● الرئيس تبون يرسم ملامح التحول الاقتصادي في الجزائر: المناجم والبنية التحتية في صلب الرؤية الوطنية لما بعد المحروقات
الجزائر الآن – يرى محللون اقتصاديون أن اجتماع مجلس الوزراء، الذي ترأسه أمس الأحد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، لا يمكن قراءته كمحطة إدارية دورية عادية، بل يندرج ضمن مسار متكامل لإعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس جديدة، قوامها الإنتاج، التصنيع، والتصدير، بما يعكس انتقالًا مدروسًا من منطق الريع إلى منطق القيمة المضافة.
ويؤكد مختصون أن هذا المسار يعكس إرادة سياسية واضحة لدى رئيس الجمهورية لجعل الجزائر بلدًا ناشئًا وفاعلًا اقتصاديًا صاعدًا، قادرًا على تحويل موارده الطبيعية إلى قوة تنموية مستدامة، مع الحفاظ على التوازنات الاجتماعية، معتبرين أن مخرجات مجلس الوزراء تُوّجت بجملة من التوصيات العملية التي تهدف إلى الدفع قدمًا نحو التجسيد الميداني لعدد من الورشات والمشاريع الاستراتيجية الكبرى.
● لعروسي: أولوية اقتصادية واضحة لقطاع المناجم
في هذا السياق، كشف الدكتور رابح لعروسي، المحاضر في العلوم السياسية بجامعة الجزائر 3 والخبير السياسي، في تصريح لصحيفة الجزائر الآن الإلكترونية، أن القرارات المتخذة خلال اجتماع مجلس الوزراء، لاسيما ما تعلق منها بالسياسة الاقتصادية المنجمية، تعكس بوضوح البعد الاستراتيجي الذي بات يحظى به هذا القطاع ضمن أولويات رئيس الجمهورية.
وأوضح لعروسي أن هذا الاجتماع يأتي في ظرف دولي معقد، تشهده الساحة الاقتصادية العالمية بفعل تراجع سلاسل الإمدادات نتيجة أزمة الطاقة، الحرب الروسية-الأوكرانية، تداعيات العدوان على غزة، إلى جانب التحولات المرتبطة بالرسوم الجمركية والأزمات الاقتصادية المتكررة، وهي معطيات تفرض، حسبه، على الجزائر تأمين مواردها الطبيعية والغذائية، واعتماد متابعة دقيقة واستراتيجية للملفات الاقتصادية الحيوية، وفي مقدمتها قطاع المناجم.
وأضاف أن ترؤس الرئيس تبون شخصيًا لهذا الاجتماع يبعث برسالة قوية مفادها الحرص على دفع مشاريع المناجم الوطنية نحو آفاق أوسع، بما يخدم النمو الاقتصادي ويعزز القدرة التنافسية للجزائر إقليميًا ودوليًا.
الجزائر على مسار اقتصاد وطني مستدام
وأكد الخبير رابح لعروسي أن الجزائر تسير في الاتجاه الصحيح نحو بناء اقتصاد وطني مستدام، خاصة من خلال مشاريع التعدين الكبرى، على غرار مشروع منجم غار جبيلات لاستخراج الحديد غرب البلاد، ومشروع بلاد الحدبة لاستخراج الفوسفات شرقًا، والتي تُعد ركائز أساسية للإقلاع الاقتصادي الوطني، لما لها من أثر مباشر على تعزيز القدرة الإنتاجية وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
وأشار مختصون إلى أن قوة الدول اقتصاديًا أصبحت تُقاس اليوم بمدى قدرتها على إدارة مواردها الطبيعية بشكل مستدام واستراتيجي، وهو ما تعكسه المتابعة المباشرة لرئيس الجمهورية للملف الاقتصادي المنجمي، في إطار رؤية واضحة تهدف إلى دفع الاقتصاد الوطني نحو النمو والازدهار، بما يتماشى مع أولويات السياسة الاقتصادية الوطنية.
● ربط الموارد بالبنية التحتية… شريان الاقتصاد الوطني
وفي تحليله لهذا التوجه، أبرز لعروسي أن ربط المناجم بالموانئ عبر شبكة السكك الحديدية يُعد خيارًا استراتيجيًا صائبًا، ويمثل شريان الاقتصاد الوطني الحقيقي.
وأوضح أن الجزائر راكمت خلال السنوات الأخيرة شبكة معتبرة من الطرقات السريعة والوطنية والعابرة للصحراء، ليأتي اليوم ملف السكك الحديدية كحلقة مكملة لهذا البناء الهيكلي.
وأضاف أن الربط السككي بين منجم غار جبيلات ومناطق الشمال الغربي، مرورًا ببشار وتندوف وعدة محطات داخلية، لا يهدف فقط إلى نقل الموارد نحو الموانئ، بل يساهم أيضًا في فك العزلة عن مناطق واسعة، وخلق ديناميكية اقتصادية وتنموية جديدة.
وشدد المتحدث على أن الرؤية الحالية لا تكتفي باستخراج الموارد الطبيعية، بل تسعى إلى الانتقال من الاستخراج إلى التصنيع ثم التصدير، عبر توفير بنية تحتية قوية في مجال النقل واللوجستيك، معتبرًا أن هذا التوجه يعكس رؤية شاملة تشاركية بإشراك مختلف القطاعات.
وأضاف أن مشاريع السكك الحديدية المنجمية تُنجز بأيادٍ جزائرية، وبالتعاون مع شركاء دوليين موثوقين، ما يعكس مستوى الثقة الدولية المتزايدة في الاقتصاد الجزائري.
● مجلس الوزراء محطة تنفيذ لا تخطيط فقط
ويجمع محللون اقتصاديون على أن اجتماع مجلس الوزراء يشكل محطة مفصلية في مسار تجسيد الخيارات الاقتصادية الاستراتيجية لرئيس الجمهورية.
معتبرين أن طبيعة الملفات المدرجة في جدول الأعمال تعكس انتقالًا واضحًا من مرحلة التخطيط وصياغة الرؤى إلى مرحلة التنفيذ العملي، لا سيما في القطاعات المنجمية والبنى التحتية ذات الأثر المباشر على النمو وتنويع مصادر الدخل.
● تيغرسي: خارطة تحول اقتصادي بمشاريع استراتيجية
وفي هذا الإطار، تناول مجلس الوزراء عرضًا يتعلق بإطلاق مشروع استغلال منجم الزنك والرصاص بواد أميزور، أحد أبرز المشاريع المنجمية المنتظرة. وأكد الدكتور هواري تيغرسي، المحاضر في الاقتصاد بجامعة بن عكنون والخبير الاقتصادي، في تصريح للجزائر الآن، أن مخرجات الاجتماع تعكس بوضوح التوجه الجديد للاقتصاد الوطني، القائم على الاستثمار المنجمي، تطوير البنية التحتية، دعم الأمن الغذائي، وضبط السوق الوطنية بشكل استباقي.
وأوضح تيغرسي أن أهمية مشروع واد أميزور لا تكمن فقط في استغلال مورد طبيعي جديد، بل في إدراجه ضمن رؤية استراتيجية شاملة تقوم على إدماج النشاط المنجمي في النسيج الإنتاجي الوطني، بما يسمح بخلق قيمة مضافة حقيقية، وتقليص الاعتماد على الواردات، وفتح آفاق جديدة للتصدير خارج قطاع المحروقات.
● منجم واد أميزور: خطوة نوعية في تنويع الاقتصاد
وصف تيغرسي المشروع بأنه خطوة نوعية في مسار تنويع الاقتصاد الوطني، كونه يفتح قطاعًا إنتاجيًا عالي القيمة، ويستثمر موارد طبيعية غير مستغلة تاريخيًا، ويربط الثروة المنجمية بسلاسل صناعية حيوية، مثل الصناعات الميكانيكية والبطاريات ومواد البناء، بما يعكس تحول الدولة من منطق الريع إلى منطق الإنتاج والتصنيع.
وأضاف أن المشروع سيعزز السيادة المعدنية، ويقلل هشاشة الاقتصاد الوطني أمام تقلبات أسعار النفط، من خلال خلق قيمة مضافة اقتصادية تشمل رفع الناتج الصناعي غير النفطي، توليد إيرادات تصديرية، وتنشيط الاستثمارات والخدمات المرتبطة بالنقل واللوجستيك.
كما أشار إلى أن المشروع سيساهم في خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، ونقل التكنولوجيا الحديثة، وبناء قاعدة معرفية وطنية في مجال التعدين الصناعي، فضلًا عن تحسين الميزان التجاري خارج المحروقات.
السكة الحديدية المنجمية: من الاستخراج إلى التصدير
ومن بين الملفات المركزية التي تابعها مجلس الوزراء، تقدم إنجاز مشروع السكة الحديدية المنجمية لخط بلاد الحدبة – واد الكبريت – ميناء عنابة، المخصص لنقل الفوسفات والأسمدة. ويجمع مختصون في اقتصاد النقل واللوجستيك على أن هذا المشروع يشكل حلقة محورية في سلسلة تثمين الفوسفات، من الاستخراج إلى التصنيع ثم التصدير.
ويرى الخبراء أن هذا الخط السككي سيساهم في خفض تكاليف النقل، وتحسين مردودية المشاريع المنجمية، ورفع تنافسية المنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية، خصوصًا الإفريقية، بما يعزز تموقع الجزائر كقطب إقليمي في صناعة الأسمدة.
● البنية التحتية كرافعة للنمو الاقتصادي
وأكد تيغرسي أن الخط الحديدي يمثل نقلة نوعية في النقل الصناعي، من خلال خفض كلفة النقل، انتظام الإمدادات، تقليص آجال التسليم، وربط الإنتاج مباشرة بالموانئ دون اختناقات لوجستية، ما يحول النقل من مجرد خدمة إلى عنصر أساسي في خلق القيمة المضافة.
وأضاف أن المشروع يفتح المجال لجذب صناعات تحويلية، ويعزز نشاط ميناء عنابة كميناء صناعي، ويمهد مستقبلاً لربط الجزائر بعمقها الإفريقي ضمن منظومة اقتصادية إقليمية متكاملة.
● الفوسفات والأسمدة: بين الأمن الغذائي والبعد الجيو-اقتصادي
ويرى خبراء في الاقتصاد الزراعي أن التركيز على الفوسفات والأسمدة يعكس وعيًا استراتيجيًا بدور هذه الصناعة في دعم الأمن الغذائي الوطني، في ظل تقلبات الأسواق العالمية، إلى جانب فتح آفاق تصديرية ذات بعد جيو-اقتصادي.
وأشار مختصون إلى أن إدراج هذا الملف ضمن جدول أعمال مجلس الوزراء يندرج ضمن رؤية تجعل من الصناعات التحويلية أداة لتعزيز النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي للجزائر.
● تموين السوق في رمضان: الاقتصاد في خدمة الاستقرار الاجتماعي
إلى جانب الملفات الهيكلية، ناقش مجلس الوزراء التدابير المتخذة لضمان تموين السوق الوطنية خلال شهر رمضان، حيث اعتبر خبراء السياسات العمومية أن هذا المحور يعكس مقاربة متوازنة تجمع بين مواصلة الإصلاحات الاقتصادية الكبرى والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.
وأكد تيغرسي أن الانتقال من تدخل ظرفي إلى تخطيط استباقي قائم على التوقع، المخزون، والرقابة، يمثل خطوة نوعية لحماية القدرة الشرائية، مع ضرورة تعزيز الشفافية، إصلاح سلاسل التوزيع، وإشراك القطاع الخاص بذكاء لضمان استمرارية وانتظام السوق الوطنية.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة