آخر الأخبار

جيفري إبستين .. مدرس الرياضيات الذي أصبح أكثر الشخصيات غموضا في التاريخ

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

جيفري إبستين .. مدرس الرياضيات الذي أصبح أكثر الشخصيات غموضا في التاريخ

الجزائرالٱن_ في أحد شوارع بروكلين الفقيرة عام 1953، ولد صبي لن يتخيل أحد أنه سيصبح أحد أكثر الشخصيات غموضاً وإثارة للجدل في التاريخ الحديث. جيفري إبستين، ابن موظفين بسيطين في دائرة المنتزهات، بدأ حياته بعيداً عن الأضواء، لكنه كان يمتلك ذكاءً حاداً وطموحاً لا يعرف الحدود.

بعد دراسة الرياضيات في كوبر يونيون وجامعة نيويورك دون إكمال شهادته، وجد إبستين طريقه إلى مدرسة دالتون الخاصة المرموقة كمدرس رياضيات في السبعينيات. هناك، في أروقة تلك المؤسسة التي تضم أبناء أثرى عائلات نيويورك، بدأ يبني شبكة علاقاته الأولى. كان يراقب، يدرس، ويتعلم كيف يتحدث لغة المال والنفوذ.

القفزة الغامضة إلى وول ستريت

الانتقال من التدريس إلى عالم المال كان محفوفاً بالغموض. في عام 1976، انضم إبستين إلى بنك الاستثمار بير ستيرنز، رغم افتقاره للخلفية المالية التقليدية. هنا تكمن إحدى أولى الألغاز: كيف حصل مدرس رياضيات على فرصة في أحد أبرز بنوك وول ستريت؟

يُقال إن أحد أولياء أمور طلابه السابقين كان المفتاح، لكن صعوده السريع داخل البنك كان لافتاً. خلال سنوات قليلة، أصبح شريكاً محدوداً، يتعامل مع عملاء فاحشي الثراء. كان يتقن فن القراءة – ليس فقط للأرقام، بل للنفوس البشرية. يعرف ما يريده الأثرياء، وما يخفونه، وما يحتاجونه.

بناء الإمبراطورية الغامضة

عام 1982، أسس إبستين شركته الخاصة “J. Epstein & Co”، التي ادّعى أنها تدير أموال المليارديرات حصراً – العملاء الذين تزيد ثرواتهم عن مليار دولار فقط. لكن من كانوا هؤلاء العملاء؟ لم يُعرف سوى واحد بشكل مؤكد: ليزلي ويكسنر، مؤسس إمبراطورية فيكتوريا سيكريت، الذي منحه توكيلاً قانونياً غير مسبوق على ثروته.

هنا يبدأ اللغز يتعمق. كيف أقنع رجل في الثلاثينيات من عمره، بدون سجل حافل موثق، أحد أغنى رجال أميركا بتسليمه مقاليد ثروته؟ البعض يرى أن إبستين كان يمتلك موهبة استثنائية في الإدارة المالية، والبعض الآخر يشير إلى شيء أكثر قتامة – معرفة أسرار الأثرياء واستخدامها كرافعة.

القصور والجزر: مملكة الأسرار

بثروته المتنامية بشكل غامض، بدأ إبستين في بناء إمبراطورية عقارية مذهلة: قصر فخم في مانهاتن يعد أحد أكبر المنازل الخاصة في نيويورك، مزرعة ضخمة في نيو مكسيكو، شقة في باريس، وأشهرها جميعاً – جزيرة خاصة في الكاريبي أطلق عليها “جزيرة القديس جيمس الصغرى” لكن الجميع سماها لاحقاً بـ”جزيرة الخطيئة” أو “جزيرة الشهوة”.

هذه الأماكن لم تكن مجرد رموز للثراء، بل كانت مسارح لعروضه. كل قصر مجهز بكاميرات مراقبة، كل غرفة تحمل سراً. كان إبستين يدعو الأقوياء والمشاهير، يحيطهم بالفتيات الصغيرات، ويترك الكاميرات تسجل كل شيء.

شبكة العلاقات المرعبة

قائمة معارف إبستين تقرأ كدليل للنخبة العالمية: الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون الذي سافر معه على طائرته الخاصة عشرات المرات، الأمير أندرو البريطاني الذي ربطته به صداقة وثيقة، دونالد ترامب الذي كان يصفه بـ”الرجل الرائع” قبل أن يتبرأ منه لاحقاً، علماء بارزون من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة هارفارد، فنانون ومشاهير من كل حدب وصوب.

كيف بنى هذه الشبكة؟ كان إبستين يستخدم استراتيجيات متعددة: يقدم نفسه كراعٍ للعلم والفكر، يتبرع للجامعات ويستضيف مؤتمرات علمية في جزيرته، يوفر طائرته الخاصة “لوليتا إكسبرس” للأقوياء، يُظهر اهتماماً حقيقياً بأفكار العلماء ومشاريع السياسيين. لكن الأهم – كان يوفر ما لا يستطيع الأقوياء الحصول عليه علناً: الخصوصية المطلقة، والتحرر من القواعد الاجتماعية، والوصول إلى فتيات صغيرات.

الوجه المزدوج

في النهار، كان إبستين الرجل الذكي المثقف، يناقش نظريات علمية معقدة ويتحدث عن شغفه بالتطور البيولوجي وحلمه في نشر جيناته عبر تلقيح عشرات النساء في مزرعته. في الليل، كان المفترس الذي يستدرج فتيات قاصرات، بعضهن لا يتجاوز 14 عاماً، عبر شبكة من المجندات وعروض بالمال والفرص.

كانت شريكته غيسلين ماكسويل، ابنة قطب الإعلام البريطاني المتوفي روبرت ماكسويل، المسؤولة عن تجنيد الضحايا وتنظيم حياته. امرأة من النخبة الأرستقراطية تحولت إلى شريكة في الجريمة، تستخدم سحرها الاجتماعي لإضفاء الشرعية على عالم إبستين المظلم.

من يقف خلف الستار؟

هنا تبدأ نظريات المؤامرة التي لا تنتهي. البعض يعتقد أن إبستين كان يعمل لصالح جهاز استخباراتي – ربما الموساد الإسرائيلي أو المخابرات الأمريكية – يجمع معلومات ابتزازية عن الأقوياء. والد غيسلين ماكسويل نفسه كانت له علاقات مشبوهة بأجهزة استخبارات متعددة.

كيف يمكن تفسير ثروته الضخمة دون عملاء موثقين؟ كيف نجا من العقاب لعقود رغم الشكاوى المتكررة؟ صفقة الادعاء المخففة التي حصل عليها عام 2008 – التي سمحت له بقضاء 13 شهراً فقط في “سجن” مع إذن بالخروج للعمل 12 ساعة يومياً – تثير تساؤلات عن حمايات عليا.

وزير العمل الأمريكي السابق ألكسندر أكوستا، الذي كان المدعي العام الفيدرالي المسؤول عن تلك الصفقة، قال لاحقاً إنه أُخبر أن إبستين “ينتمي للاستخبارات” وأن عليه “تركه وشأنه”. هل كان هذا حقيقة أم ذريعة؟

السقوط الحتمي

في جويلية 2019، اعتُقل إبستين مجدداً عند عودته من باريس. هذه المرة، لن تنقذه صفقة. اتهامات الاتجار بالقاصرات كانت واضحة ودامغة. عشرات النساء تقدمن بشهاداتهن، وثائق مختومة بدأت تُفتح، وشبكة الحماية بدأت تتآكل.

في 10 أوت 2019، وُجد جيفري إبستين ميتاً في زنزانته. السلطات قالت انتحار. العالم قال: مستحيل. كيف لأخطر سجين في أمريكا، الذي يحمل أسرار الأقوياء، أن يُترك بلا مراقبة؟ كاميرات المراقبة تعطلت، الحراس “ناموا”، زميله في الزنزانة نُقل قبل ساعات.

الإرث المظلم

موت إبستين لم ينه القصة. محاكمة غيسلين ماكسويل عام 2021 كشفت المزيد من التفاصيل المروعة. إدانتها وحكمها بالسجن 20 عاماً أعطى الضحايا بعض العدالة، لكن أسئلة كثيرة بقيت بلا إجابة.

من هم جميع المتواطئين؟ كم قوياً شارك في جرائمه ولا يزال حراً؟ ما حقيقة علاقاته بأجهزة الاستخبارات؟ الوثائق المختومة التي تُفرج تدريجياً تكشف أسماء جديدة، لكن الصورة الكاملة قد لا تظهر أبداً.

الدروس المرة

قصة جيفري إبستين ليست مجرد حكاية عن مفترس واحد، بل عن منظومة كاملة سمحت له بالازدهار. منظومة حيث المال يشتري الصمت، والنفوذ يشتري الحماية، والضحايا الفقيرات لا يُسمع صوتهن حتى يصبح الأمر فضيحة عالمية.

هي قصة عن كيف يمكن لرجل ذكي بلا ضمير، يفهم نقاط ضعف البشر، أن يبني إمبراطورية من الظلام في قلب النور. وعن كيف أن الشر الحقيقي نادراً ما يأتي على شكل وحش واضح، بل غالباً يرتدي بذلة أنيقة ويعيش في قصر فاخر ويتحدث بلغة العلم والثقافة.

الأسئلة التي تركها إبستين ستظل تطاردنا: من كان يحميه؟ ما الذي كان يعرفه؟ ومن الذي أراد صمته الأبدي؟

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا