آخر الأخبار

القاهرة والدوحة تشهدان على الجزائريين يا مراكش ... وكفى بهما شاهدين

شارك
بواسطة محمد،قادري
صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي الوطني و الدولي .
مصدر الصورة
الكاتب: محمد،قادري

● القاهرة والدوحة تشهدان على الجزائريين يا مراكش … وكفى بهما شاهدين

الجزائرالٱن _ في زمن تختلط فيه الأخوة بالمصالح، والصداقة بالمناورات، تبرز دائماً مواقف تكشف معادن الرجال وحقيقة الدول. ما شهدته مراكش وشقيقتها الرباط من معاملة للجزائريين خلال كأس إفريقيا 2025 يستدعي وقفة تأمل عميقة، لا من باب الشكوى أو البكائية، بل من منطلق المقارنة الموضوعية مع تجارب سابقة في عواصم عربية أخرى عرفت كيف تحتضن أبناء الجزائر.

● القاهرة .. دفء المحبة وكرم الضيافة

من يعرف تاريخ العلاقة الكروية بين الجزائر ومصر يدرك أن التنافس بين المنتخبين ظلّ، في جوهره، تنافسًا رياضيًا شريفًا تحكمه الروح قبل النتيجة، ولم ينزلق يومًا إلى عداوة أو تصفية حسابات، باستثناء محطة عابرة في نوفمبر 2009 بقيت معزولة ولم تغيّر عمق العلاقة بين الشعبين.

في القاهرة، لا يشعر الجزائري بالغربة، سواء كان لاعبًا أو مشجعًا، بل يُستقبل بدفء المحبة وصدق الاحترام، وكأن المدينة تعرفه منذ زمن.

المصري بطبعه يعرف معنى الضيافة، ويدرك أن الأخوة العربية لا تُختزل في تسعين دقيقة. خلال تواجد المنتخب الجزائري في القاهرة سنة 2019، لم تُسجّل حملات تشويه، ولا فبركات إعلامية، ولا ملاحقات عبثية للجماهير.

كانت المنافسة في الملعب فقط، أما خارجه فكانت الإنسانية هي العنوان الأبرز. المصريون يفرّقون بوعي بين كرة القدم كرياضة، وبين كرامة الإنسان، وهو ما جعل تجربة الجزائريين في مصر تجربة دافئة ومطمئنة، مهما كانت نتيجة المباراة.

مصدر الصورة

في كأس إفريقيا بمصر، كان الجزائري يسير مرفوع الرأس، يشجّع فريقه بحرية وأمان، يضحك، يهتف، ويغني دون خوف أو ريبة، ثم يعود إلى بلاده وهو يحمل في قلبه صورًا لا تُنسى عن كرم الشعب المصري، وعن حضن عربي واسع لا يُغلق أبوابه عند الخسارة ولا يضيّق صدره عند الفوز.

لم تُلفّق له تُهم، ولم تُنصب له كاميرات خفية لتشويه صورته، بل عاش كرة القدم كما يجب أن تُعاش: فرحًا، واحترامًا، وذكرى جميلة لا يمحوها الزمن.

● الدوحة .. عندما تُحدث العفوية عن سمو الأخلاق

ومن يمكنه أن ينسى ذلك المشهد البديع في 18ديسمبر 2021، حين توّج المنتخب الجزائري بكأس العرب على أرض الدوحة، وصعد اللاعبون إلى منصة التتويج لاستلام الكأس الغالية.

كان أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، يصافح اللاعبين واحداً واحداً، يهنئهم بابتسامة صادقة، ويشاركهم فرحة الإنجاز.

مصدر الصورة

وحين وصل إلى مجيد بوقرة، المدرب الجزائري، لم يكتف بالمصافحة الرسمية، بل مازحه بوضع يده على بطنه في إشارة لطيفة إلى أن بوقرة اكتسب “كرش” صغيرة، ثم ضحك الاثنان بعفوية وتلقائية.

هذا المشهد البسيط قال الكثير. قال إن القطريين يعاملون ضيوفهم كأهل، يمازحونهم بمحبة، يحتفون بإنجازهم دون تكلف أو رسميات باردة. أمير الدولة نفسه، في أعلى مراتب البروتوكول، ينزل لمستوى الإنسانية الراقية ليشارك المدرب الجزائري لحظة مرح عفوية.

وسلّم أمير قطر كأس البطولة لمحاربي الصحراء رفقة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا جياني إنفانتينو، بعد أن هنأ لاعبي المنتخب الجزائري يداً بيد على منصة التتويج.

هكذا تكون الضيافة الحقيقية. هكذا تكون الأخوة الصادقة. لا تصنع ولا تكلف، بل تنبع من القلب والتربية الأصيلة.

● مراكش .. عندما تتحول البطولة إلى محاكمة

أما في مراكش، فقد كانت التجربة مختلفة تماماً. منذ وصول الوفد الجزائري، وكأن الأمور مُعدة سلفاً لتحويل المشاركة الرياضية إلى معركة شائعات وتشويه منظم.

● حملة الأكاذيب المُمنهجة:

بدأت القصة بادعاءات حول تغطية صورة الملك في الفندق، ثم انتقلت لاتهام البعثة الجزائرية بسرقة كرتي تدريب.

ثم اختراع قصة “سرقة فواكه مجففة” من فندق، وكلها روايات لم يُقدم عليها دليل واحد مقنع، بل كانت مجرد محاولة رمي الشرفاء باتهامات باطلة تُبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي لغرض واحد: تشويه صورة الجزائريين.

● الاعتقالات التعسفية:

الأدهى والأمر كان اعتقال الشاب اليوتيوبر رؤوف بلقاسمي بتهمة “الإساءة للمغرب”، لأنه قال “مازحا” أنّ صعوبة لقاء الكونغو الديمقراطية جعلته يتبول على نفسه.

وهو ما لم يفعله بشهادة المغاربة الذين كانوا حاضرين في المدرجات إلى جنبه، لكن “المزحة” تحولت إلى جريمة يعاقب عليها القانون، ليزج به خلف القضبان.

حتى الهواتف الشخصية لم تسلم، حيث تم سحب هاتف صديق رؤوف بلقاسمي، في انتهاك صارخ للحريات الشخصية وحقوق الإنسان.

كل هذا تحت ذريعة “حماية سمعة المغرب”، وكأن سمعة دولة تُبنى على قمع الحريات واختلاق التهم!

● مصادرة الحريات:

ورغم الألم الذي تسبب فيه النظام المغربي للجزائريين بالعمل على إقصاء منتخب بلادهم من المنافسة، إلا أنه لم يكتف، وقام عسكر الملك بالاعتداء على المناصرين الجزائريين في المدرجات، كما قام بمنع محمد رحو وهو مناصر فرنسي من أصول جزائرية من السفر بحجة “سب سكان مراكش”، رغم عدم وجود دليل قاطع على ذلك.

وبعده بريطاني من أصول جزائرية تم منعه من المغادرة بتهمة “تمزيق أوراق نقدية مغربية”، وكلها اتهامات ملفقة لا أساس لها من الصحة.

● الفضيحة التحكيمية الكبرى: نيجيريا شاهد على الظلم

وبين هذا وذاك كانت القشة التي قصمت ظهر البعير: مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع النهائي.

مباراة شهدت أخطاء تحكيمية فاضحة، وقرارات مشبوهة، وتجاهلاً واضحاً لتقنية الفيديو (VAR) التي من المفترض أن تضمن العدالة.

لم يتدخل الحكم المساعد بالفيديو في مواقف حاسمة كان يجب مراجعتها، بينما كان سريعاً جداً في مواقف أخرى لصالح الطرف الآخر.

الجزائريون لم يخسروا مباراة كرة قدم فقط، بل شعروا أنهم خسروا حقهم في منافسة عادلة.

شعروا أن الملعب لم يكن ميداناً محايداً، بل ساحة مُعدة سلفاً لإخراجهم من البطولة بأي ثمن.

ومع ذلك، لم تسمع أي احتجاج رسمي من الاتحاد الإفريقي، ولا أي إدانة للأخطاء الصارخة، وكأن الأمر عادي ومقبول.

● النظام المغربي على حقيقته

كل ما حدث ليس مجرد حوادث متفرقة، بل هو كاشف لطبيعة النظام الذي استضاف البطولة. نظام لا يفهم معنى الضيافة الحقيقية، بل يفهم فقط لغة القمع والتشويه والتلفيق.

نظام يستخدم الرياضة لتصفية حسابات سياسية، ويوظف الإعلام لشن حملات تشويه منظمة، ويستغل السلطة لاعتقال الأبرياء وتلفيق التهم.

في القاهرة، يعامل الجزائري كأخ. في الدوحة، يُعامل كضيف كريم يُمازح ويُحتفى به.

أما في مراكش، فيُعامل كمشتبه به يجب مراقبته وتصويره واتهامه في أي لحظة!

● رسالة إلى كل حر

الدرس الذي يجب أن يتعلمه الجزائريون من هذه التجربة المريرة هو أن الأخوة الحقيقية لا تُقاس بالشعارات الرنانة ولا بالخطب المنمقة، بل بالمواقف العملية والمعاملة على أرض الواقع.

القاهرة والدوحة تشهدان على أخلاق الجزائريين وعلى كرم المصريين والقطريين.

أما مراكش فمثلها مثل الرباط والدار البيضاء وغيرها، فستبقى شاهدة على نظام فشل في اختبار الضيافة وسقط في امتحان الأخوة.

الجزائريون خرجوا من هذه البطولة بكرامتهم مرفوعة، وبرؤوسهم عالية، وبيقين راسخ أن العدالة ستأتي يوماً ما، وأن التاريخ سيكتب الحقيقة كاملة.

● التاريخ لا ينسى

ستمر الأيام، وستُنسى النتائج الرياضية، لكن سيبقى في الذاكرة الجماعية للجزائريين كيف عاملتهم القاهرة بدفء الأخوة، وكيف احتضنتهم الدوحة بكرم الضيافة، وكيف واجهتهم مراكش بحملات التشويه والاعتقالات التعسفية.

الأخلاق لا تُشترى بالمال، والكرامة لا تُباع بالمناصب. والتاريخ، ذلك الشاهد العادل، سيكتب أن القاهرة والدوحة عرفتا كيف تستقبلان الجزائريين، أما مراكش فلم تعرف إلا لغة القمع والتلفيق.

شارك

الأكثر تداولا دونالد ترامب أمريكا إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا