يوظّف أجهزته الاستخباراتية كأداة مركزية في سياسته الخارجية، سواء لضبط المعارضة في الخارج، أو للتأثير في مواقف الدول الشريكة، أو لإدارة صراعاته الإقليمية بوسائل غير مباشرة.
ويرون في هذا السياق، بأن الأنشطة المخزنية الإستخباراتية تندرج ضمن دائرة الاستهداف غير المعلن، عبر مراقبة ناشطين، تشمل اختراق شبكات مؤثرة في أوروبا، أو تغذية مسارات دعائية تمسّ صورة الدول المستهدفة ومواقفها السيادية.
ويعتبر مختصون أن هذا السلوك يعكس ارتباكًا استراتيجيًا ومحاولة لتعويض تراجع الوزن الإقليمي للمخزن المغربي على الصعيد العالمي.
● الولاء المزدوج: ضغط أمني داخل دولة ديمقراطية
في قلب هذا المشهد، تواجه الجالية المغربية في هولندا معضلة مركّبة.
تحقيقات وشهادات تشير إلى اعتماد أساليب ابتزاز عائلي، إغراءات مالية، أو تهديد بالمصالح داخل المغرب لإجبار بعض الأفراد على التعاون.
حقوقيون يرون أن هذه الممارسات تضع الدولة الهولندية أمام تحدٍّ حقيقي في حماية مواطنيها من تغوّل أجهزة أجنبية داخل فضاء ديمقراطي.
● هولندا تعيد ضبط بوصلتها الأمنية
أمام خطورة المعطيات، تتصاعد داخل هولندا دعوات سياسية وقانونية لإعادة النظر في قواعد التعامل مع النفوذ الأجنبي، من بينها:
مراجعة ازدواج الجنسية كأداة ضغط سياسي.
تشديد الرقابة على التمويلات الأجنبية.
رفع مستوى توعية الجاليات بمخاطر الاستقطاب الاستخباراتي.
مختصون يعتبرون أن هذه الإجراءات تعكس انتقال هولندا من منطق الاحتواء إلى منطق الوقاية الاستراتيجية.
● أزمة ثقة تتجاوز حدود لاهاي
ما يجري في لاهاي ليس مجرد ملف تجسس، بل أزمة ثقة بنيوية بين المغرب وشركائه الأوروبيين.
فبينما يواصل المخزن تصدير مقاربته الأمنية خارج الحدود، تصرّ هولندا على حماية سيادتها ومؤسساتها، حتى وإن أدى ذلك إلى إعادة صياغة العلاقة مع الرباط.
وفي خلفية هذا الاشتباك الصامت، تبقى العلاقات الديبلوماسية المغربية – الهولندية ضمن مسرح صراع استخباراتي غير مباشر، يكشف حدود السياسة الخارجية المغربية.
ويؤكد أن منطق الاختراق لم يعد قادرًا على تعويض إخفاقات استراتيجية تتعمّق في محيط إقليمي ودولي متحوّل.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة