غاز روسيا بعوائد أمريكية.. هل تدفع أوروبا ثمن إحياء نورد ستريم مرتين؟
تفتح محادثات أمريكية روسية بشأن دخول مستثمر أمريكي إلى خطوط نورد ستريم احتمالا لإعادة توزيع عوائد الغاز الروسي، في ترتيب قد تستعيد بموجبه موسكو جزءا من صادراتها إلى أوروبا، ويحصل مستثمرون أمريكيون على أرباح من البنية التحتية، لكن المشروع يواجه معارضة أوروبية تشكلت بعد أزمة طاقة مكلفة، في حين تثير عودته تساؤلات بشأن أسعار الغاز والمنافسة مع الصادرات الأمريكية والقطرية.
وذكرت رويترز، في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول، نقلا عن 5 مصادر وصفتها بالمطلعة من دون كشف هويتها، أن مسؤولين أمريكيين وروسا، بينهم جاريد كوشنر وكيريل ديمترييف، ناقشوا مشاركة استثمارية أمريكية محتملة في نورد ستريم. غير أن مسؤولا بالبيت الأبيض نفى إجراء محادثات حديثة بشأن المشروع، في حين استبعد مسؤول أمريكي آخر التوصل إلى اتفاق في المدى المتوسط.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 أزمة الديزل تتحدى إجراءات ترمب قبل الانتخابات
* list 2 of 2 الكهرباء تعيد رسم خريطة الاستثمار.. فرصة عربية لكن بشروط end of list
ولم تُعلن تفاصيل الاستثمار أو ترتيبات إعادة التشغيل، مما يبقي المشروع في نطاق المحادثات الاستكشافية، بعيدا عن أي اتفاق قابل للتنفيذ.
أنابيب روسية.. وأرباح أمريكية محتملة
تبلغ الطاقة التصميمية الإجمالية لنورد ستريم الأول والثاني 110 مليارات متر مكعب سنويا. وتمتلك غازبروم الروسية 51% من المشروع الأول، في حين تتوزع الحصص المتبقية بين شركات أوروبية، بينما تسيطر على المشروع الثاني عبر شركة تابعة.
مصدر الصورة
لكن ثلاثة من الخطوط الأربعة تضررت بانفجارات سبتمبر/أيلول 2022، في حين لم يدخل الرابع الخدمة، مما يجعل استعادة الطاقة التصميمية مشروطة بإصلاح الأضرار وتجاوز العقبات التنظيمية والتجارية.
وتختلف ملكية الأنابيب اقتصاديا عن ملكية الغاز وعوائد بيعه، فقد يستفيد المستثمر الأمريكي من رسوم النقل أو توزيعات الأرباح أو ارتفاع قيمة الأصول، بينما تتمثل مصلحة غازبروم في استعادة المبيعات، ولو اقتضى ذلك التخلي عن جزء من ملكيتها.
وهنا يظهر تضارب محتمل داخل المصالح الأمريكية نفسها، إذ قد يحقق مستثمر أمريكي عوائد من نقل الغاز الروسي، بينما تواجه شركات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأمريكية منافسة إضافية في السوق الأوروبية.
ولا تتوافر معلومات تحدد هيكل الاستثمار أو تمويل الإصلاح، كما أن المحادثات المنفصلة بشأن أصول شركة "لوك أويل" الروسية، التي قد تشمل مستثمرين أمريكيين وقطريين وإماراتيين، لا تمثل جزءا مثبتا من ترتيبات نورد ستريم.
روسيا.. سوق فقدت 116 مليار متر مكعب
وتوضح بيانات المفوضية الأوروبية حجم الحافز الاقتصادي لموسكو، إذ تراجعت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الروسي من 152 مليار متر مكعب عام 2021 إلى 36 مليارا في 2025، بانخفاض بلغ 116 مليار متر مكعب، أو نحو 76%.
كما هبطت حصة روسيا من إجمالي واردات الاتحاد من 45% إلى 12% خلال الفترة نفسها.
لكن خسارة هذه الكميات لا تعني انخفاض الإيرادات بالنسبة نفسها، نظرا لاختلاف الأسعار والعقود وتكاليف النقل. وقد تتيح العودة الجزئية استعادة مبيعات مهمة، مقابل تكلفة إصلاح الأنابيب واحتمال تقاسم عوائد البنية التحتية مع مستثمرين أمريكيين.
وبذلك، ستتوقف الجدوى بالنسبة إلى موسكو على صافي الإيرادات الممكن استعادتها، لا على حجم الغاز المصدر وحده.
أوروبا.. لماذا تغيرت حسابات الغاز الروسي؟
قبل الحرب في أوكرانيا، قامت العلاقة الأوروبية الروسية على اعتبار الاعتماد المتبادل ضمانة اقتصادية، فموسكو تحتاج إلى إيرادات السوق الأوروبية، بينما تستفيد أوروبا من إمدادات كبيرة لدعم الصناعة والتدفئة وتوليد الكهرباء.
مصدر الصورة
لكن اضطرابات الإمدادات خلال عامي 2021 و2022، وما رافقها من ارتفاع الأسعار وتدخلات حكومية لحماية المستهلكين والشركات، أضعفت هذا الافتراض.
وفي مايو/أيار 2022، أطلقت المفوضية الأوروبية خطة "ريباور إي يو" لإنهاء الاعتماد على الوقود الروسي وتنويع مصادر الطاقة. وقدرت آنذاك تكلفة واردات الوقود الروسي بنحو 100 مليار يورو سنويا، وأشارت إلى تأييد 85% من الأوروبيين تقليص الاعتماد على النفط والغاز الروسيين سريعا لدعم أوكرانيا، وفق استطلاع استندت إليه.
ولم تعد المؤسسات الأوروبية تقيس تكلفة الغاز بسعر شرائه وحده، بل بمخاطر انقطاع الإمدادات، وتأمين البدائل، والدعم الحكومي، والخسائر الصناعية.
وتجسد أزمة شركة "يونيبر" الألمانية هذه المخاطر، إذ ضخت برلين 13.5 مليار يورو لإنقاذها خلال أزمة الطاقة، وفق رويترز. ولا يمثل هذا المبلغ تكلفة نورد ستريم تحديدا، لكنه يوضح الأعباء المالية التي قد تترتب على صدمات الإمدادات.
وفي تحذير مباشر من إحياء المشروع، قال ميشائيل كيلنر، النائب الألماني الذي تولى مسؤوليات في سياسة الطاقة عقب الحرب الروسية على أوكرانيا، لرويترز إن الاتفاق المحتمل قد يكلف أوروبا ثمنا باهظا، مضيفا أن الأمريكيين والروس سيتقاسمون الأرباح.
ألمانيا وشرق أوروبا.. اعتراضات بدوافع مختلفة
تعارض الحكومة الألمانية إعادة تشغيل نورد ستريم، رغم استفادة اقتصادها سابقا من الغاز الروسي. لكن الموقف ليس موحدا داخليا، إذ يؤيد حزب البديل من أجل ألمانيا استعادة الواردات، بينما يحذر معارضون من تعزيز إيرادات موسكو وتجديد الاعتماد عليها.
أما بولندا ودول البلطيق، فتستند اعتراضاتها إلى اعتبارات أمنية وإستراتيجية مرتبطة بالنفوذ الروسي والحرب في أوكرانيا.
مصدر الصورة
في المقابل، قد تؤدي زيادة إمدادات الغاز إلى تخفيف الأسعار ودعم الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، لكن حجم الفائدة يتوقف على الطلب والمخزونات والعقود والمنافسة العالمية. كما لا ينتقل انخفاض أسعار الجملة تلقائيا إلى المصانع والأسر.
وتتمثل المفاضلة الأوروبية في تحديد ما إذا كانت الوفورات المحتملة تفوق تكلفة المخاطر المستقبلية.
أوروبا بين الاعتماد الروسي والأمريكي
رغم تقليص الواردات الروسية، لم تتخلص أوروبا من الاعتماد على الطاقة المستوردة، فقد بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال 131 مليار متر مكعب في 2025، مقابل 158 مليارا عبر الأنابيب، لتشكل الشحنات المسالة نحو 45% من الإجمالي.
وكانت الولايات المتحدة أبرز المستفيدين من هذا التحول، إذ ارتفعت واردات أوروبا من الغاز المسال الأمريكي من 29.8 مليار متر مكعب عام 2021 إلى 99.5 مليارا في 2025، بحصة بلغت 58%، وفق معهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي.
وتشمل أوروبا في هذه البيانات الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والنرويج وتركيا، مما يجعل نطاقها مختلفا عن إحصاءات الاتحاد وحده.
ويتوقع المعهد أن توفر الولايات المتحدة نحو ثلثي واردات أوروبا من الغاز المسال خلال 2026، مع احتمال ارتفاع حصتها من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز المسال إلى 80% بحلول 2028 أو 2029 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
وترى آنا ماريا يالر ماكاريفيتش، كبيرة محللي الطاقة لشؤون أوروبا في المعهد، أن التحول من الغاز المنقول بالأنابيب إلى الغاز المسال لم يحقق بالكامل هدفي تنويع الإمدادات وأمنها، وأن اضطرابات الشرق الأوسط والاعتماد المتزايد على الولايات المتحدة كشفا أشكالا جديدة من المخاطر.
ولا يعني هذا التقييم أن العودة إلى الغاز الروسي أكثر أمانا، لكنه يسلط الضوء على تحدي تنويع الموردين وتقليص التعرض للصدمات الخارجية.
قطر.. المنافسة الروسية وسط اضطرابات الإمدادات
وشكل الغاز القطري 6% من واردات أوروبا من الغاز المسال خلال الربع الأول من 2026، وفق المعهد، مع تفاوت الاعتماد عليه بين الدول. فقد وفر 33% من واردات إيطاليا من الغاز المسال خلال 2025، و25% لبولندا، و16% لبلجيكا.
غير أن المنافسة لا تتحدد بالحصص السوقية وحدها، بل بالعقود طويلة الأجل والأسعار الآسيوية وإمكانية تحويل الشحنات.
مصدر الصورة
ووثقت وكالة الطاقة الدولية انخفاض شحنات الغاز المسال من قطر والإمارات بنحو 35 مليار متر مكعب على أساس سنوي بين مارس/آذار ويونيو/حزيران 2026، نتيجة اضطرابات الحرب في الشرق الأوسط. وعوض الإنتاج خارج الخليج نحو ثلاثة أرباع الانخفاض، لكن المعروض العالمي تراجع بنحو 8 مليارات متر مكعب.
وارتفع متوسط سعر الغاز الأوروبي خلال الربع الثاني بنسبة 32% على أساس سنوي إلى نحو 16 دولارا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مقابل ارتفاع الأسعار الفورية الآسيوية بنسبة 45% إلى 17.5 دولارا، مما شجع تحويل الشحنات المرنة نحو آسيا، بحسب الوكالة.
وفي تحليل نشرته رويترز في سبتمبر/أيلول، أشار بنك مورغان ستانلي إلى احتمال استمرار اضطراب الإمدادات القطرية إلى الربع الأول من 2027، كما قدر أن اجتماع شتاء بارد مع استمرار نقص الإمدادات قد يدفع الأسعار الأوروبية إلى مستويات مرتفعة تصل إلى 200 يورو لكل ميغاواط/ساعة، في سيناريو مشروط لا يمثل توقعا أساسيا مؤكدا.
وقد تضيف عودة الغاز الروسي معروضا إلى السوق الأوروبية وتخفف المنافسة على الشحنات البحرية، لكنها لا تعني بالضرورة خسارة قطر أو الولايات المتحدة الكميات نفسها، نظرا لإمكانية إعادة توجيه بعض الصادرات إلى أسواق أخرى.
اقتصاديات العودة.. من يمول ومن يجني العوائد؟
ولا تتوقف الجدوى الاقتصادية لإحياء نورد ستريم على حجم الغاز الذي يمكن ضخه مجددا، بل على تكلفة إصلاح الأنابيب والتمويل وشروط النقل والتسعير، فضلا عن قدرة المشروع على تأمين مشترين في سوق تغيرت بنيتها منذ 2022.
وتختلف حسابات الربح بين الأطراف، فروسيا تسعى إلى استعادة إيرادات صادراتها، بينما قد ترتبط عوائد المستثمر الأمريكي برسوم النقل أو حصته في الأصول، في حين تتوقف استفادة المستهلك الأوروبي على مدى مساهمة الإمدادات الإضافية في خفض الأسعار.
وهذه المصالح لا تتطابق بالضرورة، فارتفاع رسوم النقل قد يعزز عائد المستثمر ويقلص صافي إيرادات المصدر، بينما لا يضمن استئناف التدفقات انخفاض الأسعار الأوروبية.
ومع غياب تقديرات معلنة وموثوقة لتكاليف الإصلاح وحجم الاستثمار وشروط التشغيل، تظل الجدوى المالية للمشروع غير محسومة.
العقبة الأوروبية.. أبعد من العقوبات
أصبح التخلص من الغاز الروسي جزءا من إطار قانوني ملزم بموجب اللائحة الأوروبية 2026/261، التي تنص على حظر واردات الغاز المسال الروسي بموجب العقود طويلة الأجل اعتبارا من يناير/كانون الثاني 2027، والغاز المنقول بالأنابيب بموجب العقود طويلة الأجل اعتبارا من 30 سبتمبر/أيلول 2027، مع إمكانية تأجيل محددة إلى الأول من نوفمبر/تشرين الثاني وفق شروط تتعلق بمستويات التخزين.
مصدر الصورة
ويعكس التشريع سياسة أوروبية أوسع لتقليص مخاطر الإمدادات وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، مما يعني أن دخول مستثمر أمريكي إلى نورد ستريم لن يغير مصدر الغاز أو يزيل الاعتراضات التنظيمية والأمنية.
وفي المحصلة، قد تستعيد روسيا جزءا من إيرادات صادراتها، ويحقق مستثمرون أمريكيون عوائد من الأنابيب، بينما تواجه صادرات الغاز المسال منافسة إضافية، وقد تستفيد بعض الصناعات الأوروبية من زيادة المعروض.
لكن هذه المكاسب تظل مشروطة بإصلاح الخطوط والحصول على الموافقات وتغيير الظروف القانونية والتجارية.
وهكذا، لا تتعلق معادلة نورد ستريم بمن سيقتسم عوائد الغاز الروسي وحده، بل بمن سيتحمل تكلفة إعادة تشغيله ومخاطر الاعتماد عليه. فبالنسبة إلى أوروبا، قد تعني العودة الحصول على إمدادات إضافية، لكنها قد تعني أيضا تحمل مخاطر نموذج سبق أن دفعت ثمنا اقتصاديا كبيرا للخروج منه، فيما تتوزع عوائد إحيائه المحتمل بين موسكو ومستثمرين أمريكيين.