آخر الأخبار

السابع عشر من جانفي: ذكرى الخيانة المغربية التي لا يريد التاريخ نسيانها

شارك
بواسطة محمد،قادري
صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي الوطني و الدولي .
مصدر الصورة
الكاتب: محمد،قادري

السابع عشر من جانفي: ذكرى الخيانة المغربية التي لا يريد التاريخ نسيانها

الجزائرالٱن _ في مثل هذا اليوم، السابع عشر من جانفي قبل 179 عاماً بالتحديد (1846)، كتب الماريشال الفرنسي سانت أرنو رسالة يعلن فيها منتشياً: “قرر أخيراً المغرب التحرك لصالحنا ضد الأمير عبد القادر”. كانت تلك الرسالة إيذاناً بنهاية واحدة من أعظم ملاحم المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، وبداية لسقوط أخلاقي ما زالت آثاره تتردد حتى يومنا هذا.

حصار من كل الجهات

الأمير عبد القادر الجزائري، ذلك الرجل الذي أذهل العالم بمقاومته الباسلة للاحتلال الفرنسي لأكثر من خمسة عشر عاماً، وجد نفسه محاصراً من جهتين: العدو الفرنسي من الشرق، والسلطان المغربي من الغرب.

الرجل الذي قاتل من أجل أرضه وشعبه، والذي لجأ إلى جيرانه طلباً للملاذ والدعم في قضية مشتركة ضد محتل واحد، تُرك وحيداً يواجه مصيره.

لم تكن “المغرب” في ذلك الوقت دولة بالمعنى الحديث، بل سلطنة تحكمها الحسابات الضيقة والخوف من المواجهة. لكن ما يهمنا هنا ليس التسميات، بل الموقف الأخلاقي: عندما كان أخوك في الدين واللغة والدم يُطارد ويُحاصر، اخترت أن تقف مع جلاده.

الخيانة باسم “الواقعية”

سيقول البعض: “لكن المغرب كان ضعيفاً عسكرياً، والفرنسيون قصفوا موانئه وهددوا أمنه”. وهذا صحيح، لكنه لا يبرر شيئاً.

فالمقاومة ليست دائماً عن القوة العسكرية، بل عن الموقف الأخلاقي. كان بإمكان السلطان أن يرفض التواطؤ، أن يواصل دعم الأمير سراً، أن يقف موقفاً إنسانياً على الأقل. لكنه اختار الطريق الأسهل: التخلي عن أخيه في محنته.

والأنكى من ذلك، أن هذا التخاذل لم يحم المغرب من الاستعمار. فبعد عقود قليلة، سقطت المغرب نفسها تحت الحماية الفرنسية عام 1912. الخيانة لم تحمِ أحداً، بل أسقطت الجميع.

غزة: التاريخ يعيد نفسه بوجوه جديدة

اليوم، وبعد عشرات السنين من تلك الرسالة المشؤومة، نشهد نفس المشهد يتكرر. في غزة، يتعرض شعب بأكمله للإبادة أمام أعين العالم. أكثر من 47 ألف شهيد، أغلبهم من الأطفال والنساء، مدن بأكملها تُمحى من الوجود، وشعب يُجوّع ويُحاصر ويُقتل بدم بارد.

وماذا يفعل “الإخوة” العرب؟

المغرب، التي تخلت عن الأمير عبد القادر، تطبع اليوم مع الكيان الصهيوني وتفتح أبوابها للتعاون الأمني والاقتصادي مع من يقتل أهلنا في غزة. نفس الخيانة، نفس المنطق، نفس الذرائع عن “المصلحة الوطنية” و”الواقعية السياسية”.

الإمارات، التي تتباهى بناطحات سحابها وثروتها النفطية، تسارع إلى التطبيع والتحالف مع المحتل، بينما أطفال غزة يموتون جوعاً وبرداً تحت الأنقاض. تستثمر في الاقتصاد الصهيوني بينما اقتصاد غزة يُدمر ومستشفياتها تُقصف ومدارسها تتحول إلى مقابر جماعية.

لا واقعية سياسية مع الدم

البعض سيقول مرة أخرى: “لكنها المصالح، والسياسة، والتوازنات الإقليمية”. ونقول لهم: لا توجد مصالح تبرر الصمت على الإبادة. لا توجد سياسة تعلو على قيمة الدم الإنساني. لا توجد توازنات إقليمية أهم من كرامة شعب يُباد.

عندما يكون أخوك محاصراً ومهدداً في حياته، لا مكان للحسابات الباردة. عندما تُرتكب جريمة إبادة جماعية، لا يجوز الوقوف على الحياد. التاريخ لا يرحم الخونة، ولا ينسى المتفرجين على المذابح.

الدرس الذي لا يتعلمه الخونة

الأمير عبد القادر استسلم في ديسمبر 1847، بعد عشرة أشهر فقط من رسالة سانت أرنو. وجد نفسه بلا ملجأ، محاصراً من كل جانب، خذله من ظن أنهم إخوته. لكن التاريخ أنصفه، فأصبح رمزاً للمقاومة والشرف، بينما غرق خاذلوه في النسيان والعار.

اليوم، شعب غزة يقاوم بأظافره، بحجارته، بصموده الأسطوري. ولا شك أن التاريخ سينصفه كما أنصف الأمير عبد القادر. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: متى سيتعلم الخونة الدرس؟ متى سيتوقفون عن تكرار نفس الخيانات باسم نفس الذرائع؟

في السابع عشر من جانفي 1846، خان المغرب الأمير عبد القادر.

في السابع عشر من جانفي 2025، لا يزال الأحفاد يمارسون نفس القذارة التي تحلى بها أجددهم.

والتاريخ، كما دائماً، يسجل ويشهد.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا